اول يوم قبض

لمحة نيوز

عمرها ما اتفتحت بينا قبل كده.
يتبع...الجزء السادس
تاني يوم بعد الفطار، جبت ورقة كبيرة وقلم.
وحطيتهم على السفرة.
حسن بصلي باستغراب.
قال إيه ده؟
قلت ميزانية البيت.
ضحك بخفة.
عمرنا ما عملناها بالطريقة دي.
رديت بهدوء وعمرنا برضه ما وصلنا للموقف اللي إحنا فيه.
قعد كريم جنبنا.
وأم محمد كانت لسه موجودة، لأنها أصرت تشرب الشاي قبل ما تمشي.
كتبت في أول الورقة
دخل البيت.
قلت معاشي كذا...
وحسن كتب قيمة معاشه.
بعدها كتبت
المصاريف الشهرية.
كهرباء.
مياه.
غاز.
أكل.
دواء.
صيانة.
كل بند اتكتب بالأرقام.
ولأول مرة من سنين، حسن اكتشف إن مصاريف البيت أكبر بكتير مما كان متخيل.
كان فاكر إن الفلوس بتتصرف لوحدها.
لكن لما شاف الأرقام قدامه، فضل ساكت.
قال بعد شوية
هو إحنا كنا بندفع كل ده؟
ابتسمت.
أيوه... بس لأنك عمرك ما كنت بتراجع، ماكنتش حاسس.
كريم بص للورقة وقال
أنا كمان لازم أشارك.
قلت لو حابب، أكيد.
قال بحماس من الشهر الجاي هدفع فاتورة الإنترنت والكهرباء.
ابتسمت لأول مرة من يومين.
مشاركة حلوة.
حسن بص لابنه بفخر.
لكن فجأة، مد إيده وشطب جملة كان كاتبها بنفسه.
كانت
تحويل المعاش بالكامل لأم محمد.
فضل يبصلها ثواني.
وبعدين قطع الورقة نصين.
وقال وهو متنهد
لا...
المعاش مش هيتحول كله.
أم محمد قامت من مكانها بسرعة.
وقالت بحزم
ولا جزء منه يا حسن.
إحنا الحمد لله مستورين.
لو حبيت تزورني أو تجيبلي طلب وأنا تعبانة، ده فوق راسي.
إنما مرتبك مكانه بيتك.
حسن نزل راسه.
واضح إنه حس بحرج شديد.
ثم بصلي وقال
سامحيني يا منى.
أنا ما استجبتش بسرعة.
فضلت ساكتة.
لأن كلمة آسف لوحدها ما بتمحيش سنين من تحمل المسؤولية.
لكنها بداية.
وفي اللحظة دي، كريم مد إيده ناحية الورقة.
وقال بابتسامة
من النهارده... كل واحد فينا هيشيل نصيبه.
وأول مرتب أقبضه، هبدأ أسدد كل جنيه استلفته من ماما... حتى لو على أقساط.
بصيت له، ولمعت
عيني.
قلت مش مهم السرعة...
المهم إن الإنسان يفي بوعده.
ساد البيت هدوء مختلف.
مش هدوء زعل...
لكن هدوء ناس بدأت أخيرًا تتكلم بصراحة.
وفجأة...
رن جرس الباب.
فتح كريم.
ولما رجع، كان معاه ظرف صغير بدون اسم مرسل.
حطه قدامي وقال
الظرف ده كان محطوط قدام الباب.
فتحت الظرف ببطء...
ولقيت جواه ورقة مكتوب فيها بخط اليد
الحقوق اللي بتضيع بالسكوت... بترجع أول ما صاحبها يقرر يتكلم.
بصيت للجملة طويلًا...
وحسيت إن الأيام الجاية لسه مخبية لنا مفاجآت كتير.
يتبع...الجزء السابع
فضلت ماسكة الورقة شوية.
قلبتها.
مفيش اسم.
ولا توقيع.
ولا أي حاجة تدل مين اللي كتبها.
حسن قال باستغراب
مين ممكن يحط رسالة زي دي؟
هزيت كتفي.
