اعلنوا وقت الوفاه

لمحة نيوز

دكتور؟
ضحك كريم وقال لا... كنت فقط متأكد من شيء واحد، إني لن أتوقف عن المحاولة.
كانت كلمات كريم مثل النور في قلب الطفل.
مرت السنوات، وكبر ياسين، وأصبح من أكثر الطلاب تفوقًا.
وفي يوم دخوله كلية الطب، وقف أمام كريم وقال أنت لم تعطِني كتبًا فقط... أنت أعطيتني فرصة.
رد كريم وأنت أثبت أن الفرصة عندما تجد شخصًا متمسكًا بحلمه تتحول إلى نجاح.
وبعد سنوات طويلة، جاء اليوم الذي وقف فيه ياسين أمام أول مريض له وهو يرتدي المعطف الأبيض.
وقبل أن يبدأ عمله، فتح حقيبته وأخرج صورة صغيرة لكريم وهو طفل يحمل كتابه القديم.
كتب تحتها
هناك أشخاص لا ينقذون حياة واحدة فقط... بل يفتحون الطريق لأجيال كاملة.
وفي آخر يوم عمل لكريم قبل تقاعده، دخل المستشفى فوجد ممرات المكان ممتلئة بأطباء شباب.
كل واحد منهم كان يحمل قصة.
قصة طفل كان على وشك فقدان الأمل، لكنه وجد من يمد له يده.
نظر كريم حوله وابتسم.
فقد فهم أخيرًا أن أعظم إنجاز في حياته لم يكن عدد المرضى الذين عالجهم...
بل عدد الأحلام التي أعادها للحياة.
تمت بعد مرور سنوات، كان اسم الدكتور كريم قد أصبح معروفًا في كل مكان، لكن هناك شيئًا واحدًا ظل يخفيه عن الجميع...
ذلك الكتاب الطبي القديم.
كان يحتفظ به في خزانة خاصة داخل مكتبه، ليس لأنه كتاب نادر، بل لأنه كان يذكره بالطفل الذي كانه يومًا.
وفي صباح أحد الأيام، دخل عليه شاب في بداية العشرينات يحمل ملفًا قديمًا.
قال الشاب
دكتور كريم... أنا جاي عشان أشكرك.
نظر إليه كريم باستغراب وقال
على إيه؟
فتح الشاب الملف وأخرج صورة قديمة.
توقف كريم للحظة...
كانت الصورة له وهو طفل داخل المستشفى، في اليوم الذي أنقذ فيه الرضيع.
قال الشاب
أنا كنت الطفل اللي أنقذته يومها.
صمت كريم غير مصدق.
أكمل الشاب
أنا كبرت بسببك... وكل اللي عرفته عن الحياة بدأ من اللحظة دي.
ابتسم كريم وقال
الحمد لله إنك بخير.
لكن المفاجأة لم تكن هنا...
أخرج الشاب ورقة أخرى وقال
أنا جاي أقولك حاجة كمان... أنا أصبحت طبيبًا بسبب قصتك.
نظر كريم إلى الورقة، فوجد طلبًا لإنشاء قسم جديد في المستشفى يحمل اسم
قسم الأمل للأطفال.
قال الشاب
عايز أكمل اللي بدأتَه.
امتلأت عينا كريم بالدموع.
فقد
أدرك أن الخير الذي يزرعه الإنسان لا ينتهي عند لحظة واحدة...
بل ينتقل من شخص إلى آخر.
وفي حفل افتتاح القسم الجديد، وقف كريم بجوار الأطباء الشباب، ورأى أمامه أطفالًا كانوا يومًا بلا أحلام، واليوم أصبحوا أصحاب مستقبل.
اقترب منه أحد الصحفيين وسأله
دكتور كريم، ما هي أعظم لحظة في حياتك؟
ابتسم كريم وقال
أعظم لحظة لم تكن عندما أنقذت شخصًا... بل عندما اكتشفت أن شخصًا واحدًا يستطيع أن يجعل الآخرين يؤمنون بأنفسهم.
ثم نظر إلى الكتاب القديم في يده وقال
كل إنسان يحمل بداخله قصة... فلا تحكموا على أحد من بدايته، فقد تكون نهايته أعظم مما تتخيلون.
ومن بعيد، كان طفل صغير يقف أمام باب المركز، يحمل كتابًا قديمًا وينظر إلى كريم بإعجاب...
