في جنازة حفيدتي
سوداء.
لكن في إحدى اللقطات...
رفعت يدها لتفتح باب السيارة.
وهنا ظهرت القلادة الفضية بوضوح.
نفس القلادة الموجودة في الصورة.
قال الضابط
كبروا الصورة على رقم العربية.
بعد محاولات طويلة، تمكن الخبير من قراءة جزء من اللوحة.
وباستخدام سجلات المرور، توصلوا إلى سيارة واحدة تطابق المواصفات.
لكن المفاجأة...
السيارة كانت مسجلة باسم سيدة تُدعى ليلى حسين.
الحاجة فاطمة همست
ليلى...
الاسم نفسه المكتوب في الرسالة.
...
تحركت الشرطة فورًا إلى العنوان المسجل.
لكن عندما وصلوا...
وجدوا البيت خاليًا.
لا أثاث.
ولا ملابس.
وكأن أحدًا أخلاه قبل ساعات.
وأثناء التفتيش...
لاحظ أحد الضباط فنجان شاي على الطاولة.
ما زال دافئًا.
قال الخبير
يعني اللي كان هنا خرج من وقت قليل جدًا.
وفجأة...
سمعوا صوت رنين هاتف.
بدأوا يبحثون حتى وجدوا هاتفًا صغيرًا مخبأً داخل درج المطبخ.
لم يكن مقفلًا.
وعلى شاشته رسالة وصلت قبل دقائق
انقلي الحاجة للمكان الأخير... الشرطة عرفوا عنوانك.
الضابط قال بسرعة
تتبعوا مصدر الرسالة.
رد خبير الأدلة
بنعمل كده...
مرت ثوانٍ ثقيلة...
ثم رفع رأسه فجأة.
الرسالة خرجت من داخل المدينة... لكن اللي أغرب...
إيه؟
اتفعلت من جهاز موجود على بعد أقل من خمسمائة متر من هنا.
تبادل رجال الشرطة النظرات.
يعني مرسل الرسالة...
كان قريبًا منهم جدًا.
وفي اللحظة نفسها...
سمع الجميع صوت محرك سيارة ينطلق بسرعة من آخر الشارع.
صرخ الضابط
اقفلوا الطريق!
وانطلقت سيارات الشرطة في مطاردة جديدة، بينما كان السؤال الذي يشغل الجميع
هل بداخل السيارة ليلى... أم الشخص الذي يدير كل الخيوط من الظل؟
يتبع...الضابط فضل يبص لتقرير البصمات وهو مش مستوعب.
راجعوا النتيجة مرة تانية.
رد خبير الأدلة بثقة
راجعناها ثلاث مرات... التطابق كامل.
الحاجة فاطمة سألت بقلق
مين الشخص ده؟
فتح الضابط الملف.
ثم قال ببطء
اسمه... حسين منصور.
شهقت ليلى.
مستحيل...
التفت إليها الضابط.
إنتِ عرفاه؟
قالت وهي تحاول تسيطر على دموعها
ده أخويا.
ساد الصمت في الغرفة.
وأضافت
لكن حسين اتقال إنه مات من خمسة عشر سنة... وأنا حضرت العزاء بنفسي.
قال الضابط
يبقى يا إما شهادة الوفاة كانت مزورة... يا إما حد استخدم بصماته.
...
في تلك اللحظة، دخل أحد أفراد المباحث مسرعًا.
يا فندم... فيه اكتشاف جديد في الفيلا.
تحرك الجميع إلى هناك.
أثناء إعادة تفتيش غرفة كريم، لاحظ عامل الأدلة الجنائية أن أحد ألواح الأرضية الخشبية بيطلع صوت مختلف.
رفعوا اللوح بحذر.
وكان تحته صندوق معدني صغير.
فتحوه.
وجدوا بداخله عشرات الخطابات.
كل خطاب عليه تاريخ.
وأغلبها مرسل إلى كريم.
لكن الغريب...
إن المرسل كان يكتب اسمه بحرف واحد فقط
ح.
فتح الضابط آخر خطاب.
وكان مكتوبًا فيه
لو فكرت تبلغ الشرطة، افتكر إن
قبض الضابط على الورقة بقوة.
