تعالي خدني

لمحة نيوز

عينه ناحيته.
ولا من حق أي حد يقرر يخبّيه قبل ما نعرف هو فيه إيه.
في اللحظة دي، قرب المصور الرسمي للفرح وهو شايل الكاميرا على كتفه.
معلش... هو الكارت ده شكله شبه الكروت بتاعة الكاميرات الصغيرة اللي كنا مركبينها برا عشان نصور دخول المعازيم.
الجملة وقعت على شريف زي الحجر.
ندى، أخت آية، بصت باستغراب.
يعني ممكن يكون صور اللي حصل؟
المصور هز كتفه.
معرفش... لو الكاميرا كانت شغالة، يبقى كل حاجة حصلت في الجاردن ممكن تكون اتسجلت.
آية رفعت رأسها لأول مرة.
كان في عينيها أمل صغير... أمل كانت فاكرة إنه مات من زمان.
لكن شريف استعاد هدوءه بسرعة.
ابتسم وقال
ممتاز... يبقى نشوف التسجيل وينتهي سوء الفهم.
سليم بصله لثوانٍ.
كان حاسس إن الابتسامة دي مش طبيعية.
كأن شريف واثق زيادة عن اللزوم.
وفجأة...
رن هاتف شريف.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه للحظة قبل ما يخفيها.
قفل المكالمة من غير ما يرد.
وبعدها بثواني، وصلت له رسالة.
قرأها بسرعة...
فاتسعت عيناه رغماً عنه.
سليم لمح التغيير ده.
في مشكلة؟
شريف رفع رأسه وهو بيحاول يبتسم.
لا... شغل.
لكن في نفس اللحظة، واحد من رجال سليم كان واقف بعيد شوية، لمح عربية فان بيضا كانت واقفة خارج أسوار النادي من أول الليل.
العربية اشتغلت فجأة...
وبدأت تتحرك بسرعة.
الرجل قال بصوت منخفض
باشا... العربية دي كانت واقفة من قبل ما نوصل... وأول ما الكارت ظهر، اتحركت.
سليم حوّل نظره فورًا ناحية البوابة.
ثم قال بهدوء
ماحدش يجري وراها... راقبوها بس.
رجاله تبادلوا النظرات باستغراب.
لكنه أكمل
اللي بيهرب دلوقتي... غالبًا خايف من حاجة أكبر من مجرد فيديو.
وفي الوقت نفسه، كانت آية تراقب شريف.
لاحظت أنه، ولأول مرة منذ ثلاث سنوات، لم يعد ينظر إليها...
كان ينظر إلى بوابة النادي... وكأنه ينتظر شخصًا آخر لم يصل بعد.
واستمر التوتر يتصاعد، بينما بقيت الحقيقة الكاملة مخفية، ولم يكن أحد يعرف من صاحب الرسالة، ولا ماذا كان يوجد فعلًا على بطاقة الذاكرة آية لاحظت حاجة عمرها ما شافتها قبل كده...
شريف كان خايف.
مش متوتر...
خايف فعلًا.
كان كل شوية يبص في ساعته، وبعدين على بوابة النادي، وكأنه مستني حد ينقذه.
بعد أقل من دقيقة...
وقف قدام البوابة موكب صغير.
نزل منه راجل في أواخر الخمسينات، بدلة غالية، وشعره كله أبيض.
أول ما شريف شافه، جري عليه.
عمي... الحمد لله إنك جيت.
الراجل كان رفعت عزام... عم شريف، وأكبر شخص في العيلة، والكل بيعمله ألف حساب.
بص حواليه باستغراب.
إيه اللي بيحصل هنا؟
شريف أخد نفسًا عميقًا.
سوء تفاهم بسيط... وهيكبر من غير داعي.
لكن قبل ما يكمل...
رفعت لمح وش آية.
سكت.
قرب منها خطوة.
وقال بهدوء
مين عمل فيكي كده؟
شريف رد بسرعة
وقعت.
رفعت بص له نظرة طويلة...
ثم رجع يبص لآية.
أنا ما سألتكش أنت.
آية كانت هتتكلم...
لكن صوتًا خرج من خلف الجميع.
لأنها لو اتكلمت... هيبقى في ناس كتير هتتحاسب.
الجميع التفت.
كان واحد من رجال الأمن بالنادي، ماسك جهاز تسجيل صغير.