وكأن الحكاية كانت تستعد لتبدأ من جديد.
يتبع...لكن حكاية كريم لم تكن قد انتهت بعد...
بعد سنوات من تقاعده، ظل اسم الدكتور كريم مرتبطًا بالأمل.
كان يزور مركز الأمل كل أسبوع، يجلس مع الأطفال، يسمع أحلامهم، ويخبرهم أن أصعب بداية لا تعني نهاية حزينة.
وفي أحد الأيام، وصل إلى المركز خطاب قديم.
كان الخطاب من المستشفى الذي شهد أول معجزة في حياته.
فتح كريم الظرف، فوجد بداخله صورة قديمة لغرفة الطوارئ في ذلك اليوم، ومعها رسالة من الطبيب الذي كان موجودًا وقتها
يا كريم... في ذلك اليوم كنا نظن أن القصة انتهت، لكنك أثبت لنا أن الأمل قد يظهر من مكان لا يتوقعه أحد.
ابتسم كريم وهو يقرأ الرسالة، ثم نظر إلى صورته القديمة وهو طفل صغير.
تذكر الخوف الذي كان يشعر به، والبرد الذي كان ينام فيه، والكتاب القديم الذي كان يحمله كأنه كنزه الوحيد.
لكنه أدرك أن كل لحظة صعبة مرت به كانت تصنع منه الشخص الذي أصبح عليه.
وفي مساء ذلك اليوم، اجتمع أطفال المركز حوله، وسأله أحدهم
يا دكتور كريم... إيه أعظم حاجة حصلت لك في حياتك؟
فكر قليلًا، ثم قال
مش اليوم اللي بقيت فيه طبيب مشهور... ولا اليوم اللي كسبت فيه جائزة... أعظم يوم كان لما طفل صغير زيكم عرف إن حلمه يستاهل يحارب عشانه.
ثم أشار إلى السماء وقال
ربنا أحيانًا يضعنا في طريق صعب، ليس ليكسرنا... بل ليجعلنا سببًا في إنقاذ غيرنا.
مرت السنوات، وأصبح مركز الأمل موجودًا في مدن كثيرة،
وكل مركز يحمل نفس الرسالة
لا يوجد طفل بلا قيمة... قد يكون بين الأطفال اليوم من سيغير العالم غدًا.
وفي آخر يوم من حياته المهنية، وقف كريم أمام طلاب الطب الجدد وقال
تذكروا دائمًا... المريض لا يرى فيكم طبيبًا فقط، بل يرى آخر باب للأمل.
ثم ابتسم، ونظر إلى المعطف الأبيض الذي ارتداه طوال عمره.
فقد بدأ حياته طفلًا يبحث عن فرصة...
وانتهى رجلًا يمنح الفرص للآخرين.
وهكذا بقيت قصة الطفل الذي اقتحم غرفة الطوارئ...
قصة لا يتذكرها الناس لأنه أنقذ رضيعًا فقط، بل لأنه أثبت أن قلبًا صغيرًا قد يحمل بداخله إنسانية أكبر من العالم كله.
النهاية اقترب الطفل الصغير من كريم وهو يحمل كتابًا قديمًا بين يديه.
ابتسم كريم وسأله
اسمك إيه يا بطل؟
قال الطفل بخجل
اسمي آدم.
نظر كريم إلى الكتاب الذي يحمله آدم، ثم اتسعت عيناه قليلًا.
كان نفس نوع الكتاب الطبي القديم الذي حمله كريم في طفولته.
سأله
الكتاب ده جه منين؟
خفض آدم رأسه وقال
كان بتاع والدي... قال لي قبل ما يموت إن الكتاب ده لازم يوصلك أنت.
شعر كريم بقشعريرة.
أمسك الكتاب بحذر، وبدأ يقلب صفحاته.
وفجأة وجد شيئًا صغيرًا سقط من بين الصفحات...
رسالة قديمة.
فتحها، فوجد كلمات يعرفها جيدًا.
كانت بخط والده.
يا كريم... لو وصلت لك الرسالة دي، فمعناها إن هناك طفلًا آخر يحمل نفس الحلم الذي حملته أنت يومًا.
توقف كريم عن القراءة للحظة.
ثم أكمل
لا تبحث عن الأشخاص الذين يحتاجون للمساعدة فقط... ابحث عن الأحلام الصغيرة التي تحتاج لمن يحميها.
نظر كريم إلى آدم، وشعر أن القدر أعاده إلى نفس النقطة التي بدأ منها.
