دخلت بنت صغيره
دخلت بنت صغيرة عندها 7 سنين مبنى شركة كبيرة في وسط البلد، وكانت شايلة أختها الرضيعة اللي لسه مكملتش 5 شهور.
وقفت قدام موظفة الاستقبال وقالت بصوت هادي
لو سمحتي... ينفع أشتغل هنا؟
الموظفة رفعت رأسها باستغراب.
تشتغلي؟ إنتِ عندك كام سنة؟
سبعة... بس بعرف أمسح الأرض، وأنضف المكاتب، وأرتب أي حاجة.
بصت للرضيعة اللي بين إيديها، وكملت
أختي جعانة... ومحتاجين لبن.
بدأ الموظفون يلتفتوا ناحيتها.
بعضهم اتأثر، وبعضهم افتكرها بتشحت.
لكن البنت رفعت رأسها وقالت بثقة
أنا مش بطلب فلوس... أنا بطلب شغل.
في اللحظة دي، خرج صاحب الشركة من المصعد.
كان رجل أعمال ناجح، في بداية الخمسينات، معروف بالحزم.
وقف بعيد يراقب المشهد.
ولما شاف البنت وهي تهدهد أختها وتحاول تسكتها ببرونة فاضية، افتكر نفسه وهو صغير بعد وفاة والده، لما اضطر يشتغل في سن مبكرة عشان يساعد أمه.
اقترب منها وسألها
اسمك إيه؟
كاميلا.
وأهلك فين؟
نزلت دمعة من عينها، وقالت
ماما توفاها ربنا من شهور... وأنا اللي برعى روزا.
سكت الرجل لحظة، ثم قال
تعالي معايا.
دخلت كاميلا غرفة الاجتماعات وهي حاضنة أختها بقوة.
وُضع أمامها طعام وعلبة لبن وحفاضات.
لكنها لم تلمس الطعام.
أسرعت أولًا لتحضير الببرونة، وأطعمت روزا حتى هدأت تمامًا.
بعدها فقط بدأت تأكل.
ابتسم صاحب الشركة وقال
ليه مأكلتيش نفسك الأول؟
ابتسمت كاميلا ابتسامة صغيرة وقالت
لأنها لسه صغيرة... وأنا أقدر أستحمل.
ساد الصمت في الغرفة.
وفي تلك اللحظة، دخل رجل مسن يلهث وهو يحمل ملفًا قديمًا، وصاح
استنوا... دي حفيدتي!
تجمدت كاميلا مكانها...
ونظرت إليه طويلًا، ثم همست
جدو...؟!وقف الرجل المسن وهو يلهث، والدموع تملأ عينيه.
اقترب ببطء من كاميلا، وقال بصوت مرتعش
أنا جدك يا بنتي... فضلت أدور عليكي شهور.
كاميلا حضنت روزا أكتر، وقالت بحذر
لو إنت جدي... كنت فين؟
خفض الرجل رأسه وقال
بعد وفاة أمك، جارتكم قالتلي إن واحدة من قرايبكم أخدتكم وسافرت بيكم محافظة تانية. فضلت ألف وأسأل، لحد ما واحد من الجيران شافك النهارده ودلّني على هنا.
صاحب الشركة طلب بهدوء
لو سمحت، ورّينا أي إثبات.
فتح الجد حقيبة قديمة، وأخرج ألبوم صور.
كانت فيه صورة لكاميلا وهي عندها سنتين، جالسة فوق كتفيه وهي تضحك.
وصورة أخرى لأمها وهي تحتضنها يوم عيد ميلادها.
أما كاميلا، فحدقت في الصور طويلًا.
ثم قالت بصوت خافت
أنا... فاكرة الصورة دي.
استدعت الشركة الشؤون الاجتماعية للتأكد من كل الأوراق.
وبعد ساعات من المراجعة، ثبت بالفعل أن الرجل هو جد الطفلتين من ناحية الأم.
لكن المشكلة كانت أكبر.
فالقانون لا يسمح بتسليم الطفلتين مباشرة قبل التأكد من أن الجد قادر على رعايتهما.
قال صاحب الشركة
لحد ما الإجراءات تخلص... أنا هتكفل بإقامتهم ومصاريفهم كاملة، ومش هاسمح حد يفرق بينهم.
بكت كاميلا لأول مرة منذ شهور.
