يا باشا
يا باشا... محتاج شغالة؟ والله أشتغل أي حاجة... بنتي بقالها يومين ما داقتش لقمة.
قالتها الست وهي واقفة قدام الفندق، مستخبية تحت المظلة من مطرة نوفمبر، هدومها مبلولة، وحاضنة طفلة نايمة على صدرها.
كنت هعدي من جنبها كأني ما شفتهاش...
لكن أول ما رفعت وشها...
الدنيا كلها وقفت.
منى؟!
شفايفها كانت بتترعش، وكدمة صفرا باينة على خدها، وشعرها مقصوص بعشوائية. البنت الأنيقة الهادية اللي كنت أعرفها... اختفت، وما فضلش منها غير إنسانة مكسورة.
بصتلي بخوف وهمست
يا يوسف... ماتبينش إنك عرفتني. أمك حاطة ناس بيراقبوني.
الطفلة اللي في حضنها اتحركت وهي نايمة...
وقلبي وقع.
بنتي.
كان عندها سنة واحدة بس...
وده معناه إن منى كانت حامل وقت ما اختفت.
دخلتهم الفندق من غير ما ألفت نظر حد، ولما طلعنا للجناح وقفلت الباب...
الحقيقة نزلت عليّ زي الصاعقة.
منى حطت البنت بين إيديا وقالت وهي بتعيط
اسمها رحمة... بنتك.
كل حاجة قدامي اتشقلبت...
العربية اللي قالوا إنها اتحرقت...
العزا اللي حضرته...
والدموع اللي نزلتها على واحدة افتكرتها ماتت.
كل ده كان كدب.
بعدين قالت الجملة اللي هدت حياتي كلها
أمك خطفتني... وزورت كل حاجة. ولما عرفت إني حامل، حبستني وخبتني عن الدنيا.
في اللحظة دي...
تليفوني رن.
أمي.
يا يوسف... إنت فين؟ العشا هيبدأ دلوقتي.
رديت بهدوء
جاي.
لكن الحقيقة...
إني ماكنتش رايح أتغدى...
كنت رايح أبدأ الحرب... وأرجع حقي أنا ومراتي وبنتي.
بصيت لمنى
لكن عقلي كان بيرفض يصدق.
سألتها بصوت مخنوق
يعني إيه... أمي حبستك؟ فين؟ وإزاي محدش عرف؟
منى مسحت دموعها بطرف كمها، وبصت ناحية الباب كأنها خايفة حد يقتحمه في أي لحظة.
قالت
الوقت ضيق يا يوسف... والناس اللي شغالة معاها ممكن يكونوا شافوني وأنا بدخل هنا. لازم تسمعني من غير ما تقاطعني.
قعدت قدامها وأنا حاضن رحمة.
البنت فتحت عينيها للحظة...
بصتلي...
وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة بريئة.
قلبي اتقطع.
كان في ملامح مني واضحة جدًا.
نفس العينين...
ونفس الغمازة اللي كانت بتظهر وأنا صغير.
منى كملت بصوت منخفض
يوم الحريق... ماكانش في أي حريق أصلاً.
اتجمدت مكاني.
قالت
العربية اتحرقت فعلًا... لكن بعد ما خدوني منها. كانوا مجهزين كل حاجة عشان الناس تصدق إني مت.
حسيت الدم بيغلي في عروقي.
مين؟
ابتلعت ريقها وقالت
أمك... وما كانتش لوحدها.
قبل ما أسألها...
طلع صوت رسالة على تليفوني.
رقم مجهول.
فتحتها بسرعة.
كانت صورة.
ولما كبرت الصورة...
حسيت جسمي كله اتلج.
كانت صورة للفندق...
وصورتي وأنا بدخل مع منى.
وتحتها رسالة قصيرة
قولنا لك بلاش تدور على الماضي... المرة دي الدور على بنتك.
رفعت رأسي بسرعة.
جريت ناحية الشباك.
فضلت أبص تحت الفندق.
وفي الناحية المقابلة...
عربية سودا واقفة من ساعة ما دخلنا.
راجل لابس كاب أسود كان واقف جنبها.
أول ما لمحني...
ابتسم...
ورفع موبايله على ودنه.
في نفس اللحظة...
تليفوني رن من جديد.
الرقم
رديت من غير ما أتكلم.
وصلني صوت خشن قال بهدوء مرعب
لو عايز تشوف بنتك تكبر... انزل لوحدك حالًا.
وساعتها...