أما الحاجة فاطمة، فبدأت لأول مرة تشك إن كريم ربما كان يُهدَّد منذ فترة طويلة.
ثم فتح خطابًا أقدم.
كان مكتوبًا فيه
نفذ المطلوب... وإلا هتعرف بنتك الحقيقة.
الضابط توقف عند الجملة.
الحقيقة؟
أي حقيقة كانت مريم ممكن تعرفها وهي طفلة؟
...
وفي أثناء فحص بقية الصندوق...
وجد الخبير ظرفًا صغيرًا مختومًا بالشمع الأحمر.
على الظرف عبارة واحدة
لا يُفتح إلا إذا اختفى حسين مرة أخرى.
وقبل أن يفتحه...
دوّى صوت جهاز اللاسلكي.
يا فندم... عندنا بلاغ عاجل.
خير؟
واحد من الجيران قال إنه شاف راجل واقف قدام الفيلا من الفجر... ولما عرضنا عليه الصور...
عرف حد؟
رد الضابط
أيوه...
قال إن الراجل اللي شافه...
توقف الشرطي لثانية، ثم أكمل
...هو نفس الراجل الموجود في الصورة القديمة مع كريم وهو طفل.
تبادل الجميع النظرات.
إذا كانت شهادة وفاة حسين مزورة...
وإذا كان الجار رآه بنفس ملامحه تقريبًا...
فربما لم يمت حسين أصلًا.
لكن لماذا ظل مختفيًا كل هذه السنوات؟
وما السر الذي جعله يعود الآن؟
يتبع...في صباح اليوم التالي، وصلت قوة من الشرطة إلى بيت الجار الذي أبلغ عن رؤية حسين.
كان الرجل في السبعين من عمره، وملامحه متوترة.
قال للضابط
أنا معرفش اسمه... لكني متأكد إنه نفس الراجل اللي كان بيزور والد كريم من زمان.
سأله الضابط
إمتى شفته؟
قبل أذان الفجر بحوالي نص ساعة.
كان بيعمل إيه؟
واقف يبص على الفيلا... وبعدين حط حاجة صغيرة عند البوابة ومشي.
تحرك فريق الأدلة إلى البوابة.
وبعد دقائق من البحث...
عثروا على علبة معدنية صغيرة مدفونة بين الزرع.
فتحها خبير المفرقعات أولًا للتأكد إنها آمنة.
لم يكن بداخلها أي شيء خطير.
كان فيها فقط...
مفتاح آخر.
لكن هذه المرة مكتوب عليه الرقم
18
وبجواره ورقة صغيرة.
كتب عليها بخط واضح
اللي يدور على 17... لازم يكمل ل.
نظر الضابط إلى الحاجة فاطمة.
واضح إن حد بيسيب لنا الطريق خطوة بخطوة.
...
في الوقت نفسه، كان الطبيب المسؤول عن مريم يدخل غرفتها لإجراء فحص جديد.
لكن ما لفت انتباهه...
أن مريم كانت ترسم.
اقترب منها بهدوء.
بترسمي إيه يا مريم؟
ناولته الورقة.
كانت رسمة لبيت كبير.
وفي أسفل البيت...
باب صغير تحت الأرض.
وفوق الباب كتبت بخط طفولي
هنا كانوا بيخلوني أستنى.
وصلت الرسمة إلى الضابط خلال دقائق.
فسألها برفق
البيت ده فين يا مريم؟
أشارت إلى الفيلا.
تحت أوضة بابا.
ساد الصمت.
الحاجة فاطمة قالت بسرعة
مفيش بدروم تحت أوضة كريم.
لكن مريم أصرت.
فيه... بس السجادة فوقه.
...
رجعت الشرطة إلى الفيلا للمرة الثالثة.
دخلوا غرفة كريم.
رفعوا السجادة الكبيرة.
في البداية...
لم يظهر شيء.
لكن أحد الضباط لاحظ وجود مسمارين مختلفين عن باقي أرضية الغرفة.
استدعوا فنيًا.
وبعد دقائق...
ارتفع جزء من الأرضية ببطء.
وظهر باب خشبي مخفي.
فتحوه بحذر.
كان يؤدي إلى سلم ضيق ينزل إلى غرفة صغيرة تحت الأرض.
