في جنازة حفيدتي
المحتويات
ذهب ولا أموال.
بل عشرات الملفات، وصور قديمة، ودفتر أسود سميك.
وفوق الدفتر مباشرة...
مظروف أصفر مكتوب عليه بخط واضح
يُفتح فقط إذا تعرضت مريم للخطر.
نظر الضابط إلى الحاجة فاطمة.
ثم إلى اسم مريم المكتوب على المظروف.
وقال في دهشة
إزاي حد كتب اسم حفيدتك على ظرف من سنين؟
لكن الحاجة فاطمة هزت رأسها ببطء.
وقالت بصوت مرتعش
المظروف ده... شكله قديم جدًا.
إذا كان الظرف موجودًا فعلًا منذ سنوات...
فكيف كُتب عليه اسم طفلة لم تكن قد وُلدت بعد؟
ساد الصمت داخل الغرفة...
وأمر الضابط بعدم فتح المظروف حتى يتم تصويره وفحصه ضمن الأدلة، لأن هذا الاكتشاف قد يغيّر اتجاه القضية بالكامل. يتبع...وقف الجميع في الغرفة السرية، والأنظار متعلقة بالمظروف الأصفر.
خبير الأدلة لبس القفازات، وصوّر المظروف من كل الجهات قبل ما يفتحه بحذر.
كان جواه...
رسالة واحدة.
وصورة قديمة.
الحاجة فاطمة أول ما شافت الصورة، شهقت.
الصورة كانت لابنها كريم وهو طفل عنده حوالي سبع سنين.
واقف جنب والده...
وجنبهم نفس الراجل الغامض، حسين.
لكن المفاجأة...
إن فيه طفلة صغيرة واقفة في الصورة، وشبهها لمريم كان مرعب.
كأنها نسخة منها.
الضابط سأل
مين البنت دي؟
الحاجة فاطمة هزت رأسها.
عمري ما شفتها.
فتح الضابط الرسالة.
وكان مكتوب فيها
إذا وصلتكم الرسالة دي... يبقى حد حاول يستخدم الماضي عشان يكرر نفس الجريمة من جديد.
متصدقوش أي ورقة رسمية... ولا أي شهادة وفاة... لأن اللي بدأ القصة زمان، عمره ما وقف.
ثم توقف الضابط عند آخر سطر.
قرأه بصوت عالٍ
وابدؤوا البحث... تحت اسم ليلى.
ساد صمت ثقيل.
مين ليلى؟
ولا حد عرف يجاوب.
...
في نفس اللحظة، كان خبير الأدلة الرقمية بيحاول يفك تشفير الهاتف القديم اللي لقوه في عربية كريم.
وفجأة...
الهاتف اشتغل لوحده.
من غير شريحة.
ومن غير ما حد يلمسه.
وظهر إشعار
رسالة جديدة.
فتحها الخبير بسرعة.
كانت عبارة عن إحداثيات مكان واحد فقط.
من غير أي كلام.
الضابط بص للإحداثيات، وطلب تحديد الموقع.
بعد ثوانٍ، رفع الخبير رأسه وقال
المكان... مقبرة قديمة مهجورة على أطراف المدينة.
الحاجة فاطمة شهقت.
مقابر؟!
الضابط قرر يتحرك فورًا.
...
وصلت قوة الشرطة قبل الفجر.
المقبرة كانت مهجورة، والأعشاب الطويلة مغطية معظم الشواهد.
الإحداثيات وقفت عند قبر قديم من غير اسم.
بدأ رجال الشرطة يحفروا بحذر.
بعد دقائق...
ارتطم المجراف بصندوق خشبي.
أخرجوه.
فتحوه ببطء...
لكن الجميع اتجمد مكانه.
الصندوق...
ماكانش فيه جثة.
كان مليان ملفات رسمية، وشهادات ميلاد، وشهادات وفاة، وهويات بأسماء مختلفة.
وكأن حد كان بيصنع هويات جديدة لسنين طويلة.
وفي آخر الصندوق...
كان فيه دفتر صغير.
على أول صفحة منه...
قائمة أسماء.
وأول اسم فيها كان
مريم كريم السيوفي.
