دخلت بنت صغيره
المحتويات
حكايتي.
وفي تلك اللحظة...
دخل طفل صغير ممسكًا بيد أخته، وقال بخجل
لو سمحت... أنا بدور على أي شغل.
ساد الصمت في المكان.
أما كاميلا...
فنزلت إلى مستواه، وابتسمت.
وقالت
اسمك إيه يا بطل؟
يوسف.
تعرف تشتغل؟
هز رأسه وقال
أعمل أي حاجة... بس أختي جعانة.
اغرورقت عينا كاميلا بالدموع.
ثم أمسكت يده، وقالت بنفس الكلمات التي غيرت حياتها يومًا
إنت مش محتاج شغل...
إنت محتاج فرصة.
ومن يومها، أسست داخل الشركة برنامجًا دائمًا لدعم الأطفال والأسر المحتاجة، يوفر لهم التعليم والرعاية والغذاء، حتى لا يضطر أي طفل إلى ترك طفولته من أجل لقمة العيش.
وبعد سنوات...
وقف يوسف على منصة التخرج طبيبًا، وأخته أصبحت معلمة.
اقتربا من كاميلا، وقال يوسف
زمان حضرتك أنقذت حياتنا... النهارده جه دورنا ننقذ حياة غيرنا.
ابتسمت كاميلا، ونظرت إلى السماء وهمست
الحمد لله... الوعد اتوفى.
النهاية بعد سنوات...
لم تعد كاميلا مجرد محامية ناجحة.
بل أصبحت اسمًا يعرفه كل طفل دخل باب المؤسسة باحثًا عن الأمان.
وفي أحد الأيام...
دخل عليها موظف مسرعًا.
وقال
أستاذة كاميلا... في راجل كبير مستني حضرتك، وبيقول إنه عايز يشكرك.
خرجت إليه.
كان رجلًا بسيطًا، تبدو عليه علامات التعب.
وقف أول ما شافها، وقال
حضرتك مش هتفتكريني...
أنا أبو يوسف.
اتسعت عينا كاميلا.
ابتسم الرجل وقال
كنت في السجن ظلم خمس سنين، وبعد ما خرجت فضلت أدور على ولادي. عرفت إنهم كانوا هنا، وإنك احتضنتيهم وربيتِهم لحد ما بقيت أقدر أقف على
مد لها صورة قديمة.
كانت صورة يوسف وأخته يوم دخلوا المؤسسة لأول مرة.
وقال وهو يبكي
لو مكنتيش موجودة... كنت هرجع ألاقيهم ضاعوا.
ابتسمت كاميلا وقالت
أنا معملتش غير اللي حد عمله معايا زمان.
وفي مساء اليوم نفسه...
اجتمع مجلس أمناء المؤسسة.
وقال أحد الأعضاء
عدد الأطفال زاد جدًا، وإحنا محتاجين نبني فرع جديد.
ساد الصمت.
ثم وقفت روزا، التي أصبحت طبيبة أطفال، وقالت
أنا هتبرع بكل مكافأة الأبحاث اللي حصلت عليها.
ابتسم الجميع.
وقال صاحب الشركة، الذي أصبح في السبعين من عمره
وأنا هتحمل تكلفة المبنى كله.
ثم نظر إلى كاميلا وقال
فاكرة أول مرة شوفتك؟
ضحكت وقالت
كنت جاية أدور على شغل.
رد مبتسمًا
وأنا كنت فاكر إني هساعد طفلة... لكن الحقيقة إن ربنا بعتك علشان تعلمينا معنى الرحمة.
بعد عام...
افتُتح الفرع الجديد.
وفي يوم الافتتاح، طلبوا من كاميلا تقص الشريط.
رفضت.
وقالت
اللي يستحق الشرف ده... هو جدي.
اقترب الجد بخطوات بطيئة، وقد غزا الشيب رأسه بالكامل.
أمسك المقص بيد مرتعشة، وقص الشريط وسط تصفيق الجميع.
ثم التفت إلى كاميلا، وقال
أنا فخور بيكي يا بنتي... فخور إن ربنا اداني فرصة أشوفك حققتي حلم أمك.
احتضنته كاميلا وهي تبكي.
وفي تلك اللحظة، ركض عشرات الأطفال نحوها وهم يهتفون
ماما كاميلا... ماما كاميلا!
ضحكت وسط دموعها.
ونظرت إلى روزا.
فابتسمت روزا وقالت
زمان كنتِ بتقولي إنك هتفضلي سندي...
بصّي حواليكي.
إنتِ بقيتي سند لمئات الأطفال.
ابتسمت كاميلا
وأفضل لقب أخدته في حياتي... مش محامية، ولا مديرة مؤسسة...