الغرفة كانت خالية تقريبًا...
إلا من سرير أطفال.
وكرسي.
وخزانة أدوية.
وعلى الحائط...
علامات طويلة، كأن طفلًا كان يعد الأيام.
وقف الجميع في صدمة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت داخل الخزانة.
وجدوا دفترًا صغيرًا.
ليس الدفتر الأسود...
بل دفترًا خاصًا بمريم.
في أول صفحة كتبت بخطها المتعثر
أنا مش مريضة... أنا بس بنام كتير.
ثم في الصفحات التالية...
كانت ترسم كل شخص يدخل إليها.
آخر رسمة في الدفتر...
كانت لرجل طويل.
وفي إصبعه...
خاتم الأسد.
لكن هذه المرة...
رسمت وجهه كاملًا لأول مرة.
نظر الضابط إلى الرسمة، ثم قال لخبير الأدلة
اعملوا نسخة رقمية مكبرة للوجه.
وقبل أن يرد الخبير...
اتسعت عينا الحاجة فاطمة فجأة.
رفعت الدفتر بيد مرتجفة، وهمست
أنا... أنا أعرف الراجل ده.
التفت الجميع إليها في لحظة واحدة.
قال الضابط بسرعة
مين هو؟
أغلقت الحاجة فاطمة عينيها لثوانٍ، ثم قالت
لو أنا صح... فالاسم الحقيقي اللي كنا بندور عليه طول الوقت... مش حسين.
وسكتت...
دون أن تنطق بالاسم. يتبع...الحاجة فاطمة كانت بتبص للرسمة وكأنها رجعت عشرات السنين لورا.
إيديها كانت بترتعش.
الضابط قرب منها وقال بهدوء
حضرتك... مين الراجل ده؟
أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت
اسمه... عادل.
نظر إليها الجميع في دهشة.
عادل مين؟
كان مدير الحسابات في شركة جوزي الله يرحمه... وكان أكتر واحد بيثق فيه.
الضابط فتح الملف القديم بسرعة.
لكن مفيش اسم عادل في أي ورقة.
هزت رأسها.
لأنه كان بيستخدم اسم تاني... حسين.
ساد الصمت.
يعني...
حسين لم يكن اسمًا حقيقيًا، بل هوية مزيفة استخدمها عادل لسنوات.
...
في نفس اللحظة، دخل خبير الأدلة وهو يحمل تقريرًا جديدًا.
يا فندم... لقينا بصمة تانية على الدفتر.
لمين؟
لعادل.
الحاجة فاطمة أغمضت عينيها.
كنت حاسة...
...
لكن قبل أن يكملوا الكلام...
رن هاتف الضابط.
رد بسرعة.
جاءه صوت أحد رجال المراقبة.
يا فندم... في حد بيحاول يدخل الفيلا.
مين؟
راجل كبير في السن... واقف قدام الباب ورافع إيده.
قبضتوا عليه؟
لا يا فندم... لأنه أول ما شاف الشرطة، قال جملة واحدة.
قال إيه؟
قولوا للحاجة فاطمة... سامحتني ولا لسه؟
تجمدت الحاجة فاطمة.
والدموع نزلت من عينيها.
همست
الصوت...
نظر إليها الضابط.
تعرفيه؟
قالت وهي ترتجف
الصوت ده... صوت جوزي.
ساد صمت ثقيل.
الضابط قال بحزم
ده مستحيل... زوج حضرتك متوفى من سنين.
هزت رأسها ببطء.
أنا عارفة... لكن نفس النبرة... نفس الطريقة.
...
خرجت قوة الشرطة إلى بوابة الفيلا بسرعة.
لكنهم لم يجدوا الرجل.
اختفى مرة أخرى.
وكل ما تركه خلفه...
كان ظرفًا أبيض.
فتح الضابط الظرف بحذر.
وجد بداخله صورة
الصورة كانت لمريم...
وهي نائمة في سرير المستشفى.
التاريخ والوقت كانا مطابقين لليلة الماضية.
يعني...
هناك شخص دخل المستشفى، وصوّر مريم، ثم خرج دون أن يراه أحد.
وقلب الضابط الصورة...
