الساعه كانت اتنين بعد نصف الليل

لمحة نيوز

وملامحها تحمل تعب السنين.
أول ما شافتني، دموعها نزلت.
قالت
إنتِ نولا؟
هززت رأسي.
أخرجت من حقيبتها سلسلة فضية صغيرة عليها نجمة.
اتسعت عيناي.
كانت نفس السلسلة التي فقدتها وأنا طفلة يوم وقعت عند السور.
قالت السيدة
أنا لقيتها يومها... وفضلت محتفظة بيها، وكنت بدعي أقابل صاحبتها قبل ما أموت.
احتضنتها وأنا أبكي.
وفي المساء، جلس كالوم يتأمل السلسلة وقال
واضح إن ربنا كان بيرتب كل حاجة من زمان.
ابتسمت وأنا أنظر إلى آدم، الذي كان يلعب في الحديقة مع أطفال المشروع.
وفجأة ركض نحونا وهو يلهث.
قال بحماس
عمو كالوم... الشجرة كبرت أوي!
خرجنا جميعًا إلى الحديقة.
كانت الشجرة التي زرعها قبل سنوات قد أصبحت عالية، وظلها يغطي المكان كله.
وقف كالوم تحتها وقال
فاكرة أول يوم زرعناها؟
ضحكت.
وقتها كنا بنحلم بالأمان.
رد وهو ينظر إلى الأطفال الذين يضحكون حولها
دلوقتي... الأمان بقى حقيقة.
أمسك آدم يدينا نحن الاثنين وقال بابتسامة بريئة
يلا... ناخد صورة.
وقفنا تحت الشجرة.
التقط أحد العاملين الصورة.
وفي اللحظة التي انطفأ فيها ضوء الكاميرا...
شعرت أن كل الألم الذي مررنا به أصبح مجرد ذكرى بعيدة، وأن الحياة دائمًا تكافئ من يتمسك بالأمل ولا يفقد إنسانيته.
يتبع...الجزء العاشر
بعد التقاط الصورة بأيام، كان كالوم يراجع بعض الملفات في مكتبه، عندما دخل عليه مدير الشركة وهو يحمل تقريرًا.
قال باحترام
يا فندم... في فرع جديد هنفتحه الشهر الجاي، وكل الناس مستنية حضرتك تختار المدير.
أغلق كالوم الملف وقال بهدوء
أنا اخترت بالفعل.
استغرب المدير.
مين؟
ابتسم كالوم وقال
نولا.
في اللحظة نفسها كنت في بيت الأمان أساعد إحدى الأمهات في إنهاء أوراق عملها، عندما اتصلت بي السكرتيرة.
الأستاذ كالوم عايز حضرتك حالًا.
دخلت مكتبه وأنا قلقة.
قلت
خير؟
ناولني ملفًا أنيقًا.
فتحته، فتفاجأت بقرار تعييني مديرة للفرع الجديد.
رفعت رأسي بسرعة.
أكيد في غلط.
ابتسم
وقال
مفيش أي غلط.
قلت بتوتر
أنا بدأت هنا عاملة نظافة... إزاي أبقى مديرة؟
رد بثقة
لأنك اشتغلتي بإخلاص في كل منصب، واتعلمتي، ونجحتي في إدارة بيت الأمان. المنصب ده نتيجة تعبك، مش مجاملة.
امتلأت عيناي بالدموع.
قلت
أنا خايفة أفشل.
وقف أمام النافذة وقال
فاكرة أول مرة شوفتك؟ كنتِ خايفة حتى تبصي في وش حد. النهارده بقيتي بتدي الأمل لناس كتير. يبقى ليه الخوف؟
في يوم افتتاح الفرع الجديد، حضر كل الموظفين.
وقف كالوم على المنصة وقال
النجاح الحقيقي مش إنك تبدأ من القمة... النجاح إنك تبدأ من الصفر، وتوصل بقلبك وتعبك.
ثم دعاني للصعود.
وسط تصفيق الجميع، تسلمت مفتاح الفرع.