أفضل لقب هو...
حضن آمن لطفل محتاج.
يتبع...بعد عدة سنوات...
كان بيت الأمل قد أصبح ملاذًا لكل طفل فقد أسرته أو احتاج إلى من يسانده.
وفي صباح أحد الأيام...
دخلت فتاة صغيرة في الثامنة من عمرها، تمسك يد أخيها.
كانت ترتجف من الخوف.
اقتربت منها كاميلا وابتسمت.
ثم سألتها برفق
اسمك إيه يا حبيبتي؟
قالت الفتاة
سلمى.
وجاية ليه؟
نظرت سلمى إلى الأرض وقالت
بدور على مكان ميبعدنيش عن أخويا.
توقفت كاميلا للحظة...
وعادت بها الذكريات إلى ذلك اليوم البعيد.
مدت يدها للطفلين وقالت
طول ما أنا موجودة... محدش هيفرقكم.
ابتسم الطفل لأول مرة.
وأمسك يد أخته بقوة.
ومن بعيد...
كان الجد يراقب المشهد وهو يبتسم.
همس لصاحب الشركة
شايف؟
الخير عمره ما بيقف.
رد صاحب الشركة
لأن اللي اتذاق مرارة الفقد... بيعرف قيمة الأمان.
بعد أشهر قليلة...
أعلن مجلس الأمناء إنشاء برنامج جديد يحمل اسم بداية.
هدفه ألا يضطر أي طفل إلى العمل بسبب الفقر، وأن يحصل كل طفل على تعليم ورعاية وفرصة حقيقية.
وكان أول توقيع على البرنامج...
توقيع كاميلا.
ثم توقيع روزا.
ثم توقيع صاحب الشركة.
وأخيرًا...
توقيع الجد.
ابتسم الجد وقال
دلوقتي أقدر أرحل وأنا مطمن.
لكن كاميلا أمسكت يده بسرعة وقالت
لسه بدري يا جدو... الأطفال لسه محتاجين يسمعوا حكايتك.
ضحك الجد من قلبه لأول مرة منذ سنوات.
وقال
يبقى هفضل أحكيلهم... لحد
وفي كل مساء...
كان يجلس وسط الأطفال.
يحكي لهم عن بنت صغيرة دخلت شركة يومًا تبحث عن عمل.
ولم يخبرهم أن تلك البطلة كانت تجلس بينهم...
توزع عليهم الحلوى وتضحك معهم.
كان يريدهم أن يتعلموا شيئًا واحدًا فقط...
أن الإنسان لا يُقاس بما فقده...
بل بما يزرعه من خير في حياة الآخرين.
وفي نهاية كل حكاية...
كانت كاميلا تنظر إلى روزا.
فتبتسم لها روزا.
وتتشابك أيديهما كما حدث يوم كانتا وحدهما في الدنيا.
لكن هذه المرة...
لم يعودا وحدهما أبدًا.
حولهما عائلة كبيرة...
اسمها بيت الأمل.
النهاية السعيدة بعد عشر سنوات أخرى...
كانت كاميلا تقف في حديقة بيت الأمل، تراقب الأطفال وهم يركضون ويضحكون.
اقتربت منها روزا، التي أصبحت طبيبة أطفال معروفة، وقالت مبتسمة
فاكرة أول مرة جبتيلي ببرونة؟
ضحكت كاميلا وقالت
فاكرة... كنت خايفة تنامي جعانة.
أمسكت روزا يد أختها وقالت
وأنا عمري ما نسيت إنك ضحيتي بطفولتك عشاني.
في تلك اللحظة، دخل أحد الموظفين مسرعًا.
وقال
أستاذة كاميلا... في خبر مهم.
استغربت وسألته
خير؟
قال
وزارة التضامن اختارت بيت الأمل يكون نموذجًا يُطبق في كل المحافظات.
ساد الصمت للحظة...
ثم بدأ الجميع يصفق.
أما كاميلا، فرفعت رأسها للسماء وقالت
الحمد لله... تعب السنين مراحش.
بعد أشهر...
افتُتح أول فرع جديد.
ثم الثاني.
ثم الثالث.
وأصبح آلاف الأطفال يجدون بيتًا آمنًا دون أن يضطروا للنوم في الشوارع أو ترك الدراسة.
وفي يوم افتتاح الفرع العاشر...
وقف صاحب
وقال أمام الحضور
من سنين طويلة، طفلة سألتني ينفع أشتغل هنا؟
ابتسم وهو ينظر إلى كاميلا.
وأكمل
وأنا النهارده برد عليها...
لأ... مكانك ماكانش
متابعة القراءة