لو قرب منى هصرخ

لمحة نيوز

حور الرسالة وهي تبكي.
قالت ثريا وهي تمسح دموعها
أخويا كان شايف المستقبل بعينه.
ابتسمت حور وسط دموعها وقالت
ووعد يا بابا... هفضل أعيش بالشكل اللي كنت تتمناه.
خرجت من البنك وهي تشعر أن آخر رسالة من والدها منحتها سلامًا كانت تبحث عنه منذ سنوات، وعادت إلى مؤسستها لتكمل رسالتها، وقد أصبحت تؤمن أكثر من أي وقت مضى أن الخير الذي يزرعه الإنسان يبقى حتى بعد رحيله في صباح اليوم التالي، وبينما كانت حور تراجع طلبات المساعدة، لفت انتباهها ملف قديم كُتب عليه بخط اليد
حالة عاجلة.
فتحته، فتوقفت أنفاسها.
كانت البيانات تخص فتاة في السابعة عشرة من عمرها، فقدت والدها، وتعيش مع والدتها وزوج والدتها، وترغب في ترك الدراسة بسبب الظروف.
ظلّت حور تحدق في الورق لثوانٍ، ثم أغمضت عينيها.
قالت بهدوء دي أنا... من سنين.
طلبت من الموظفة إحضار الفتاة ووالدتها.
بعد ساعة، دخلت الفتاة وهي تنظر إلى الأرض بخجل، بينما كانت والدتها تبدو قلقة.
جلست حور أمامهما وقالت بابتسامة
احكيلي... إيه اللي مضايقك؟
بدأت الفتاة تتحدث، وكل كلمة كانت تذكر حور بالماضي.
استمعت إليها حتى النهاية دون أن تقاطعها.
ثم قالت
أول حاجة... تعليمك هيكمل، ومش هتدفعي جنيه واحد.
نظرت الفتاة إليها بصدمة.
وأكملت حور
وتاني حاجة.
.. أي مشكلة تقابلك، باب المؤسسة مفتوح ليكي في أي وقت.
خرجت الفتاة وهي تبتسم لأول مرة منذ شهور.
وقفت ثريا تراقب المشهد من بعيد، ثم قالت لحور
سبحان الله... ربنا خلاكي تنقذي غيرك بنفس الطريقة اللي أنقذك بيها.
ابتسمت حور وقالت
يمكن ده السبب الحقيقي لكل اللي عديت بيه.
وفي نهاية اليوم، أغلقت المؤسسة أبوابها، لكنها كانت تعلم أن هناك أبوابًا كثيرة من الأمل قد فُتحت في حياة أشخاص آخرين.
نظرت إلى السماء، وهمست
الحمد لله... النهاية اللي كنت بدعي بيها وأنا صغيرة، بقت هي بداية خير لناس كتير.
تمت مرّت السنوات، وأصبحت مؤسسة حور من أكبر المؤسسات الخيرية في المحافظة.
وفي صباح أحد الأيام، كانت ترتب بعض الملفات القديمة، فدخلت عليها ثريا وهي تبتسم وقالت
في ضيف مستنيكي في الاستقبال.
خرجت حور، فوجدت رجلًا في السبعين من عمره يحمل حقيبة جلدية قديمة.
وقف وقال باحترام
حضرتك الأستاذة حور؟
أومأت برأسها.
قال الرجل
أنا كنت محاسب عند والدك زمان. وبعد وفاته احتفظت بحاجة كنت فاكر إنها ملهاش قيمة... لكن اكتشفت إنها تخصك.
فتح الحقيبة، وأخرج دفترًا صغيرًا.
كان دفتر مذكرات والدها.
فتحت حور أول صفحة، فوجدت مكتوبًا
كل يوم وأنا راجع من الشغل، أول حاجة أفكر فيها هي ضحكة حور. نفسي تكبر وهي مطمنة،
ومحدش يقدر يكسرها.
