اول يوم قبض

لمحة نيوز

أول يوم قبض جوزي معاشه، طلب يقعد معايا على السفرة وقال بكل هدوء من الشهر الجاي، هدي معاشي كله لمرات أخويا. كنت متأكدة إنه مستني مني خناقة وصريخ... لكنه اتصدم لما ابتسمت وقلتله موافقة... بس أنا كمان عندي قرار هيغيّر حياتنا كلنا. ومن اللحظة دي، بدأ كل واحد في البيت يدفع تمن قراراته.
الجزء الأول
يوم ما معاشي نزل في الحساب، الموبايل رن بإشعار.
بصيت على الرقم، وابتسمت من قلبي.
بعد عمر كامل قضيته في التدريس، أخيرًا جه الوقت اللي أرتاح فيه.
حضرت العشا بإيدي... أربع أصناف وأكلة شوربة، وكمان عملت ريش ضاني بالطريقة اللي جوزي حسن بيعشقها.
وإحنا بناكل، وبعد ما خلص نص طبقه، حط المعلاقة على الترابيزة، وتنحنح.
أنا حفظت الحركة دي عن ظهر قلب.
كل مرة يكون عايز يفتح موضوع مهم، لازم ينحنح الأول، كأنه هيطلع يخطب على مسرح.
قال
يا منى... فيه موضوع كنت عايز أتكلم فيه معاكي.
كنت لسه بمضغ لقمة، ورديت بهدوء
اتفضل.
قال وهو بيتجنب يبصلي
أخويا الكبير الله يرحمه مات بدري... ومراته، أم محمد، شقيت لوحدها عشان تربي ابنها. الست تعبت في حياتها أوي.
فضلت باكل عادي.
كمل
دلوقتي هي ملهاش معاش، وحالتها المادية صعبة... وأنا فكرت إن معاشي كل شهر أديهولها.
رفعت عيني وبصيتله.
واضح إنه مش قادر يبصلي في وشي.
سألته بهدوء
كام؟
بلع ريقه وقال
كله... المعاش كله.
إيدي وقفت في نص الحركة.
مش من الصدمة...
لكن لأني كنت هموت وأضحك.
هو ناسي؟
ولا بيتناسى؟
طول السنين اللي فاتت، إحنا صرفنا على بيت أخوه قد إيه؟
لما ابنها محمد اتجوز، إحنا اللي دفعنا مقدم الشقة.
مئتين ألف جنيه من جيبنا.
لما دخلت المستشفى وعملت عملية، إحنا اللي دفعنا تمنها.
تمانين ألف جنيه.
كل عيد ومناسبة، العيدية عمرها ما كانت تقل عن تلات تلاف جنيه.
ولما حفيدها دخل الحضانة، المصاريف الدراسية إحنا اللي

دفعناها.
لو جمعنا كل الفلوس دي...
كنا اشترينا بيها شقة جديدة في بلدنا.
ما قولتش ولا كلمة.
كملت أكلي في هدوء.
عدى حوالي عشر ثواني من الصمت.
فجأة ابني كريم اتكلم.
قال
ماما... بابا عنده حق. عمتي تعبت كتير بعد وفاة عمي، وإحنا في الآخر عيلة واحدة... ولازم نقف جنب بعض.
بصيت له.
عنده تمانية وعشرين سنة.
مرتبه خمسة آلاف جنيه بالعافية.
آخر الشهر بيكون مفلس.
الشهر اللي فات استلف مني ألفين جنيه عشان يسدد فيزا البنك.
دلوقتي بقى كريم أوي...
بس كريم بفلوس أبوه.
حسن لقى إني ساكتة، فقال بسرعة
وبعدين إنتِ عندك معاش، والمدرسة كمان طالبة منك تكملي تدريس بعد التقاعد... يعني دخل البيت هيبقى كويس.
حطيت المعلاقة.
ومسحت بقي بفوطة السفرة.
وقلت بمنتهى الهدوء
ماشي.
هو نفسه اتفاجئ.
قال بسرعة
يعني... موافقة؟
ابتسمت.
طبعًا موافقة. عندك حق... العيلة لازم تساعد بعضها.
الابتسامة رجعت لوشه.
وقال وهو مرتاح
كنت عارف إنك ست عاقلة وهتفهميني...
قاطعته.
بس عندي أنا كمان خبر صغير.
هو وكريم بصوا لي.
قلت
المدرسة كانت طالبة مني أكمل شغل بعد المعاش...
وأنا قررت أرفض.
السفرة كلها سكتت.
المعلقة وقعت من إيد كريم.
قال بذهول
إيه؟!
قلت بابتسامة وأنا بقوم أشيل الأطباق
مش هشتغل تاني.
تلاتين سنة تدريس كفاية.
تعبت.
من النهارده هقعد في البيت.
هزرع ورد.
وهشترك في جامعة كبار السن.
هتعلم رسم.
ورقص.
وخط عربي.
حسن اتوتر وقال
بس المدرسة هتديكي تمن تلاف جنيه في الشهر!
قلت
أيوه... تمن تلاف.
لكن مش إنت بنفسك قلت إن دخل البيت هيكفي؟
معاشك هيروح لأرملة أخوك...
ومعاشي يصرف على البيت...
يبقى خلاص... كفاية.
فتح بقه...
لكن ولا كلمة خرجت.
شلت الأطباق ودخلت المطبخ.
ومن بعيد سمعت كريم بيهمس
بابا... الموضوع قلب بجد.
ورد حسن بصوت واطي
سيبها يومين... دي بس زعلانة وهتهدى.
فتحت الحنفية.

