الساعه كانت 1:17 بعد منتصف الليل
المحتويات
انفتح الباب المعدني.
أخرج المدير صندوقًا فولاذيًا صغيرًا ووضعه على الطاولة.
فتح آدم الغطاء.
لم يجد أموالًا...
ولا مجوهرات.
وجد ظرفًا كبيرًا...
ووحدة تخزين صغيرة.
وشريطًا صوتيًا قديمًا.
كتب على الظرف بخط كريم
إلى آدم... إذا وصلت إلى هنا، فأنت اقتربت جدًا من الحقيقة.
فتح آدم الظرف بيد مرتجفة.
كانت بداخله رسالة طويلة.
قرأ أول سطر بصوت منخفض
يا آدم... لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى خطتي نجحت، لكن للأسف أنا غالبًا مش هقدر أرجع إلا لما ينتهي كل شيء.
ثم أكمل
أنا ما هربتش منكم... أنا اختفيت بإرادتي بعد ما اكتشفت شبكة بتسرق أموال شركات وبتلفق قضايا للناس اللي تقف قدامها. لما عرفت إنهم عرفوا إني وصلت لأسمائهم، كان لازم أختفي.
تنفس آدم بعمق.
ثم وصل إلى السطر الأخير.
فتغير لون وجهه.
كانت الجملة تقول
الشخص اللي بيدير الشبكة... مش غريب عن العيلة.
رفع مازن رأسه بسرعة.
يعني إيه؟
لكن آدم لم يجب.
كان قد أدخل وحدة التخزين في الحاسوب الموجود داخل غرفة البنك.
ظهرت عشرات الملفات.
صور...
عقود...
تسجيلات...
ثم فيديو واحد فقط.
ضغط تشغيل.
ظهر كريم على الشاشة.
كان يبدو مرهقًا، وفي كتفه ضمادة.
نظر إلى الكاميرا وقال
لو الفيديو ده اشتغل... يبقى آدم وصل.
توقف لثوانٍ.
ثم أكمل
آدم... أوعى تدور عليا الأول... دور على الحقيقة.
وفجأة...
ظهر في خلفية الفيديو شخص يمر لثانية واحدة فقط.
لم يظهر وجهه...
لكن يده كانت واضحة.
وفي إصبعه...
الخاتم الفضي على شكل عقرب.
أوقف آدم الفيديو فورًا.
وكبّر الصورة.
ثم تجمد في مكانه.
همس مازن
إنت عرفت مين هو؟
أجاب آدم بصوت منخفض
أيوه...
مين؟
أغلق الحاسوب ببطء.
ونظر إلى الضابط.
ثم قال
قبل ما أقول أي اسم... لازم أتأكد.
خرج من البنك وهو يشعر أن الدائرة تضيق.
وللمرة الأولى منذ خمس سنوات...
لم يعد يبحث عن أخيه فقط.
بل أصبح يبحث عن شخص عاش بينهم طوال هذه السنوات... بينما كان يخفي السر الأكبر خرج آدم من البنك وهو يحمل وحدة التخزين في جيبه الداخلي.
لم ينطق
لاحظ مازن أنه لم يتجه إلى الشركة...
ولا إلى منزله.
بل إلى المقبرة.
وقف أمام شاهد قبر كريم.
ظل ينظر إليه دقائق طويلة.
ثم قال بصوت خافت
لو كنت حي... فأنا هلاقيك.
في تلك الليلة...
اجتمع آدم مع ثلاثة أشخاص فقط.
مازن...
وضابط التحقيق...
وخبير تقني.
قال آدم
عايز تحليل كامل للفيديو.
بعد ساعتين...
قال الخبير
كبرنا الصورة وحسّنا الجودة.
ضغط زرًا.
ظهرت يد الرجل بوضوح أكبر.
لم يكن الخاتم هو الشيء الوحيد المميز.
كان في معصمه أثر حرق قديم على شكل نصف دائرة.
تجمد آدم.
ثم فتح درج مكتبه.
وأخرج صورة قديمة التقطت في عيد ميلاد كريم قبل سنوات.
وقف الجميع يحدقون فيها.
في الصورة...
كان كريم يضحك.
وبجواره رجل يضع يده على كتفه.
وفي معصمه...
