دخلت بنت صغيره
شغل.
مكانك كان إنك تغيّري حياة ناس كتير.
وقف الجميع يصفق طويلًا.
أما كاميلا، فاتجهت إليه، وقبّلت رأسه.
وقالت
لولا إنك صدقت طفلة صغيرة... ماكانش كل ده حصل.
رد عليها بابتسامة هادئة
ولولا شجاعتك... ماكنتش أنا نفسي اتغيرت.
وفي نهاية الحفل...
وقف طفل صغير أمام كاميلا وسألها
هو ممكن لما أكبر أبقى زي حضرتك؟
ابتسمت وربتت على كتفه.
وقالت
ممكن تبقى أحسن مني.
ساعد حد محتاج...
وارحم الضعيف...
ومتكسرش قلب حد.
ساعتها هتبقى بطل حقيقي.
ابتسم الطفل، ووعدها.
ابتسمت كاميلا وهي تشاهده يجري بين الأطفال.
ثم همست
كل حكاية خير... بتبدأ بخطوة واحدة.
وأحيانًا...
الخطوة دي...
بتكون لطفلة عمرها سبع سنين، دخلت شركة كبيرة، لا تطلب صدقة...
بل تطلب فرصة.
تمت بحمد الله بعد خمسة عشر عامًا...
كان بيت الأمل قد صار بيتًا حقيقيًا لمئات الأطفال.
وفي صباح هادئ...
دخل شاب أنيق يحمل حقيبة أوراق.
استأذن للدخول إلى مكتب كاميلا.
ابتسمت وقالت
اتفضل.
جلس أمامها، ووضع على المكتب ملفًا قديمًا.
قال
حضرتك تعرفي الورقة دي؟
فتحت الملف...
واتسعت عيناها.
كانت الورقة الأصلية التي كتبتها وهي طفلة
أأكل روزا... أمسح الأرض... أجيب حفاضات...
رفعت رأسها بدهشة.
لقيتها فين؟
ابتسم الشاب وقال
أنا الطفل اللي دخل المؤسسة
سكت لحظة ثم أكمل
الورقة دي كانت معلقة على الحائط. كل يوم كنت أقف أقراها، وأقول لنفسي لو بنت صغيرة قدرت تستحمل كل ده، يبقى أنا كمان أقدر.
ابتسمت كاميلا والدموع في عينيها.
قال الشاب
أنا النهارده بقيت مهندس معماري... وجاي أحقق حلمي.
فتح حقيبة أخرى.
وأخرج تصميمًا ضخمًا.
كان مشروع مدينة متكاملة للأطفال تضم مدرسة، ومستشفى، ومكتبة، وملاعب، ومراكز تدريب.
قال
المشروع ده هدية مني... ومن كل طفل كبر هنا.
وقفت كاميلا تنظر إلى الرسومات في صمت.
ثم همست
الحلم كبر أوي...
وفي يوم الافتتاح...
اجتمع آلاف الأطفال والشباب الذين تربوا في بيت الأمل.
كل واحد منهم كان ناجحًا في مجاله.
طبيب.
ومهندسة.
ومعلم.
وضابط.
ومبرمج.
وممرضة.
وقفوا جميعًا في صف واحد.
ثم قالوا بصوت واحد
شكرًا يا كاميلا...
لأنك ما سيبتيناش.
لم تستطع كاميلا أن تتمالك دموعها.
نظرت إلى روزا، فوجدتها تبتسم.
وقالت لها
شايفة؟
إحنا بدأنا ببرونة لبن...
وربنا كبر الخير لحد ما بقى مدينة كاملة.
احتضنتها روزا وقالت
وده كله... بدأ لأن أخت كبيرة رفضت تسيب أختها الصغيرة.
وفي المساء...
جلست كاميلا وحدها تحت الشجرة الكبيرة في حديقة بيت الأمل.
أغلقت عينيها.