وصوت الميه غطى على كلامهم.
ابتسمت لنفسي.
زعلانة؟
لأ...
أنا أول مرة أبقى جادة بالشكل ده.
صلي على حبيب الله
القصه مدهشه للمتابعه سيب لايك وكمنت بتم 
أول يوم قبض جوزي معاشه، طلب يقعد معايا على السفرة وقال بكل هدوء من الشهر الجاي، هدي معاشي كله لمرات أخويا. كنت متأكدة إنه مستني مني خناقة وصريخ... لكنه اتصدم لما ابتسمت وقلتله موافقة... بس أنا كمان عندي قرار هيغيّر حياتنا كلنا. ومن اللحظة دي، بدأ كل واحد في البيت يدفع تمن قراراته.
الجزء الثاني
تاني يوم، صحيت بدري كعادتي.
حضرت الفطار، لكن المرة دي من غير ما أعمل الأصناف اللي حسن بيحبها مخصوص.
جبنة، فول، وخبز سخن... وبس.
دخل حسن المطبخ وهو بيبصلي باستغراب.
قال وهو بيقعد فين الأومليت؟
ابتسمت وأنا بصب لنفسي الشاي. قولت أوفر شوية... إحنا داخلين على مرحلة جديدة.
سكت.
كان مستني أي إشارة إني غيرت رأيي.
لكن مفيش.
بعد الفطار، لبست هدومي وخرجت.
ناداني رايحة فين؟
قلت وأنا بقفل الباب أعمل الحاجات اللي أجلتها تلاتين سنة.
قضيت اليوم كله برا.
قدمت في نادي ثقافي قريب من البيت، واشتركت في دورة رسم، وحجزت مكان في ورشة خط عربي.
ولما رجعت العصر، لقيت حسن قاعد في الصالة متضايق.
أول ما شافني قال الغدا فين؟
حطيت الشنطة على الكنبة بهدوء.
معملتش.
اتكدر وشه.
يعني إيه معملتيش؟!
يعني معملتش... كنت برا.
قال بعصبية وإحنا هنا هناكل إيه؟
ابتسمت.
اطلبوا أكل... ولا اعملوا أي حاجة.
كريم خرج من أوضته على الصوت.
قال ماما... هو إيه اللي بيحصل؟
بصيتله بهدوء.
ولا حاجة... أنا متقاعدة يا كريم.
زمان كنت برجع من المدرسة وأدخل المطبخ على طول.
دلوقتي بقيت برجع من حياتي... وأرتاح.
سكت، لكن ملامحه كانت بتقول إنه مش عاجبه.
بعد نص ساعة، طلبوا أكل من بره.
فاتورة الأكل كانت أغلى بكتير من تكلفة الغدا اللي كنت
بعمله.
ولما مندوب التوصيل خبط الباب، حسن مد إيده ناحية محفظته... وبعدين افتكر.
المعاش خلاص متقسم في دماغه.
بصلي وقال ادفعي إنتِ المرة دي.
طلعت الفلوس من شنطتي، ودفعت من غير كلمة.
لكن قبل ما أقفل الباب، قلت بهدوء
هسجل كل مصروف بدفعه من معاشي.
رفع حاجبه باستغراب.
ليه؟
عشان أعرف آخر الشهر معاشي راح فين... زي ما إنت هتعرف معاشك راح فين.
فضل ساكت.
وفي آخر الليل، وأنا براجع دفتري الصغير، كتبت أول سطر
غداء اليوم... ٨٧٥ جنيه.
وفي اليوم اللي بعده...
رن جرس الباب.
ولما فتح حسن، اتغير لون وشه.
كانت الواقفة قدام الباب... أم محمد بنفسها.
وفي إيدها ظرف أبيض كبير.
وقالت بابتسامة غامضة
حسن... أنا جاية في موضوع المعاش... بس قبل أي حاجة، لازم مراتك تسمع اللي عندي.
يتبع...الجزء الثالث
حسن اتجمد مكانه.
وبص بسرعة ناحيتي، كأنه خايف أسمع.
لكن أم محمد زقته برفق وقالت
وسع يا حسن... الكلام ده لازم يتقال قدام منى.
دخلت وقعدت على طرف الكنبة.
كانت ماسكة الظرف بإيديها الاتنين، وباين عليها التوتر.
عملتلها كباية شاي، وحطيتها قدامها.
قلت بهدوء
اتفضلي... خير؟
بصتلي بعين فيها كسوف.
وقالت
قبل ما أتكلم... عايزة أقولك إن أنا معرفتش أي حاجة عن موضوع المعاش غير امبارح بالليل.
حسن قاطعها بسرعة
يا أم محمد...
رفعت إيديها وسكتته.
سيبني أتكلم.
لفت ناحيتي تاني.
حسن كلمني وقال إنه من الشهر الجاي هيديني معاشه كله... وأنا طول الليل معرفتش أنام.
سكتت لحظة، وبعدين فتحت الظرف.
طلعت منه كشكول صغير.
وقالت
ده كشكول كنت بكتب فيه كل قرش استلفته منكم من يوم مات جوزي.
أنا وحسن بصينا لبعض.
فتحت أول صفحة.
كان فيها تواريخ قديمة جدًا.
٢٠١٦... عشرون ألف جنيه.
٢٠١٨... مصاريف عملية.
٢٠٢١... مقدم شقة محمد.
كل حاجة مكتوبة بالتاريخ والمبلغ.
قالت وهي تمسح دمعة من عينها
كنت
فاكرة أول ما ربنا يكرمني هرده كله... لكن الظروف كانت أقوى مني.
حسن قال بسرعة
إحنا عمرنا ما اعتبرناها ديون.
ردت بحزم لأول مرة
يمكن إنت... لكن أنا اعتبرتها دين في رقبتي.
وبعدين دفعت الظرف ناحيتي.
فيه كل
تم نسخ الرابط