لكن قدامه ملاحظة بخط أحمر
فشلت العملية.
أما الاسم اللي بعده...
فلما قرأه الضابط، تغير لون وشه فجأة.
رفع عينه للحاجة فاطمة وقال
الاسم ده... لشخص عايش، ومحترم جدًا في المجتمع.
وأغلق الدفتر فورًا، وهو يدرك أن القضية لم تعد تخص عائلة واحدة فقط، بل ربما تمتد إلى شبكة أكبر بكثير، وأن كشف الاسم التالي قد يقلب كل شيء الضابط قفل الدفتر بسرعة، ثم سلّمه لخبير الأدلة.
محدش ينطق باسم اللي مكتوب قبل ما نتأكد من كل حاجة.
لكن أحد الضباط الشباب كان واقف قريب، ولمح الاسم قبل ما الدفتر يتقفل.
همس في ذهول
مستحيل...
الضابط بص له بحدة.
ولا كلمة.
...
رجعت القوة إلى مقر المباحث، واتحطت كل المضبوطات في غرفة الأدلة.
الدفتر، والملفات، والهويات المزورة، والفلاشة... كلها بقت تحت الحراسة.
وفي نفس الوقت...
كانت الحاجة فاطمة قاعدة جنب مريم في المستشفى.
مريم بدأت تسترد قوتها، لكنها كانت لسه بتفزع من أقل صوت.
الجدة سألتها بهدوء
يا حبيبتي... فاكرة آخر حاجة حصلت قبل ما تحطي في النعش؟
مريم غمضت عينيها.
فاكرة...
إيه اللي حصل؟
صحيت بالليل... سمعت بابا بيتخانق مع راجل.
سمعتي قالوا إيه؟
هزت رأسها.
الراجل قال... لو البنت فضلت عايشة، كل الأسرار هتطلع.
الحاجة فاطمة شهقت.
وبعدين؟
بابا قال... أنا مش عايز أؤذيها.
ساد الصمت.
لأول مرة...
كان في كلام يوحي إن كريم نفسه كان واقع تحت ضغط من شخص آخر.
...
في تلك اللحظة، دخل الضابط إلى غرفة مريم.
قال للحاجة فاطمة
إحنا راجعنا مكالمات كريم.
ولقيتوا إيه؟
آخر شهر... كان بيتلقى عشرات الاتصالات من رقم مجهول.
عرفتوا صاحب الرقم؟
الضابط تنهد.
كل مرة كان بيتفتح باسم مختلف... لكن كلها طالعة من نفس الجهاز.
ثم أخرج صورة مطبوعة.
وده الشخص اللي اشترى الجهاز.
الحاجة فاطمة أخذت الصورة.
وبمجرد ما شافتها...
وقعت الصورة من إيديها.
لا...
حضرتك تعرفيه؟
قالت وهي تبكي
ده... محامي جوزي الله يرحمه.
الضابط اتجمد.
المحامي؟
كان أقرب واحد للعيلة... وكان بيزورنا باستمرار.
...
بعد ساعات، استصدرت النيابة إذنًا بتفتيش مكتب المحامي.
لكن عندما وصلت الشرطة...
وجدت المكتب مفتوحًا.
كل الأدراج مقلوبة.
وأجهزة الكمبيوتر مكسرة.
وكأن حد سبقهم بدقائق.
وأثناء المعاينة...
لاحظ أحد الضباط إطار صورة معلقًا بشكل مائل.
نزله من الحائط.
فوجد خلفه خزنة صغيرة.
فتحها الخبير.
كانت فارغة...
إلا من ظرف أبيض واحد.
على الظرف مكتوب
إذا وصلتم إلى هنا... فقد تأخرتم.
فتح الضابط الظرف بحذر.
لم يجد بداخله سوى مفتاح نحاسي قديم...
ومكتوب عليه رقم واحد فقط
17
نظر الضابط إلى المفتاح، ثم
السؤال مش المفتاح ده بيفتح إيه...
السؤال... فين القفل رقم 17؟
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف الضابط.
رد بسرعة.
جاءه صوت خبير الأدلة وهو يلهث
يا فندم... ارجع حالًا!