نفس أثر الحرق.
قال مازن بدهشة
مين ده؟
أجاب آدم
عماد...
رئيس الأمن القديم؟
أيوه.
كان عماد يعمل مع عائلة المنصوري أكثر من عشرين عامًا.
وكان من أوائل من شاركوا في البحث عن كريم بعد اختفائه.
بل إنه هو من قاد فرق التفتيش بنفسه.
قال الضابط
يعني كان بيضلل التحقيق من البداية.
رد آدم
أو كان بيحاول يخفي حاجة أكبر.
في صباح اليوم التالي...
وصلوا إلى بيت عماد.
لكن المنزل كان خاليًا.
كل شيء مرتب.
وكأن صاحبه خرج منذ دقائق.
وأثناء تفتيش المكان...
لاحظت ليان شيئًا لم ينتبه إليه الكبار.
كانت قد أصرت على مرافقة أمها بعد أن أصبحت تحت حماية الشرطة.
اقتربت من رف صغير.
وقالت
الراجل ده بيحب يرسم عقارب.
نظر الجميع.
كانت هناك عشرات الرسومات الصغيرة لعقرب محفور على الورق والخشب.
لكن ليان لم تكن تشير إليها.
كانت تشير إلى واحدة مختلفة.
عندما ضغط آدم عليها...
صدر صوت خفيف.
وانفتح جزء من المكتبة.
ظهر خلفه درج سري.
داخله...
دفتر قديم.
وهاتف يعمل بالأقمار الصناعية.
ورسالة.
فتح آدم الرسالة.
لم تكن موجهة إليه.
كانت موجهة إلى عماد.
وجاء فيها
إذا اضطررت لترك المنزل، فتوجه فورًا إلى المزرعة القديمة. لا تدع آدم يصل إلى الرجل الحي.
قرأ آدم الجملة
ثم رفع رأسه ببطء.
الرجل الحي...
نظر إليه مازن.
تقصد...
أجاب آدم بثقة لأول مرة منذ بدأت القضية
كريم.
في تلك اللحظة، رن هاتف آدم.
كان رقمًا غير معروف.
فتح الخط.
وجاءه صوت ضعيف ومتقطع، كأنه يخرج من جهاز قديم
آدم... متجيش لوحدك.
اتسعت عينا آدم.
تجمد في مكانه.
ذلك الصوت...
لم يكن قد سمعه منذ خمس سنوات.
كان صوت أخيه كريم.
ثم انقطع الاتصال فجأة.
نظر آدم إلى مازن وقال بحزم
جهزوا العربيات... إحنا رايحين المزرعة.
كان يعلم أن الساعات القادمة...
إما أن تعيده إلى أخيه.
أو تكشف أخيرًا لماذا اختفى كل تلك السنوات انطلقت أربع سيارات سوداء في اتجاه المزرعة القديمة.
لم يكن آدم ينظر إلى الطريق...
كانت عيناه معلقتين بالهاتف.
يعيد تشغيل التسجيل القصير عشرات المرات.
كل مرة يسمع نفس الجملة
آدم... متجيش لوحدك.
قال مازن
الصوت حقيقي؟
أجاب خبير الصوت الذي كان معهم
حللناه بسرعة... مفيش أي دليل على إنه متفبرك.
أغمض آدم عينيه.
لأول مرة منذ خمس سنوات...
شعر أن أخاه على بُعد دقائق فقط.
وصلوا إلى المزرعة قبل الغروب.
كانت الأرض مهجورة، والأشجار اليابسة تحيط بالمكان.
لكن آدم لاحظ شيئًا.
آثار إطارات سيارات حديثة.
قال
في حد هنا.
انتشر الرجال في صمت.
وفجأة...
صرخت أجهزة اللاسلكي.
في حركة ناحية المخزن!
ركض آدم بأقصى سرعة.
فتح باب المخزن بقوة.
لكنه وجده فارغًا.
إلا من كرسي واحد في المنتصف.
وعليه جهاز تسجيل.
ضغط زر التشغيل.
وانطلق صوت كريم.
لو وصلت للمكان ده... يبقى أنت قربت جدًا.
تنهد آدم.
ثم أكمل الصوت
أنا ما استخبتش عشان أنقذ نفسي... أنا استخبيت عشان أحمي ليان ونورا.