انهمرت دموعها وهي تقلب الصفحات.
كانت المذكرات مليئة بحكايات عن طفولتها، وأمنيات والدها، وخططه لمستقبلها.
وفي آخر صفحة كتب
لو ربنا كتبلي أمشي بدري، أتمنى بنتي متفقدش الأمل أبدًا. لأن بعد كل ضيق فيه فرج، وبعد كل ليل فيه صبح.
أغلقت حور الدفتر وهي تضمه إلى صدرها.
قالت ثريا بابتسامة ممزوجة بالدموع
أخويا كان هيبقى فخور بيكي.
ابتسمت حور وهي تنظر إلى صورة والدها المعلقة على الحائط وقالت
كل خطوة وصلت لها كانت بسبب الدعوة اللي كان بيدعيهالي.
وفي تلك الليلة، جلست تكتب في أول صفحة من دفتر جديد
أنا حور... ودي مش نهاية حكايتي، دي بداية حكايات جديدة لكل بنت هتلاقي الأمل بعد اليأس.
وأغلقت الدفتر، وهي مستعدة لبدء فصل جديد من حياتها النهاية
مرت عشر سنوات...
لم تعد حور تلك الفتاة الخائفة التي كانت تهرب بحقيبة صغيرة، بل أصبحت سيدة ناجحة، ومديرة لمؤسسة ساعدت مئات الفتيات على إكمال تعليمهن وبدء حياة كريمة.
أما ثريا، فكانت تعيش معها في البيت نفسه، وتقول لكل من يعرفهما
دي بنتي قبل ما تكون بنت أخويا.
وفي يوم هادئ، أخذت حور عمتها إلى منزل جديد كانت قد اشترته سرًا.
قدمت لها المفتاح وهي تبتسم.
قالت ثريا بدهشة إيه ده يا حور؟
ابتسمت حور والدموع في عينيها ده بيتك.
.. أقل حاجة أقدر أعملها للي أنقذت حياتي.
احتضنتها ثريا وهي تبكي من شدة الفرح.
وبعد أيام، وقفت حور أمام قبر والدها تحمل باقة من الزهور البيضاء.
جلست بجواره وقالت بصوت هادئ
يا بابا... زمان خرجت من البيت وأنا تايهة وخايفة ومش عارفة بكرة مخبيلي إيه. النهارده جيت أقولك إني بخير... حققت حلمي، وكملت تعليمي، وبقيت أساعد كل بنت محتاجة حد يقف جنبها.
سكتت لحظة، ثم ابتسمت وهي تنظر إلى السماء.
يمكن أنت مش موجود بعينك... لكن دعواتك كانت معايا في كل خطوة.
وضعت الزهور، وقرأت الفاتحة، ثم غادرت المقبرة وقلبها مطمئن لأول مرة منذ سنوات.
وفي طريق عودتها، مرّت بجوار محطة القطار التي وصلت إليها يوم هربت من بيت أمها.
توقفت لثوانٍ، وابتسمت وهي تتذكر تلك الفتاة الضعيفة التي كانت ترتجف من الخوف.
قالت لنفسها
لو ما كنتش أخدت الخطوة دي... ما كنتش هعرف إن ربنا بيخبّي بعد الصبر أجمل الأقدار.
ركبت سيارتها وعادت إلى بيتها، حيث كانت ثريا تنتظرها على المائدة، ومعهما مجموعة من الفتيات اللاتي أصبحن يعتبرن حور أختًا وأمًا وسندًا.
امتلأ البيت بالضحكات بعد سنوات طويلة من البكاء، وشعرت حور أن الله عوضها عن كل لحظة ألم عاشتها.
وهكذا انتهت حكاية حور... ليس لأنها نسيت الماضي، بل لأنها انتصرت عليه،
وعاشت بقية عمرها تنشر الأمان الذي كانت تبحث عنه يومًا.
تمت بحمد الله.

تم نسخ الرابط