حماتى
حماتي كانت كل ما تعمل عزومة كبيرة، تتصل بيا قبلها بيوم وتقول
تعالي بدري بكرة، محتاجة مساعدتك ساعتين بس.
وأول ما أوصل الساعة 8 الصبح، أكتشف إن الساعتين بيتحولوا ليوم كامل.
أنا أنضف الفراخ، وأتبل اللحمة، وألف المحشي، وأدخل الصواني الفرن، وأعمل السلطات والحلويات، وهي واقفة تديني تعليمات من بعيد.
وأول ما الضيوف ييجوا، تقول بابتسامة
ادخلي ارتاحي يا حبيبتي، إنتِ تعبتي.
وأقعد في الأوضة، وأسمع الضيوف بيقولوا
تسلم إيدك يا أم أحمد، السفرة تجنن.
فترد بكل ثقة
الحمد لله، من الفجر وأنا في المطبخ.
وجوزي كل ما أشتكيله يقول
سيبيها تفرح بكلمتين.
استحملت كتير... لحد ما جه يوم عزومة كبيرة لأقارب العيلة.
اشتغلت من الفجر لحد قبل وصول الضيوف بدقائق، وكالعادة طلبت مني أدخل أوضتي.
لكن المرة دي كنت محضرة مفاجأة...
قبل العزومة بيوم، كنت بصور كل خطوة وأنا بطبخ، مش عشان أفضح حد، لكن عشان أبعت الوصفات لصاحبتي اللي طلبتها مني.
ولما الضيوف قعدوا على السفرة، واحدة من القريبات قالت
يا أم أحمد، ممكن تقوليلي طريقة المحشي؟ شكله يجنن.
ابتسمت حماتي وقالت
دي طريقتي الخاصة.
ابتسمت السيدة وقالت
غريبة... لأن مرات ابنك بعتتلي الفيديو وهي بتعمله بنفسها امبارح عشان أجربه.
وفجأة... سكتت السفرة كلها.
كل العيون اتجهت ناحية حماتي، وهي لأول مرة ماعرفتش ترد حماتي حاولت تضحك
أصل هي كانت بتساعدني... وأنا علمتها الطريقة.
السيدة ابتسمت بهدوء وقالت
الفيديو مدته أربع ساعات يا أم أحمد... من أول تنظيف الخضار لحد آخر صينية طلعت من الفرن، وما شفتكيش فيه ولا مرة.
الجو اتقلب في لحظة.
أخت جوزي حاولت تغير الموضوع وقالت
يلا يا جماعة كُلوا قبل ما الأكل يبرد.
لكن جوزي بص لأمه وقال
يعني كل مرة كانت مراتي هي اللي بتتعب... وإحنا فاكرين إنك إنتِ اللي عاملة كل حاجة؟
حماتي نزلت عينيها وقالت
كنت بحب الناس تفتكر إني لسه أقدر أعمل كل ده.
أنا اتكلمت لأول مرة وقلت بهدوء
أنا عمري ما زعلت من المساعدة... زعلت لما تعبي كان بيتنسب لغيري.
واحد من كبار العيلة قال
الحق لازم يتقال. البنت دي تستحق كلمة شكر قدام الكل.
فقامت خالة جوزي وقالت وهي بتسقف
تسلم إيدك يا بنتي. الأكل فعلاً رائع.
وبدأ باقي الضيوف يشكروني واحدًا واحدًا.
أما حماتي، فكانت قاعدة ساكتة، وشكلها فيه خجل عمرهم ما شافوه عليها.
وقبل ما الناس تمشي، وقفت بنفسها وقالت
يا جماعة... لازم أقول الحقيقة. مرات ابني هي اللي عملت معظم الأكل النهارده... وكمان كانت بتساعدني في العزايم اللي فاتت. وأنا غلطت لما نسبت المجهود لنفسي.
ساد الصمت لثوانٍ، ثم قالت إحدى السيدات
الاعتراف بالحق فضيلة.