فوجد على ظهرها جملة قصيرة مكتوبة بخط اليد
أنتم تحرسون الباب... وأنا أعرف كل الأبواب.
شعر الجميع بقشعريرة.
لأن الرسالة لم تكن مجرد تهديد...
بل كانت إعلانًا واضحًا أن خصمهم ما زال يسبقهم بخطوة، ويراقب كل تحركاتهم، وأن اللعبة لم تنتهِ بعد.
يتبع...بعد ساعات من التحليل، وصلت نتائج الأدلة الأخيرة.
البصمات، والرسائل، والكاميرات، والأدوية...
كلها بدأت تركب مع بعضها.
استدعى الضابط كريم إلى غرفة التحقيق للمرة الأخيرة.
كان منهارًا.
ولأول مرة منذ بداية القضية، قال
أنا هقول الحقيقة.
ساد الصمت.
قال بصوت مكسور
أنا ما كنتش عايز أؤذي مريم.
إذن لماذا وافقت؟
أطرق رأسه.
من سنتين... اكتشفت إن في مستندات قديمة عليها توقيع والدي، ولو اتنشرت كانت هتضيع كل أملاك العيلة، وهيزج بيا في السجن في قضية تزوير أنا ماليش ذنب فيها.
ومن اللي هددك؟
عادل... اللي كان مستخبي باسم حسين.
وأضاف وهو يبكي
كان كل مرة يطلب مني حاجة... ويقول دي آخر مرة. ولما رفضت، هدد مريم.
الحاجة فاطمة أغمضت عينيها بألم.
لم تكن تبرر ما فعله ابنها...
لكنها فهمت أنه عاش سنوات تحت الابتزاز والخوف.
أما دينا، فاعترفت أنها كانت تظن أن الأدوية مجرد مهدئات، ولم تتخيل أن الخطة وصلت إلى حد إعلان وفاة طفلتها ودفنها وهي حية.
...
في نفس الوقت، وصلت الشرطة إلى مخزن مهجور بعد تتبع آخر إشارة لهاتف عادل.
حاصروا المكان.
وبعد دقائق، خرج رجل رافعًا يديه.
كان أكبر سنًا مما في الصور، وشعره كله أبيض.
لكن خاتم الأسد ما زال في إصبعه.
قال بهدوء
انتهت اللعبة.
تم القبض عليه دون مقاومة.
وبتفتيش المكان، عثرت الشرطة على الدفتر الأسود الأصلي، وكل الملفات التي اختفت، بالإضافة إلى أختام مزورة، وشهادات وفاة وميلاد مزيفة، وسجلات تثبت أنه كوّن شبكة لتزوير الهويات والوثائق لسنوات طويلة، وكان يبتز كل من يقع في يده ليضمن صمته.
...
بعد أشهر...
أصدرت المحكمة حكمها.
حُكم على عادل بالسجن المشدد بعد إدانته بتزوير المحررات الرسمية، والابتزاز، واحتجاز طفلة، وتعريض حياتها للخطر، وغيرها من الجرائم التي كشفتها التحقيقات.
أما كريم ودينا، فحوسبا على الأفعال التي شاركا فيها، مع أخذ ظروف الإكراه والتهديد التي ثبتت في التحقيقات في الاعتبار عند تقدير مسؤوليتهما القانونية.
...
مرت سنة كاملة.
وفي أول يوم دراسة...
كانت مريم تمشي إلى المدرسة وهي تمسك يد جدتها الحاجة فاطمة.
توقفت فجأة، وابتسمت.
قالت
تيتا...
نعم يا
حبيبتي؟
أنا مبقتش بخاف أنام.
احتضنتها الجدة بقوة، والدموع تلمع في عينيها.
وقالت
خلاص يا قلب تيتا... مفيش حد هيقدر يخوفك تاني.
رفعت مريم رأسها إلى السماء، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة لأول مرة منذ بدأت تلك الأحداث.
أما الحاجة فاطمة، فنظرت إليها وحمدت الله أن همسة صغيرة خرجت من نعش في ليلة مظلمة كانت السبب في إنقاذ حياة حفيدتها، وأن الحقيقة، مهما حاول أصحابها دفنها، لا تبقى مدفونة إلى الأبد.
تمت.