حماتى
المحتويات
أفراد العيلة، وكل واحد عرف قيمة الآخر مرت سنة كاملة، والناس كلها كانت بتقول إن حماتي اتغيرت.
لكن الاختبار الحقيقي جه يوم مرضت فجأة قبل عزومة كبيرة كانت العيلة كلها معزومة فيها.
اتصلت بيا بصوت تعبان وقالت
يا بنتي... أنا مش قادرة أقف على رجلي. ألغي العزومة؟
قلت لها من غير تردد
ولا تلغيها ولا تشيلي هم. أنا هتصرف.
روحت من بدري، وعملت الأكل كله، لكن المرة دي كان فيه فرق.
لما الضيوف وصلوا، حماتي نادت عليهم وقالت
قبل ما حد يدوق الأكل، لازم أقول كلمة.
الكل سكت.
قالت وهي ماسكة إيدي
السفرة دي كلها من شغل مرات ابني. وأنا قاعدة مكاني بسبب تعبي. ولو الأكل عجبكم، اشكروها هي.
الضيوف بصوا لي وابتسموا، وبدأوا يشكروني واحدًا واحدًا.
حسيت إن الكلمة دي كانت أغلى عندي من أي مجاملة سمعتها في حياتي.
بعد العزومة، وأنا بجمع الأطباق، لقيت حماتي حاطة ظرف أبيض على الترابيزة.
فتحته، لقيت فيه ورقة مكتوب فيها
يمكن اتأخرت في إني أقولك شكرًا... لكن كل تعب تعبتيه معايا عمره ما هينسى. سامحيني.
وفي الظرف كان فيه مفتاح.
استغربت وسألتها
مفتاح إيه ده؟
ابتسمت وقالت
ده مفتاح المطبخ... من النهارده
دمعت عيني، وقمت حضنتها.
ومن يومها، كل عزومة كانت تبدأ بجملة واحدة تقولها حماتي وهي تضحك
فين بنتي؟ من غيرها السفرة ملهاش طعم.
وساعتها عرفت إن أجمل انتصار مش إن الناس تعرف الحقيقة... أجمل انتصار إن القلوب نفسها تتغير.
تمت بعد كام شهر، كنت قاعدة مع حماتي في البلكونة بنشرب شاي، فقالتلي فجأة
فاكرة أول عزومة جيتي تساعديني فيها؟
ضحكت وقلت
أنساها إزاي؟ كنت فاكرة رايحة ساعتين، رجعت بعد المغرب.
ضحكت هي كمان وقالت
وقتها كنت فاكرة إن الست الشاطرة هي اللي تعمل كل حاجة لوحدها، حتى لو الحقيقة غير كده.
قلت لها
وأنا اتعلمت إن السكوت على الغلط بيخلي الغلط يكبر.
هزت رأسها وقالت
عشان كده عايزاكي توعديني بحاجة.
إيه هي؟
لو في يوم حسيتِ إني ظلمتك، أو زعلتك، متسكتيش. قوليلي في وشي.
ابتسمت وقلت
أوعدك... وإنتِ كمان لو زعلتي مني قوليلي.
في اللحظة دي، دخل حفيدي الصغير وهو يجري وقال
تيتا... ماما... الأكل جاهز؟
بصينا لبعض وضحكنا.
قالت حماتي وهي شايلة الولد
شايف؟ زمان كنا بنتخانق على مين ياخد الشكر، ودلوقتي أهم
ومن يومها، بقى عندنا تقليد جديد.
أي عزومة في البيت، قبل ما حد يبدأ ياكل، حماتي تقول
تعالوا نصقف لكل واحد تعب في السفرة دي.
الصغير قبل الكبير كان يسقف، وكل واحد ياخد حقه بكلمة حلوة.
وكبر أولادنا وهم شايفين إن الشكر مش بيقلل من حد، وإن الاعتراف بالمجهود هو اللي بيخلي المحبة تكبر.
وساعتها أدركت إن أكبر ميراث ممكن نسيبه لأولادنا مش فلوس ولا بيوت...
إنما الاحترام، والعدل، وتقدير تعب بعض.
تمت. وبعد سنوات، لما ابني اتجوز، كنت خايفة أوي من حاجة واحدة.
خايفة من غير ما أحس أكرر نفس الغلط اللي اتعمل معايا.
أول أسبوع بعد جوازه، قلت لكنتي
بكرة عندنا عزومة بسيطة، لو حابة تساعديني أهلاً وسهلاً... ولو تعبانة أو عندك شغل، متشغليش بالك، أنا هتصرف.
بصتلي باستغراب وقالت
بجد؟ مش زعلانة؟
ضحكت وقلت
أنا اتعلمت إن المساعدة تتطلب، لكنها ما تتفرضش.
يوم العزومة، أصرت تساعدني.
اشتغلنا جنب بعض، وكل شوية واحدة تضحك للتانية.
ولما الضيوف جم، سألتنا واحدة من القريبات
مين اللي عمل الأكل؟
ابتسمت وقلت من غير تردد
إحنا الاتنين.
كنتي قالت بسرعة
لا يا ماما، المحشي والحلو
قلت وأنا بشاور على صينية الفراخ
ودي من إيدها، وكانت أحسن مني فيها.
الكل ضحك، وبدأ يشكرنا إحنا الاتنين.
بعد ما الضيوف مشيوا، كنتي حضنتني وقالت
أول مرة أحس إن عندي حما مش بتعاملني كإني في اختبار.
ربتُّ على كتفها وقلت
لأن البيت اللي فيه حب، مفيهوش امتحانات... فيه مشاركة.
في آخر اليوم، حماتي القديمة، اللي بقت جدة كبيرة، كانت قاعدة وسط أحفادها.
ابتسمت وقالت وهي بتبصلنا
الحمد لله... الغلط وقف عند جيلي، ومحدش ورثه بعدي.
بصيت حواليّ، لقيت البيت مليان ضحك، وكل واحد بيشيل مع التاني من غير ما يستنى شكر.
وقتها عرفت إن أصعب انتصار هو إنك تكسر عادة غلط، وتبدأ عادة صح تعيش بعدك سنين.
وهكذا انتهت الحكاية... لكن أثرها فضل في كل عزومة، وكل كلمة تسلم إيدك اتقالت لصاحبها الحقيقي. بعد مرور عشرين سنة، كان عيد جوازي الأربعين.
أولادي وأحفادي أصروا يعملوا لينا احتفال كبير في البيت.
دخلت المطبخ بالعادة، لقيت حفيدتي الصغيرة جريت عليا وقالت
لا يا تيتة... النهارده ممنوع تدخلي المطبخ.
ضحكت وقلت
وليه بقى؟
قالت وهي ماسكة إيدي
لأن النهارده دورنا إحنا نشكرك.
خرجت وأنا مستغربة.
ولقيت السفرة متجهزة، وكل طبق قدامه ورقة صغيرة.
على المحشي مكتوب
وصفة تيتة.
وعلى الفراخ
متابعة القراءة