يومها رجعنا البيت، وجوزي قال لي
سامحيني... كان لازم أصدقك من زمان.
ابتسمت وقلت
المهم
ومن وقتها، أي عزومة كانت حماتي تعملها، كانت تقدمّني للضيوف بكل فخر وتقول
دي مرات ابني... وأشطر واحدة تدخل المطبخ. وأنا محظوظة إنها معانا.
وساعتها حسيت إن تعبي أخيرًا بقى له قيمة. تمت لكن القصة ما انتهتش عند كده.
بعد أسبوع، حماتي اتصلت بيا وقالت
ممكن تيجي عندي شوية؟
روحت وأنا مستغربة.
لقيتها مجهزة الشاي، وأول ما قعدت قالت
أنا عايزة أعتذرلك.
بصيتلها من غير ما أتكلم.
قالت وهي دموعها في عينيها
أنا كنت فاكرة إن الناس لو عرفت إنك إنتِ اللي بتعملي الأكل، هيقولوا إني كبرت وبقيت مش قادرة. غروري خلاني أظلمك.
قلت بهدوء
أنا عمري ما كنت بدور على مدح الناس... كنت بس عايزة حقي.
هزت رأسها وقالت
وعندك حق.
بعدها بأيام، كان عندنا تجمع عائلي جديد.
المفاجأة إن حماتي وقفت قدام الكل وقالت
النهارده السفرة دي إحنا الاتنين عاملينها... وأنا حابة أشكر مرات ابني، لأنها طول السنين اللي فاتت كانت واقفة جنبي.
الكل بصلي وابتسم.
حتى عم جوزي قال
واضح إن البيت ده فيه ستات شاطرة.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
ولما خلصت العزومة، حماتي دخلت المطبخ تساعدني في غسل الأطباق، وقالت وهي بتضحك
المرة دي الدور عليا... إنتِ اقعدي ارتاحي.
ابتسمت وقلت
أهو كده الشغل يبقى بالمشاركة.
ومن اليوم ده، علاقتنا بدأت تتغير.
مكناش بقينا أصحاب
تسلم إيد مراتي... هي تستحق كل خير.
وهكذا انتهت سنوات الظلم، وبدأت صفحة جديدة مبنية على الصراحة والاحترام بعد شهور، قررت العيلة تعمل عزومة كبيرة بمناسبة عيد ميلاد جد جوزي.
وقبل المعاد بأسبوع، حماتي قالت قدام الكل
السنة دي أنا ومرات ابني هنقسم الشغل بينا.
وافقت، لكن اشترطت شرطًا واحدًا.
قلت بابتسامة
كل طبق هيطلع، اللي عمله يتقال اسمه، عشان كل واحد ياخد حقه.
حماتي هزت رأسها وقالت
موافقة.
يوم العزومة، كل طبق كان قدامه كارت صغير.
المحشي إعداد أم أحمد.
الفراخ إعداد مرات أحمد.
الحلو إعداد أم أحمد ومرات أحمد.
الضيوف انبسطوا بالفكرة جدًا، وكل واحد بقى يشكر صاحبة الطبق اللي عجبه.
بعد العزومة، جد جوزي نادى علينا كلنا وقال
أنا شوفت في حياتي بيوت كتير اتخربت بسبب الغيرة وحب الظهور، لكن البيت اللي كل واحد فيه يدي التاني حقه، هو اللي بيفضل عامر.
الكلام أثر في حماتي جدًا.
رجعت بصتلي وقالت قدام الجميع
أنا اتعلمت درس متأخر... لكن الحمد لله اتعلمته. الحق عمره ما يضيع، والفضل لازم يرجع لصاحبه.
ابتسمت وربتت على إيدي وقلت
المهم إننا بقينا عيلة، وكلنا في ضهر بعض.
ومن يومها، اختفت المنافسة من البيت، وحلت مكانها المشاركة، وبقت
النهاية السعيدة الحقيقية كانت لما الاحترام رجع بين