في إيه؟
الدفتر الأسود... اختفى من غرفة الأدلة... رغم إن الأختام سليمة، والكاميرات ما سجلتش دخول أي حد.
ساد الصمت...
لأن هذا كان يعني شيئًا واحدًا فقط
هناك شخص من داخل المنظومة يعرف كل خطوة، ويسبق الشرطة في كل مرة.
يتبع...وصل الضابط إلى غرفة الأدلة في أقل من عشر دقائق.
الأختام كانت سليمة.
الأقفال سليمة.
وحتى سجل الدخول الإلكتروني أكد إن محدش دخل الغرفة من ساعة ما اتحط الدفتر فيها.
لكن...
الدفتر الأسود اختفى.
وقف الجميع في ذهول.
خبير الأدلة قال وهو بيراجع الكاميرات للمرة العاشرة
يا فندم... في حاجة غريبة.
إيه هي؟
الكاميرا صورت كل حاجة... إلا دقيقة واحدة.
يعني إيه؟
الدقيقة دي موجودة في التسجيل... لكن الشاشة كلها سودا.
الضابط عقد حاجبيه.
بعدها مباشرة الدفتر اختفى.
...
في الوقت نفسه، كان أحد رجال الشرطة بيفحص المفتاح النحاسي رقم 17.
لفت انتباهه إن على جانب المفتاح حروف صغيرة جدًا محفورة.
بعد تكبيرها بعدسة خاصة، ظهرت كلمة واحدة
المحطة.
الضابط فكر للحظات.
محطة قطر؟
هز الخبير رأسه.
ممكن... أو محطة قديمة لأي حاجة.
لكن الحاجة فاطمة، اللي كانت قاعدة في المكتب، رفعت رأسها فجأة.
استنوا...
كلهم بصوا لها.
جوزي زمان كان بيقول على المخزن القديم بتاع الشركة اسم المحطة.
الضابط وقف بسرعة.
المخزن ده فين؟
اتقفل من أكتر من عشرين سنة.
...
تحركت قوة الشرطة إلى المخزن.
كان مبنى صناعيًا مهجورًا، أبوابه مغطاة بالصدأ.
وبعد دقائق من البحث...
وجدوا بابًا حديديًا صغيرًا.
وعليه لوحة نحاس مكتوب فيها
17
نظر الضابط إلى المفتاح.
ثم أدخله في القفل.
دار بسهولة.
وانفتح الباب ببطء.
وراء الباب...
كان فيه ممر طويل، ينتهي بغرفة مضاءة بمصباح واحد فقط.
دخلوا بحذر.
الغرفة كانت شبه فاضية.
إلا من مكتب خشبي.
وفوق المكتب...
كان الدفتر الأسود.
نفس الدفتر.
وكأنه اتحط هناك من ثوانٍ.
لكن بجانبه...
كان جهاز تسجيل شغال.
ضغط الضابط زر الإيقاف.
فخرج صوت الرجل الغامض
لو وصلتوا للمكان ده... يبقى أنا كنت متأكد إنكم هتمشوا ورا كل دليل بسيبه.
ساد الصمت.
الصوت أكمل
لكن الدفتر اللي بين إيديكم... مش هو الأصلي.
الضابط فتح الدفتر بسرعة.
بدأ يقلب صفحاته.
كلها بيضاء.
ماعدا الصفحة الأخيرة.
كان مكتوب فيها بخط واضح
الأصل مع ليلى.
وفي أسفل الصفحة...
صورة صغيرة لقلادة فضية.
مريم، التي كانت قد جاءت مع جدتها بعد إصرارها، بصت للصورة واتسعت عيناها.
وقالت بصوت مرتعش
أنا شفت السلسلة دي...
التفت إليها الجميع.
الضابط انحنى أمامها وسأل بهدوء
فين يا مريم؟
أجابت وهي تشير بإصبعها نحو الصورة
كانت في رقبة... الست اللي كانت بتديني الدوا.
ساد صمت ثقيل في الغرفة...
لأن هذه كانت أول مرة تربط مريم شخصًا جديدًا بالقضية، شخصًا لم يظهر اسمه من قبل، وقد يكون هو الخيط الذي سيقودهم إلى الحقيقة الكاملة.
