لو قرب منى هصرخ

لمحة نيوز

وسكينة، بعد سنوات طويلة من الألم، لتثبت حور أن الإنسان قد يمر بأقسى الظروف، لكنه يستطيع أن يصنع لنفسه مستقبلًا أفضل عندما يجد الشجاعة للبدء من جديد.
تمت بعد مرور ثلاث سنوات...
في صباح هادئ، كانت حور جالسة في مكتبها تراجع بعض الملفات، عندما دخل عليها السكرتير وقال
يا أستاذة حور، في راجل كبير بره بيقول إنه ضروري يقابلك.
استغربت حور، وطلبت منه يدخله.
دخل رجل تجاوز الستين من عمره، تبدو عليه علامات الوقار، وفي يده ملف قديم.
ابتسم وقال إنتِ حور بنت أحمد؟
وقفت حور باحترام وأجابت أيوه، حضرتك تعرف بابا؟
ابتسم الرجل بحنين وقال أنا كنت شريكه وصاحبه من أكتر من تلاتين سنة.
ثم وضع الملف أمامها.
الملف ده كان أمانة عندي. أبوكي سلمني الأمانة دي وقال لو بنتي احتاجتها في يوم، سلمها لها.
فتحت حور الملف بفضول، فوجدت بداخله أوراق قطعة أرض صغيرة، وعقد وديعة بنكية كان والدها قد ادخرها باسمها منذ سنوات.
شهقت من المفاجأة، وقالت أنا... أنا مكنتش أعرف أي حاجة عن ده.
ابتسم الرجل وقال أبوكي كان بيفكر في مستقبلك، لكنه توفي قبل ما يقدر يحكيلك.
لم تتمالك حور دموعها، وشعرت أن والدها ما زال يرعاها حتى بعد رحيله.
استخدمت حور جزءًا من المال لتشتري بيتًا صغيرًا تعيش فيه مع عمتها ثريا، وخصصت جزءًا آخر لإكمال دراستها العليا.
ولم تنسَ الماضي، لكنها قررت أن تجعل منه سببًا لمساعدة غيرها.
فأسست جمعية صغيرة لدعم الفتيات اللاتي يحتجن إلى المساندة والتعليم، وكانت تقول دائمًا
النجاة مش معناها إنك تنسي وجعك... النجاة الحقيقية إنك تمنعي غيرك يعيش نفس الوجع.
وبينما كانت تقف يوم افتتاح الجمعية، رفعت عينيها إلى السماء وهمست
الحمد لله... أخيرًا بقيت الحياة اللي كان بابا يتمناهالي.
وهكذا تحولت رحلة حور من الخوف والألم إلى
قصة أمل وقوة، وأثبتت أن بداية جديدة قد تغيّر العمر كله. النهاية الحقيقية بعد مرور عام...
بينما كانت حور تراجع ملفات المؤسسة، دخلت عليها إحدى الموظفات وقالت
يا أستاذة حور، في سيدة برة بتقول إنها عايزة تشوفك ضروري.
استأذنتها حور بالدخول.
دخلت السيدة بخطوات مترددة، وما إن رفعت حور رأسها حتى تجمدت في مكانها.
كانت أمها... نرجس.
بدت أكبر سنًا، وملامحها مرهقة، وعيناها مليئتان بالدموع.
وقفت صامتة للحظات، ثم قالت بصوت مكسور
أنا مش جاية أطلب فلوس... ولا أي حاجة. أنا جاية أقولك إن وجودك في الدنيا كان أكبر نعمة وأنا ضيعتها بإيدي.
لم ترد حور فورًا، بل طلبت منها أن تجلس.
قالت نرجس وهي تبكي
بعد ما خرجتي من البيت، عرفت قيمتك. البيت بقى فاضي، وكل يوم كنت بصحى وأنا ندمانة إني مسمعتش كلامك.
سألتها حور بهدوء
إنتِ عاملة إيه دلوقتي؟
تنهدت نرجس وقالت
بعيش حياة بسيطة... لكن ضميري مش بيسيبني.
ساد صمت طويل، ثم قالت حور
اللي فات عمره ما هيرجع... لكن ربنا بيفتح باب للتوبة والاعتذار.
رفعت نرجس رأسها وقالت برجاء
ينفع أكون جزء من حياتك؟ حتى لو بزيارة كل فترة.
ابتسمت حور ابتسامة هادئة وقالت
ينفع... لكن هنبدأ من جديد، من غير كذب ولا خوف ولا سكوت عن الغلط.
أجهشت نرجس بالبكاء، وشكرت ابنتها.
وفي المساء، جلست حور مع ثريا تحكي لها ما حدث.
ابتسمت ثريا وقالت
التسامح مش معناه إننا ننسى... معناه إننا منخليش الماضي يسرق حاضرنا.
هزت حور رأسها موافقة، ثم نظرت إلى المؤسسة التي أصبحت بيتًا للأمل لكثير من الفتيات، وقالت في نفسها
يمكن ربنا سمح إني أمر بكل ده... عشان أكون سبب في نجاة غيري.
وانتهى يوم جديد، لكن رحلة الخير التي بدأتها حور كانت ما تزال في بدايتها بعد خمس سنوات...
كانت حور قد أصبحت صاحبة مؤسسة كبيرة لدعم
تعليم الفتيات وتأهيلهن لسوق العمل، وأصبح اسمها معروفًا في أكثر من محافظة.