فسمعت ضحكات الأطفال تملأ المكان.
ابتسمت وقالت بهدوء
يارب... اجعل كل طفل يدخل المكان ده... يخرج منه وهو مؤمن إن الدنيا لسه فيها خير.
وانتهت الحكاية...
لكن أبواب بيت الأمل ظلت مفتوحة...
لكل طفل يبحث عن بداية جديدة، ولكل قلب يؤمن أن الرحمة قد تغيّر مستقبل إنسان... بل مستقبل أجيال كاملة.
تمت بحمد الله. النهاية
مرّت سنوات...
وأصبح اسم بيت الأمل معروفًا في كل أنحاء البلد، وصارت كاميلا محامية تدافع عن حقوق الأطفال، وروزا طبيبة أطفال تعالجهم مجانًا في أيام كثيرة من كل شهر.
أما الجد، فكان يجلس كل صباح في حديقة الدار، يراقب الأطفال وهم يضحكون، ويقول دائمًا
الحمد لله... ربنا عوضني قبل ما أموت.
وفي يوم، طلب صاحب الشركة أن يجتمع بكل العاملين والأطفال.
وقف أمامهم وقال
من سنين طويلة، طفلة دخلت شركتي وسألت ينفع أشتغل هنا؟
سكت لحظة، ثم ابتسم.
ولو كنت وقتها طردتها... كان كل الخير ده عمره ما حصل.
ثم أخرج ورقة قديمة محفوظة في إطار زجاجي.
كانت نفس الورقة التي كتبتها كاميلا وهي طفلة
أأكل روزا... أجيب لها لبن... ما أسيبهاش لوحدها.
علقها في مدخل المؤسسة، وكتب تحتها
هنا بدأت الحكاية... وهنا لن يُترك أي طفل وحده.
صفق الجميع، بينما احتضنت كاميلا أختها روزا.
وبعد أشهر قليلة، رحل الجد في هدوء، بعدما اطمأن أن حفيدتيه
وقفت كاميلا أمام قبره وقالت
وعدتك يا جدو إني أكبر روزا... ووفيت بوعدي.
ثم ابتسمت ومسحت دموعها.
وفي اليوم التالي، عادت إلى عملها كأنها تنفذ وصيته.
مرت الأعوام...
وكبر الأطفال الذين احتضنتهم المؤسسة.
صار منهم الطبيب، والمهندس، والمعلم، ورجل الإطفاء، والممرضة.
وكان كل واحد منهم، عندما ينجح في حياته، يعود إلى بيت الأمل ليقول للأطفال الجدد
أنا كنت مكانكم يومًا... فلا تفقدوا الأمل.
وفي عيد تأسيس المؤسسة الخمسين، وقفت روزا على المسرح وقالت
كل الناس بتقول إن كاميلا أنقذتني...
لكن الحقيقة إنها أنقذت آلاف الأطفال، وأنا كنت أولهم.
امتلأت القاعة بالتصفيق.
أما كاميلا، فاكتفت بالنظر إلى وجوه الأطفال وهم يضحكون.
وأغمضت عينيها للحظة، وتذكرت ذلك اليوم البعيد...
حين دخلت وهي في السابعة من عمرها تبحث عن عمل.
ابتسمت وهمست
الحمد لله... ربنا بدّل يوم الجوع بأيام مليانة خير.
وفي نهاية الاحتفال، دخل طفل جديد إلى المؤسسة ممسكًا بيد أخته الصغيرة.
اقتربت منه كاميلا، وانحنت حتى أصبحت في مستواه.
ثم ابتسمت وقالت
أهلًا بيكم...
من النهارده... أنتم وسط عيلتكم.
أمسك الطفل يد أخته بقوة، وابتسم لأول مرة.
وأُغلق باب المؤسسة خلفهما...
لكن باب الحياة الكريمة فُتح أمامهما.
وهكذا انتهت
تمت بحمد الله.