وفي الصف الأول، كان آدم يصفق بكل قوته ويصرخ
دي ماما... دي أحسن ماما!
ضحك الجميع، بينما شعرت أن كل خطوة صعبة مشيتها في حياتي كانت تستحق هذا اليوم.
وبينما كنا نغادر الحفل، نظر كالوم إلى الشجرة التي أصبحت تزين مدخل الفرع الجديد، وقال
كل بداية صغيرة، لو اتسقت بالخير، بتكبر وتبقى أثر عمره ما يختفي.
وأومأت برأسي مبتسمة، وأنا أعلم أن الرحلة لم تنتهِ بعد... لكنها أصبحت مليئة بالأمل بدلًا من الخوف.
يتبع...الجزء الحادي عشر
مرت سنة على افتتاح الفرع الجديد...
وأثبت الفرع نجاحًا كبيرًا، حتى أصبح من أفضل فروع مجموعة برينان.
في صباح أحد الأيام، دخل آدم المدرسة وهو في الصف الرابع، وكان مطلوبًا من كل طالب أن يتحدث عن الشخص الذي يعتبره قدوته.
وقف آدم أمام زملائه بثقة وقال
قدوتي مش شخص مشهور... قدوتي أمي.
ابتسمت المعلمة وسألته
وليه مامتك؟
رد بابتسامة
لأنها علمتني إن الإنسان مهما يقع، يقدر يقوم تاني.
ثم أضاف
وعندي كمان بطل تاني... عمو كالوم.
ضحك الأطفال.
فسألته المعلمة
هو قريبك؟
هز رأسه وقال
لا... لكنه أوفى إنسان قابلته.
وصل تسجيل كلمة آدم إلى المدرسة ثم إلى الشركة، وانتشر بين الموظفين.
ولما شاهده كالوم، ظل صامتًا للحظات، ثم أغلق الهاتف وهو يحاول إخفاء
تأثره.
وفي المساء، دعا جميع العاملين إلى احتفال بسيط في حديقة القصر.
وبعد انتهاء الحفل، نادى على آدم.
أخرج من جيبه ساعة قديمة.
قال وهو يناوله إياها
الساعة دي كانت معايا من وأنا في سنك.
نظر آدم إليها بإعجاب.
هديهالي؟
ابتسم كالوم.
بشرط.
إيه هو؟
لما تكبر... ساعد أي حد محتاج، من غير ما تستنى منه مقابل.
هز آدم رأسه بحماس.
أوعدك.
ابتسمت وأنا أراقبهما.
كان المشهد يعيد إلى ذهني وعدًا قديمًا قيل لطفلة صغيرة منذ سنوات.
لكن هذه المرة...
الوعد لم يعد بين طفلين.
بل أصبح قيمة تنتقل من جيل إلى جيل.
وفي تلك الليلة، وقفت أمام الشجرة التي زرعها آدم مع كالوم منذ سنوات.
كانت أوراقها تتحرك مع نسيم الهواء.
همست لنفسي
أحيانًا... أكبر المعجزات تبدأ بوعد صغير... وشخص يختار ألا يتخلى عن إنسانيته.
يتبع...الجزء الثاني عشر
مرت الأعوام...
وكبر آدم، لكنه لم ينسَ الوعد الذي قطعه لكالوم وهو طفل.
في إحدى أمسيات الشتاء، كان عائدًا من الجامعة عندما لمح رجلًا مسنًا يحاول دفع كرسيه المتحرك بعد أن تعطلت عجلاته وسط المطر.
أسرع إليه دون تردد.
ترك سيارته على جانب الطريق، وساعده حتى أوصله إلى منزله.
في اليوم التالي، عرف كالوم بما حدث.
ابتسم وقال لنولا
واضح إن الوعد وصل لصاحبه.
ابتسمت نولا وهي ترد
لأنك أنت اللي علمته معنى الرحمة.
لكن الأيام كانت تخبئ مفاجأة أخرى.
في صباح هادئ، شعر كالوم بإرهاق شديد أثناء اجتماع مجلس الإدارة.