سأله
هل تحب الطب يا آدم؟
ابتسم الطفل وقال
أيوه... نفسي أبقى دكتور عشان أساعد الناس.
جلس كريم بجانبه وقال
إذن أنت في المكان الصحيح.
وفي الأيام التالية، أصبح آدم واحدًا من أطفال مركز الأمل.
كان يتعلم بشغف، وكان كريم يراه يذكره بنفسه عندما كان صغيرًا.
لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا...
هذه المرة، لم يكن هناك طفل وحيد يبحث عن فرصة.
كان هناك طفل وجد من يؤمن به منذ البداية.
ومرت السنوات...
كبر آدم، ودخل كلية الطب، وأصبح طبيبًا بارعًا.
وفي يوم تخرجه، وقف بجوار كريم وقال
لو لم تقابلني في ذلك اليوم،
ربما لم أكن هنا.
ابتسم كريم وقال
أنا لم أصنع مستقبلك يا آدم... أنا فقط ساعدتك ترى الطريق.
وفي آخر صورة جمعت كريم وتلاميذه، كان بينهم عشرات الأطباء الذين بدأوا حياتهم بأحلام صغيرة.
وكان خلفهم على الحائط جملة واحدة
الأمل لا يموت... أحيانًا ينتظر فقط شخصًا يؤمن به.
وهكذا استمرت الحكاية...
فمن طفل مشرد دخل غرفة طوارئ وأنقذ حياة، إلى طبيب أنقذ آلاف الأحلام.
النهاية مرت السنوات، وكبر مركز الأمل أكثر وأكثر، وأصبح شاهدًا على مئات القصص التي بدأت بالضعف وانتهت بالنجاح.
أما الدكتور كريم، فقد كبر في السن، لكنه لم يفقد أبدًا ذلك
القلب الذي جعل طفلًا صغيرًا يدخل غرفة الطوارئ يومًا وينقذ حياة لم يكن أحد يتوقع نجاتها.
في آخر يوم له داخل المستشفى، دخل إلى غرفة الطوارئ القديمة التي بدأت منها الحكاية.
وقف في المكان نفسه الذي وقف فيه وهو طفل، وتذكر نظرات الناس إليه، وخوفه، وحقيبته الصغيرة، والكتاب المهترئ الذي كان يحمل معه حلمه.
ابتسم وقال
سبحان الله... المكان اللي دخلته وأنا طفل لا يملك شيئًا، أخرج منه وأنا أملك أجمل شيء... أثر طيب في حياة الناس.
دخل عليه مجموعة من الأطباء الشباب، وكان بينهم أطفال مركز الأمل الذين أصبحوا أطباء.
قال أحدهم
دكتور كريم، إحنا اتعلمنا منك إن الطب مش مجرد علاج... الطب رحمة.
ابتسم كريم، ونظر إليهم بفخر.
ثم أعطاهم الكتاب الطبي القديم وقال
احتفظوا به... ليس لأنه كتاب مهم، بل لأنه يذكركم أن أعظم الإنجازات قد تبدأ من أصغر الأماكن.
وبعد أيام، أقيم احتفال كبير لتكريم الدكتور كريم.
وقف أمام الجميع وقال كلمته الأخيرة
لا تنظروا إلى إنسان من ملابسه أو ظروفه أو بدايته... فقد يكون الطفل الذي لا يملك شيئًا اليوم هو الشخص الذي يمنح العالم شيئًا غدًا.
صفق الجميع، بينما جلس والده وسليمان بين الحضور، وعيونهما مليئة بالفخر.
وفي نهاية الحفل، اقترب طفل صغير من كريم وسأله
هو أنا ممكن أبقى دكتور زيك؟
ابتسم كريم وقال
لو آمنت بنفسك واجتهدت... ممكن تبقى أفضل مني.
ثم نظر إلى السماء وقال
الحمد لله الذي جعل من الألم طريقًا، ومن الضعف قوة، ومن طفل ضائع قصة أمل لا تنتهي.
وهكذا انتهت حكاية الطفل الذي اقتحم غرفة الطوارئ.
..
لم يكن بطلًا لأنه أنقذ رضيعًا فقط، بل لأنه أثبت أن الرحمة والعلم والإيمان بالحلم يمكن أن تغير حياة إنسان... بل حياة أجيال كاملة.
تمت النهاية.

تم نسخ الرابط