وفي تلك اللحظة...
انفتح باب جانبي ببطء.
رفع الجميع أسلحتهم.
لكن آدم أشار إليهم أن يخفضوها.
خرج رجل عجوز بلحية بيضاء.
رفع يديه وقال
أنا مش عدو.
سأله آدم
إنت مين؟
اسمي عارف... وكنت بحرس كريم طول السنين اللي فاتت.
اتسعت عينا آدم.
يعني هو عايش؟
هز الرجل رأسه.
كان عايش... لحد أسبوع.
شحب وجه آدم.
يعني إيه؟
أخرج
وسلمه لآدم.
فتح آدم الظرف بسرعة.
وجد بداخله صورة حديثة.
التُقطت قبل أيام فقط.
ظهر فيها كريم...
أكبر سنًا، بلحية خفيفة، لكنه هو بلا شك.
وخلف الصورة كتب بخطه
لو الصورة دي وصلتلك، يبقى اضطررت أتحرك من المكان. ما تقلقش... أنا لسه حي، لكنهم عرفوا مكاني. لو عايز تلاقيني، دور على آخر مكان كنت أتمنى آخد فيه ليان وهي صغيرة.
نظر آدم إلى الصورة طويلًا.
ثم ابتسم لأول مرة بثقة.
قال مازن
عرفت المكان؟
أجاب آدم
أيوه.
فين؟
قال وهو يتذكر حديثًا قديمًا مع أخيه
حديقة الحيوانات.
تعجب الجميع.
لكن آدم أوضح
كريم كان دايمًا يقول أول ما بنتي تكبر، هاخدها تشوف الزرافة بنفسي.
في تلك اللحظة...
رن هاتف مازن.
رد بسرعة.
ثم تغير وجهه.
نظر إلى آدم وقال
في خبر عاجل...
إيه؟
في راجل مطابق لمواصفات كريم... دخل حديقة الحيوانات من أقل من عشر دقائق.
نظر آدم إلى رجاله وقال بحسم
يلا... المرة دي هنرجع أخويا للبيت انطلقت السيارات بأقصى سرعة.
لم يكن الطريق طويلًا...
لكنه بدا لآدم أطول من خمس سنوات كاملة.
في الجهة الأخرى...
كان رجل يرتدي قبعة داكنة يقف أمام بيت الزرافات.
يمسك بكيس صغير من الطعام.
ويبتسم لطفلة كانت تضحك وهي تطعم الزرافة.
كانت الابتسامة نفسها...
ابتسامة كريم.
لكنها اختفت فجأة عندما لمح رجال الأمن يركضون في الاتجاه نفسه.
همس لنفسه
آدم وصل.
استدار بهدوء...
وسار نحو المخرج الخلفي.
وصل آدم بعد لحظات.
نظر حوله بعينين لا تتوقفان عن البحث.
ثم لمح الرجل من الخلف.
عرفه من طريقة سيره.
صرخ بكل ما في قلبه
كريم!
توقف الرجل.
ظل واقفًا لثوانٍ.
ثم استدار ببطء.
التقت عيناه بعيني آدم.
لم يعد هناك شك.
كان كريم.
أكبر بخمس سنوات...
وأكثر إرهاقًا...
لكن ملامحه لم تتغير.
اقترب آدم خطوة.
ثم ثانية.
وقال بصوت مبحوح
أنت... عايش.
ابتسم كريم.
وقال
وحشتني يا أخويا.
لم ينتظر آدم أكثر.
ركض نحوه واحتضنه بقوة.
ولأول مرة منذ سنوات...
بكى الرجلان دون أن ينطقا بكلمة.
وقف كل من حولهما
حتى مازن أدار وجهه حتى يخفي دموعه.
بعد دقائق...
جلس الشقيقان على مقعد بعيد عن الناس.
قال آدم
ليه سيبتنا كل السنين دي؟
تنهد كريم طويلًا.
لأنهم كانوا مراقبين كل واحد قريب مني.
مين هم؟
الشبكة اللي كنت بجمع ضدها الأدلة.
خلصت؟
هز كريم رأسه بالنفي.
لسه في واحد فاضل.
مين؟
أخرج كريم من
متابعة القراءة