أنهى الاجتماع بصعوبة، لكنه أخفى تعبه عن الجميع.
لاحظت نولا شحوب وجهه.
قالت بقلق
أنت كويس؟
ابتسم ابتسامته المعتادة.
مجرد إرهاق.
لكنها لم تقتنع.
أصرت أن يذهب لإجراء فحص طبي.
وبعد ساعات...
خرج الطبيب وهو يحمل النتائج.
ابتسم وقال
اطمنوا... مجرد إجهاد بسبب ضغط الشغل، لكن لازم تقلل ساعات العمل، وتهتم براحتك.
تنفس الجميع الصعداء.
ضحك آدم وقال
سمعت الكلام يا عمو كالوم؟
رد كالوم ضاحكًا
واضح إن بقي عندي مدير جديد.
منذ
ذلك اليوم، بدأ كالوم يقضي وقتًا أطول بعيدًا عن الاجتماعات.
صار يزور بيت الأمان كل أسبوع.
يجلس مع الأطفال، يستمع إلى أحلامهم، ويشجعهم على الدراسة.
وكان يقول دائمًا
النجاح الحقيقي مش في عدد الشركات... النجاح الحقيقي في عدد الناس اللي خرجوا من عندك وهم أقوى.
وفي إحدى الزيارات، اقترب منه طفل صغير وسأله
هو حضرتك غني؟
ابتسم كالوم وجلس بجواره.
وقال
أغنى حاجة أملكها... الناس اللي بحبهم وبيحبوني.
نظرت إليه نولا من بعيد، وابتسمت.
فقد أدركت أن الرجل الذي كانت المدينة تخشاه يومًا...
أصبح الرجل الذي تلجأ إليه القلوب قبل الأبواب.
يتبع...الجزء الثالث عشر
مرت سنوات أخرى...
وأصبح اسم بيت الأمان معروفًا في كل المدينة، حتى إن شركات كثيرة بدأت تقلد فكرته.
لكن كالوم كان يردد دائمًا
المهم مش مين بدأ... المهم كام حياة اتغيرت.
في صباح يوم مشمس، دخل آدم مكتب والدته وهو يحمل ظرفًا أبيض.
قال بحماس
ماما... جالي جواب!
فتحته نولا، وبدأت تقرأ، ثم توقفت فجأة والدموع ملأت عينيها.
سألها آدم بقلق
في إيه؟
ابتسمت وهي تعطيه الخطاب.
كان خطاب قبول في كلية الطب، بعد حصوله على منحة كاملة لتفوقه الدراسي وتطوعه المستمر في بيت الأمان.
ركض آدم إلى كالوم، الذي كان يتفقد الحديقة.
قال وهو يلهث
عمو كالوم... اتقبلت!
احتضنه كالوم بقوة لأول مرة منذ عرفه.
وقال بفخر
كنت عارف إنك هتوصل.
ابتسم آدم وقال
أنا عايز أبقى دكتور... عشان أعالج الناس اللي معندهاش فلوس.
ربت كالوم على كتفه وقال
ساعتها هتبقى حققت أعظم نجاح.
وفي مساء ذلك اليوم، اجتمع العاملون في حديقة القصر للاحتفال.
وقفت نولا أمام الجميع وقالت
من سنين دخلت المكان ده وأنا خايفة، ومكسورة، ومش شايفة أي أمل.
ثم نظرت إلى كالوم.
لولا إنك افتكرت وعد طفل صغير... كان زمان حياتي انتهت بطريقة تانية.
هز كالوم رأسه مبتسمًا وقال
لا... الفضل لله، ثم لشجاعتك. أنا بس وفيت بوعد قديم.
صفق الجميع بحرارة.

وفي نهاية الحفل، اقترب آدم منهما وقال وهو يضحك
إيه رأيكم نتصور نفس الصورة اللي اتصورت تحت الشجرة من سنين؟
وقف الثلاثة تحت الشجرة التي أصبحت ضخمة، والتقطوا صورة جديدة.
كانت نولا في منتصفها، وعلى
تم نسخ الرابط