وقالت
يعني... روزا هتفضل معايا؟
ابتسم الرجل وقال
طول ما أنا عايش... محدش هيفرق أختين بيحبوا
وفي الأيام التالية، كان الجد يزور الحفيدتين كل يوم.
لم يحاول أن يعوضهما بالهدايا.
كان يجلس مع كاميلا، يسمعها، ويتركها تتكلم عن كل الألم الذي عاشته.
وفي كل مرة كان يقول
حقك عليا يا بنتي... سامحيني إني وصلت متأخر.
ومع مرور الأيام...
بدأ الخوف يختفي من قلب كاميلا لأول مرة.
يتبع...مرت ثلاثة أشهر...
وأصبحت كاميلا وروزا تقيمان في بيت الجد حتى تنتهي كل الإجراءات القانونية.
كان البيت صغيرًا، لكنه مليء بالدفء الذي افتقدتاه طويلًا.
وفي أول يوم مدرسة...
وقف الجد أمام باب البيت يحمل حقيبة جديدة.
ناولها لكاميلا وقال بابتسامة
زمان كنتِ رايحة تدوري على شغل... النهارده رايحة تدوري على مستقبلك.
احتضنت الحقيبة وكأنها كنز.
ولأول مرة، ذهبت إلى المدرسة وهي مطمئنة أن روزا في أمان.
أما صاحب الشركة...
فلم ينس وعده.
كان يزورهم كل أسبوع، ويسأل عن دراستها، ويشجعها على التفوق.
وفي نهاية العام الدراسي...
عادت كاميلا إلى البيت وهي تركض.
صرخت من بعيد
يا جدو... أنا الأولى على الفصل!
ضحك الجد، ورفعها بين ذراعيه رغم كبر سنه.
وقال
كنت عارف إنك هترفعي راسي.
مرت السنوات...
وكبرت روزا وسط حب أختها وجدها.
وفي يوم، بينما كانت كاميلا في السادسة عشرة من عمرها، تعرض الجد لأزمة صحية ودخل المستشفى.
جلست بجواره تمسك يده.
قال لها بصوت متعب
أنا مش خايف على نفسي... أنا خايف عليكم.
ابتسمت وهي تمسح دموعه.
وقالت بثقة
متقلقش يا جدو... إنت
في تلك اللحظة دخل صاحب الشركة الغرفة.
ووضع ملفًا على الطاولة.
نظر إليها وقال
فاكرة أول مرة دخلتي شركتي؟
هزت رأسها بابتسامة.
فتح الملف وقال
دي منحة كاملة لتعليمك في كلية الحقوق... وكل المصاريف عليّ.
شهقت كاميلا من المفاجأة.
وقالت
بس ليه كل ده؟
ابتسم الرجل وقال
لأنك يومها علمتيني إن الكرامة ممكن تكون عند طفلة عمرها سبع سنين... وأنا مؤمن إنك هتبقي صوت لكل طفل مظلوم.
انهارت كاميلا بالبكاء.
لكنها كانت دموع امتنان...
ولم تكن تعرف أن هذا القرار سيغيّر حياة آلاف الأطفال في المستقبل.
يتبع...مرت الأعوام بسرعة...
وكانت كاميلا لا تزال تحتفظ داخل درج مكتبها بورقة صغيرة قديمة، مكتوب فيها بخط طفلة
أأكل روزا... أجيب لها لبن... ما أسيبهاش لوحدها.
كلما شعرت بالتعب، فتحت الورقة، وابتسمت.
تذكرت من أين بدأت.
وفي يوم تخرجها من كلية الحقوق...
جلس الجد في الصف الأول، بجواره صاحب الشركة.
وعندما نادى المذيع
الأولى على الدفعة... كاميلا حسن.
وقف الجميع يصفق.
أما الجد، فلم يستطع أن يمنع دموعه.
قال لصاحب الشركة
كنت فاكر إن البنت دي ضاعت...
رد صاحب الشركة بابتسامة
ربنا كان كاتب لها طريق أكبر.
بعد التخرج بأيام...
عاد صاحب الشركة إلى مكتبه، وجلس أمام كاميلا.
ووضع أمامها عقدًا.
قال
إحنا محتاجين مستشارة قانونية للشركة... بس أنا عندي شرط.
ابتسمت وقالت
إيه هو؟
قال
يبقى أول يوم شغل ليكي..
وقفت كاميلا في بهو الشركة.
نظرت إلى موظفة الاستقبال الجديدة.
ابتسمت وقالت
هنا بدأت