سمعنا صوت خبط خفيف جدًا على باب الجناح...
ثلاث خبطات متتالية...
كأن اللي برا متأكد إننا جوا.
منى اتغير لون وشها فجأة، وهمست وهي بترتعش
مستحيل... هم لقوني اتجمدت في مكاني.
الخبطات اتكررت...
لكن المرة دي كانت أقوى.
رحمة صحيت من النوم، وبدأت تعيط بصوت عالي.
منى حضنتها بسرعة وهي بتهمس
أوعى تفتح... بالله عليك أوعى.
طفيت كل الأنوار في الجناح، وقربت بهدوء من العين السحرية.
بصيت...
وما شفتش حد.
الممر كان فاضي.
لكن الغريب...
كان فيه عربية خدمة الفندق واقفة قدام الباب.
رجعت لورا وأنا حاسس إن في حاجة غلط.
وفجأة...
المقبض بدأ يتحرك ببطء.
حد برا بيحاول يفتح الباب بمفتاح.
جريت بسرعة وحطيت الكرسي تحت الإيد، وسندت جسمي كله على الباب.
ثواني...
وسمعنا صوت راجل بيقول من برا
روم سيرفيس يا فندم... في طلب اتبعت للجناح.
بصيت لمنى.
هزت رأسها بعنف.
وقالت بصوت مخنوق
إحنا ما طلبناش حاجة... ده مش روم سيرفيس.
سكت الراجل ثانيتين...
وبعدين سمعناه بيضحك.
ضحكة باردة خلت الدم يتجمد في عروقي.
وقال
افتح يا يوسف... متتعبش نفسك.
عرف اسمي.
بصيت لمنى.
وشها اصفر.
همست
ده سامح... الراجل اللي كانت أمك معتمدة عليه في كل حاجة.
في اللحظة دي...
تليفوني اهتز.
مش رنة...
إشعار.
فتحت بسرعة.
كانت كاميرات الفندق.
حد بعتلي بث مباشر من كاميرا الدور.
ولما بصيت.
قلبي وقف.
قدام باب الجناح ماكانش واقف شخص واحد...
كانوا أربعة.
واحد عند الباب...
واتنين مستخبيين آخر الممر...
والرابع...
واقف عند المصعد، وماسك جهاز لاسلكي.
وفجأة وصلت رسالة جديدة
معاك دقيقة واحدة بس... بعدها هندخل إحنا.
رفعت عيني ناحية منى.
كانت بتبص تحت السرير.
مدت إيدها وسحبت صندوقًا معدنيًا صغيرًا، عليه آثار صدأ.
فتحته بسرعة...
وأخرجت منه فلاشة قديمة، وسلسلة فضة.
حطت الفلاشة في إيدي وقالت وهي بتبكي
دي السبب الحقيقي اللي خلاني أعيش كل السنين دي... ولو وقعت في إيدهم، كل اللي ضحى بحياته عشان يحميها هيموت مرتين.
وفي نفس اللحظة...
انطفأت كل كهرباء الدور بالكامل...
وغرق الجناح في ظلام دامس.
ثم...
بدأ صوت خطوات يقترب من الباب... ببطء شديد الظلام كان خانق.
حتى نور الممر اللي كان بيدخل من تحت الباب... اختفى.
كل اللي كنا سامعينه هو نفس رحمة السريع، وبكاها المكتوم، وخطوات بتقرب واحدة واحدة.
حطيت إيدي على كتف منى.
همست
أوعي تطلعي صوت... مهما حصل.
فجأة...
رن جرس الحريق في الفندق.
الصوت دوّى في كل الأدوار.
وبعده بثواني سمعنا جري في الممر، وصوت حد بيزعق
إخلوا الدور كله!
افتكرت إنها فرصة نهرب.
لكن منى شدتني من إيدي بعنف.
لأ... دي حيلة. هما اللي شغلوا الإنذار.
وقبل ما أسألها...
سمعنا صوت تكسير.
مش عند بابنا...
عند باب الجناح اللي قصادنا.
واحد من الرجال كان بيكسر الأبواب، يدور علينا جناح جناح.
قلبي بدأ يدق بعنف.
فتحت شاشة الموبايل
وصلت رسالة جديدة من نفس الرقم المجهول.
قدامك آخر فرصة... سلم الفلاشة، وخد مراتك وبنتك وامشوا.
وقبل ما أقفل الرسالة...
وصلت رسالة تانية.
لكن المرة دي...
من رقم