مش مهم مين... المهم إن الكلام صح.
حطيت الورقة جوه الدرج وقفلت عليه.
وعدت أكمل ترتيب السفرة.
بعد يومين...
صحيت على صوت خبط خفيف على باب الأوضة.
كان حسن.
واقف ومتردد.
قال
منى... ممكن آخذ من وقتك خمس دقايق؟
قعدت على الكرسي.
اتفضل.
فضل واقف شوية، وبعدين قال
أنا اكتشفت إن فيه حاجات كتير كنت واخدها كأنها حق مكتسب.
تعبك...
وأكلك...
وترتيب البيت...
وحتى فلوسك.
أنا أول مرة أحس بقيمة كل ده لما بطلتِ تعمليه بنفس الطريقة.
بصيت له، لكنه كمل بسرعة
أنا مش بطلب إن كل حاجة ترجع زي الأول...
أنا بطلب فرصة أصلح اللي ينفع يتصلح.
قبل ما أرد...
قام ودخل المطبخ.
وبعد عشر دقايق رجع وهو شايل صينية عليها كوبين شاي.
حط واحد قدامي وقال بابتسامة خجولة
أول مرة أعمل شاي لوحدي...
واضح إنه تقيل شوية.
ضحكت لأول مرة من أيام.
ارتشفته.
وفعلًا كان تقيل جدًا.
لكن قلت
مع الوقت هتظبطه.
ابتسم.
وفي نفس اليوم...
اتفاجأت بيه وهو ماسك ورقة.
قال
عملت جدول.
أخدت الورقة.
كان كاتب فيها
الأحد أنا مسؤول عن شراء طلبات البيت.
الاثنين كريم ينزل يدفع الفواتير.
الثلاثاء أنا أرتب الجنينة.
الأربعاء يوم راحة ليكي، ومحدش يطلب منك
أي شغل.
رفعت حاجبي بدهشة.
قلت
فكرة حلوة.
قال وهو بيبتسم
اتعلمت إن البيت مسؤولية كل اللي عايشين فيه.
في المساء...
قعدنا كلنا في البلكونة.
أول مرة من شهور نقعد من غير أي نقاش عن فلوس.
ولا ديون.
ولا طلبات.
بس بنتكلم ونشرب الشاي.
وفجأة...
قال كريم
ماما... فاكرة الألفين جنيه اللي استلفتهم آخر مرة؟
قلت
أيوه.
طلع ظرف صغير من جيبه.
وحطه قدامي.
دول أول ألف جنيه.
مش كل المبلغ...
بس أول قسط.
ما فتحتش الظرف.
قلت
كنت أقدر أرفض آخدهم.
لكن هقبلهم...
لأنك بتنَفذ وعدك.
ابتسم كريم براحة كبيرة.
أما حسن، فكان باصص لابنه بفخر.
وقال
واضح إن البيت كله اتغير.
ابتسمت وأنا ببص على الورد اللي بدأت أزرعه من كام يوم.
وقلت بهدوء
لأ...
البيت ما اتغيرش.
إحنا اللي اتغيرنا.
يتبع...الجزء الثامن
الأيام بدأت تمشي بهدوء.
مشكلات كبيرة؟ لا.
لكن كان فيه تغيير صغير بيحصل كل يوم.
حسن بقى ينزل السوق بنفسه.
وفي أول مرة رجع، حط الأكياس على السفرة وقال مبتسم
النهارده عرفت يعني إيه الأسعار بتزيد كل أسبوع.
ضحكت وقلت
أهو بقيت خبير.
قال وهو بيهز راسه
لا... بقيت مقدّر.
أما كريم، فكان كل آخر أسبوع يحط ظرف صغير في الدرج اللي كنت بحط فيه إيصالات البيت.
من غير ما يتكلم.
أفتح الظرف، ألاقي جزء من الفلوس اللي استلفها.
ولا مرة فكّر يتهرب.
ولا مرة طلب تأجيل.
وفي يوم الجمعة، حسن قال
إيه رأيك نعدي على أم محمد؟
وافقت.
اشترينا شوية فاكهة وحلو، وروحنا لها.