وفي صباح أحد الأيام، دخلت عليها ثريا وهي تحمل ظرفًا قديمًا.
قالت بابتسامة لقيت الظرف ده وأنا برتب دولاب أخويا الله يرحمه.
فتحت حور الظرف، فوجدت بداخله صورة قديمة لها وهي طفلة تجلس على كتف والدها، وخلف الصورة عبارة بخط يده
لو الأيام فرقتنا... افتكري دايمًا إنك أقوى مما تتخيلي.
احتضنت الصورة وبكت، ثم قالت كان عارفني أكتر من نفسي.
في الأسبوع التالي، أقامت المؤسسة احتفالًا لتكريم الطلاب المتفوقين.
وقفت حور على المسرح وقالت أمام الجميع
كل واحد فينا ممكن يمر بظروف صعبة، لكن الظروف دي مش لازم تحدد مستقبله. اللي يحدد مستقبلك هو قرارك إنك تكمل.
وقف الحاضرون يصفقون طويلًا.
وبعد انتهاء الحفل، اقتربت منها فتاة صغيرة وقالت
أنا نفسي أبقى زي حضرتك.
ابتسمت حور وربتت على كتفها وقالت
لا... ابقي أفضل مني.
ابتسمت الفتاة، وغادرت وهي تحمل حلمًا جديدًا.
أما حور، فوقفت أمام نافذة مكتبها تنظر إلى غروب الشمس، وشعرت بالرضا لأول مرة منذ سنوات.
كانت تعلم أن الجراح لا تُمحى تمامًا، لكنها تتحول مع الوقت إلى قوة تدفع الإنسان للأمام.
أغلقت النافذة، وأطفأت أنوار المكتب، ثم خرجت مع عمتها ثريا، وهما تبتسمان، وقد امتلأ قلبهما بالسكينة بعد رحلة طويلة من الألم والصبر.
النهاية بعد مرور ستة أشهر، كانت المؤسسة قد توسعت، وأصبحت تستقبل فتيات من محافظات مختلفة.
وفي أحد الأيام، كانت حور تتفقد الفصول، عندما دخلت عليها إحدى الموظفات وقالت
في شاب برة يا أستاذة حور، بيقول إنه جاي مخصوص يشكر حضرتك.
استغربت حور وطلبت دخوله.
دخل شاب في أواخر العشرينات، وقال بابتسامة
يمكن حضرتك مش فاكراني... أنا أخو البنت اللي حضرتك ساعدتيها من أربع سنين.
ابتسمت حور
وقالت إزاي حالها دلوقتي؟
أخرج الشاب صورة من محفظته وقال بفخر
اتخرجت من الجامعة، وبقت مدرسة، وخطوبتها الأسبوع الجاي. لو حضرتك موافقة، يشرفنا تحضري.
تأثرت حور كثيرًا، وأخذت الصورة وهي تبتسم.
قالت دي أحسن هدية ممكن أشوفها.
بعد أيام، حضرت حفل الخطوبة.
وقفت الفتاة أمام الجميع وقالت
قبل ما ألبس الدبلة، لازم أشكر الإنسانة اللي وقفت جنبي وقت ما الدنيا كلها كانت مقفولة في وشي.
ثم نزلت من المسرح واحتضنت حور وسط تصفيق الحاضرين.
وقفت حور خجولة، وقالت
أنا معملتش غير الواجب... والفضل لله.
وفي طريق العودة، نظرت إليها ثريا وقالت
شايفة؟ الخير عمره ما بيروح.
ابتسمت حور وهي تنظر من نافذة السيارة، وشعرت أن كل دمعة بكتها في الماضي تحولت اليوم إلى ابتسامة على وجه إنسان آخر.
وكان هذا أكبر نجاح حققته في حياتها بعد عدة أسابيع، وبينما كانت حور تستعد لإغلاق المؤسسة، رن هاتفها.
كان المتصل محاميًا.
قال باحترام حضرتك الأستاذة حور أحمد؟
أجابت أيوه.
قال في وصية قديمة تخص والد حضرتك، وإحنا قدرنا نوصل لحضرتك بعد بحث طويل. محتاجين تشرفينا المكتب.
في اليوم التالي ذهبت حور مع عمتها ثريا.
فتح المحامي ملفًا قديمًا وقال
والدك قبل وفاته كتب وصية بسيطة. أوصى إن أي حق يخصه أو يخص بنته يوصل لها مهما طال الزمن.
ثم أخرج مفتاحًا صغيرًا وقال
ده مفتاح خزنة كان مأجرها في البنك.
نظرت حور إلى المفتاح بدهشة، ولم تكن تعرف شيئًا عنه.
بعد إنهاء الإجراءات، فتحت الخزنة.
وجدت بداخلها ألبومات صور قديمة، وساعة يد كان والدها لا يفارقها، ورسائل كتبها لها في مراحل عمرية مختلفة، كان ينوي أن يعطيها إياها عندما تكبر.
أما في آخر ظرف، فوجدت رسالة كتب فيها
يا حور... لو بتقري الرسالة دي، فأنا أكيد مش موجود. يمكن مقدرتش أحميكي بنفسي، لكن أتمنى
تكوني لقيتي ناس يحبوك ويحافظوا عليكي. أوعي تسمحي لحد يكسرك، وخلي قلبك رحيم من غير ما يكون ضعيف.
احتضنت
تم نسخ الرابط