يتبع...انطلقت سيارات الشرطة خلف السيارة السوداء، وصفارات الإنذار مزقت هدوء الشارع.
السائق كان يقود بسرعة جنونية، وكأنه حافظ كل الطرق الجانبية.
قال أحد الضباط عبر اللاسلكي
العربية داخلة على الطريق الزراعي!
رد الضابط
اقفلوا كل المخارج... متسمحولوش يهرب.
لكن بعد مطاردة استمرت أكثر من عشر دقائق...
دخلت السيارة نفقًا قصيرًا.
ولما خرجت سيارات الشرطة من الناحية التانية...
كانت العربية واقفة.
الباب مفتوح.
والمحرك لسه شغال.
لكن...
مافيش حد جواها.
وكأن السائق اختفى في ثوانٍ.
...
بدأ رجال الشرطة يفتشوا المنطقة.
وفجأة نادى أحدهم
يا فندم!
جرى الضابط ناحيته.
كان واقف جنب مخزن قديم.
وعلى الأرض...
آثار أقدام حديثة متجهة للداخل.
دخلوا بحذر.
المكان كان مظلمًا.
وكل خطوة كان صداها بيرجع في المكان.
وفجأة...
سمعوا صوت بكاء خافت.
اتجهوا ناحية الصوت.
لقوا أوضة صغيرة.
الباب كان مقفول بسلسلة.
كسروه بسرعة.
لكن اللي جواه ماكانش ليلى.
كانت سيدة كبيرة في السن، مقيدة على كرسي.
أول ما شافت الشرطة، انفجرت في البكاء.
الحمد لله... افتكرت إنكم مش هتوصلوا.
فكوا قيودها بسرعة.
الضابط سألها
حضرتك مين؟
قالت وهي تلهث
أنا... ليلى.
الجميع اتجمد.
إنتِ ليلى؟
هزت رأسها.
أيوه... لكني مش اللي بتدوروا عليها.
الضابط عقد حاجبيه.
يعني إيه؟
قالت
فيه واحدة انتحلت اسمي من سنين... وكل الجرائم اللي حصلت كانت بتستخدم هويتي.
ساد الصمت.
تعرفي اسمها الحقيقي؟
أغمضت عينيها للحظة.
ثم قالت
اسمها... نادين.
فين نادين؟
كل مرة بتغير مكانها... لكن فيه حاجة عمرها ما بتسيبها.
إيه هي؟
ساعة جيب قديمة... ورثتها عن حسين.
في تلك اللحظة...
رن هاتف الضابط.
كان خبير الأدلة.
يا فندم... لقينا بصمة على الفلاشة.
وبتاعة مين؟
رد الخبير بعد لحظة صمت
البصمة مطابقة... لشخص متوفى رسميًا من خمسة عشر سنة.
نظر الضابط إلى الحاجة فاطمة، ثم إلى ليلى.
وأدرك أن القضية أصبحت أكثر غموضًا، لأن ظهور بصمة شخص مُسجل كمتوفى يفتح بابًا جديدًا من الأسئلة، وقد يعني أن هناك تزويرًا قديمًا آخر أو أن أحدهم استخدم هوية ذلك الشخص لإخفاء الحقيقة.
يتبع...اتسعت عينا الضابط وهو ينظر إلى مريم.
متأكدة يا مريم؟
هزت رأسها بسرعة.
أيوه... كانت كل ما تيجي البيت تلبس السلسلة دي.
الحاجة فاطمة عقدت حاجبيها.
بس عمرنا ما شوفنا ست غريبة
مريم سكتت لحظة، ثم قالت
كانت بتيجي لما حضرتك تمشي.
ساد الصمت.
...
أصدر الضابط أمرًا بمراجعة جميع كاميرات الشارع خلال الأشهر الستة الماضية.
وبعد ساعات من البحث...
ظهر وجه امرأة أكثر من مرة.
كانت تدخل الفيلا في أوقات مختلفة، ولا تبقى أكثر من عشر دقائق.
وفي كل مرة...
كانت تخرج وهي ترتدي قبعة كبيرة ونظارة
متابعة القراءة