استقبلتنا بفرحة كبيرة.
وأول ما قعدنا، قالت وهي بتضحك
المرة دي محدش يفتح سيرة معاش ولا فلوس.
كلنا ضحكنا.
قعدنا نتغدى مع بعض، ومحمد ابنها كان موجود.
حكى إنه بدأ شغل إضافي، وإن الأمور بقت أحسن.
وقبل ما نمشي، أم محمد مسكت إيدي وقالت
يا منى... أشكرك.
استغربت.
على إيه؟
قالت
لأنك لو كنتي وافقتي من غير ما تتكلمي، كان حسن فضل فاكر إنه بيحل مشكلة... وهو في الحقيقة كان بيعمل مشكلة
جديدة.
ابتسمت.
أوقات، الهدوء بيوصل الرسالة أكتر من الصوت العالي.
رجعنا البيت وإحنا مرتاحين.
وفي الليل، حسن طلع دفتر صغير من درج المكتب.
وقال
ده الدفتر اللي كنت كاتب فيه خططي بعد المعاش.
فتحته.
لقيت أول صفحة مكتوب فيها
أسافر... أشتري عربية أحدث... وأدي معاشي كله لأم محمد.
ابتسم، وشطب السطر الأخير.
وكتب تحته
أساعد وقت الحاجة... من غير ما أظلم بيتي.
بصلي وقال
الجملة دي كان المفروض أعرفها من زمان.
هزيت رأسي بابتسامة.
لكن قبل ما أقفل الدفتر، لفت نظري ظرف قديم واقع بين صفحاته.
سألت
إيه ده؟
حسن بص للظرف وكأنه نسيه تمامًا.
قال باستغراب
غريبة... أنا فاكر إن الظرف ده بقاله سنين متفتحش.
مد إيده وفتحه ببطء...
وأول ما شاف اللي جواه، اتغيرت ملامحه تمامًا.
رفع عينه ناحيتي وقال بصوت منخفض
واضح إن فيه حاجة نسيناها من سنين... ولازم نتكلم فيها.
يتبع...الجزء التاسع
بصيت لحسن باستغراب.
قلت
إيه اللي في الظرف؟
طلع منه مجموعة أوراق قديمة، اصفر لونها من الزمن.
وقعد يقلب فيها واحدة واحدة.
وفجأة ابتسم ابتسامة فيها حنين.
قال
دي أوراق أول شقة اشتريناها بعد الجواز.
افتكرت الشقة الصغيرة اللي بدأنا فيها حياتنا.
كانت أوضتين وصالة.
والفرحة وقتها كانت أكبر من مساحة الشقة نفسها.
قلب ورقة تانية، وقال
ودي أول ميزانية كتبناها بإيدينا.
أخدت الورقة منه.
كان مكتوب فيها بخط إيده
إيجار.
أكل.
مواصلات.
تحويش.
وفي آخر الورقة جملة صغيرة
أي قرار يخص فلوس البيت، لازم نتفق عليه سوا.
فضلت باصة للجملة شوية.
وقلت بابتسامة خفيفة
أنت اللي كاتبها؟
ضحك وهو بيحك رأسه.
أيوه... ونسيتها مع السنين.
رديت بهدوء
المهم إنك افتكرتها.
سكت لحظة، ثم قال
منى... أوعدك إن من النهارده، مفيش قرار كبير هيتاخد من غير ما نتكلم فيه.
مد إيده بالورقة.
وقال
خليها معاكي... كل ما أنسى، فكّريني.
حطيت الورقة جوه الدرج اللي بقيت أحتفظ فيه بكل
حاجة مهمة.
وفي الأسبوع اللي بعده...
استلم كريم أول مكافأة من شغله الإضافي.
رجع البيت وهو فرحان.
طلع ظرف، وحطه قدامي.
قلت
إيه ده؟
قال
آخر قسط.
فتحت الظرف.
كان فيه باقي الفلوس كلها.
قلت باستغراب
كنت قولت هتسددها على شهور.
ابتسم.
اشتغلت زيادة... وقلت أريح ضميري.
حسن ربت على
تم نسخ الرابط