قال وهو يلهث
لقينا الكاميرا.
كل الأنظار اتجهت إليه.
رفع الجهاز وقال
الكاميرا نفسها اتكسرت... لكن التسجيل الداخلي غالبًا سليم.
شريف اندفع خطوة.
هات الجهاز.
رجل الأمن رجع للخلف.
آسف... إدارة النادي قالت محدش يلمسه غير المسؤول.
في اللحظة دي...
وصل مدير النادي بنفسه.
سلّم على الموجودين بسرعة، ثم قال
حفاظًا على حقوق الجميع، التسجيل هيتفتح بحضور الأطراف كلها.
الصمت خيم على المكان.
آية كانت بتحاول تتنفس.
ندى مسكت إيد أختها لأول مرة من بداية الليلة.
وهمست
أنا معاكي.
آية بصتلها والدموع في عينيها.
قبل ما ترد...
خرج صوت من أحد رجال سليم.
باشا...
سليم التفت.
الراجل قرب منه وهمس في ودنه بكلمتين فقط.
الكلمتين دول غيّروا ملامح سليم تمامًا.
رفع رأسه ببطء...
وبص مباشرة إلى شريف.
ثم قال بصوت هادئ جدًا
واضح إن الموضوع أكبر من الليلة دي.
شريف حاول يضحك.
مش فاهم قصدك.
سليم رد وهو ثابت في مكانه
لأن دي مش أول مرة.
الجملة دي نزلت كالصاعقة.
آية رفعت رأسها فجأة.
وشريف اتجمد.
أما رفعت عزام، فبدأ ينظر إلى ابن أخيه بنظرة مختلفة تمامًا... وكأنه لأول مرة يشك أن الحقيقة التي ظل يصدقها لسنوات قد لا تكون الحقيقة كاملة.
وتحوّلت الأنظار كلها نحو جهاز التسجيل، الذي كان على وشك أن يُشغَّل، بينما لم يكن أحد يعرف ما الذي سيظهر في الثواني التالية مدير النادي حط جهاز التسجيل على الترابيزة الصغيرة الموجودة عند المدخل.
قال بهدوء
قبل ما نفتحه... لازم نتأكد إن الملف ما اتعدلش عليه.
شريف ابتسم ابتسامة متوترة.
طبعًا... علشان محدش يلفق لحد حاجة.
سليم ما ردش.
كان مركز نظره على آية.
وكأنه بيطمن إنها لسه واقفة.
بعد ثوانٍ...
اشتغل التسجيل.
ظهرت صورة الجاردن تحت المطر.
المكان كان فاضي.
وبعدين...
دخلت آية.
كانت ماشية بسرعة، ماسكة شنطتها، وبتبص حواليها.
بعد أقل من دقيقة...
ظهر شريف.
وقف قدامها.
التسجيل ماكانش فيه صوت... لكنه كان واضح جدًا.
الجميع كانوا بيتابعوا في صمت.
ظهر شريف وهو بيتكلم بعصبية.
آية رجعت خطوة لورا.
هو قرب.
هي حاولت تمشي.
وفجأة...
رفع إيده.
في اللحظة دي، الصورة اهتزت بشدة...
ثم الشاشة اسودت.
الصمت سيطر على المكان.
شريف أطلق نفسًا طويلًا، وكأنه رجعتله روحه.
ابتسم وقال
شوفتوا؟ مفيش حاجة.
لكن المصور الرسمي قرب من الشاشة.
دقق فيها.
ثم قال
لا... استنوا.
رجع الفيديو ثانيتين للخلف.
وكبر آخر فريم قبل ما الكاميرا تقع.
ظهر شريف بوضوح...
وإيده مرفوعة ناحية وجه آية.
الضربة نفسها ما ظهرتش...
لكن وضعية إيده، وحركة آية للخلف، كانت كافية تخلي الهمس ينتشر بين الموجودين.
ندى حطت إيدها على بقها.
أم آية بدأت تبكي.
أما شريف فصرخ
دي مش بتثبت حاجة!
وفي نفس اللحظة...
رن هاتف سليم.
بص للشاشة.
ورد بكلمة واحدة
أيوه.
فضل ساكت وهو بيسمع.
ثم قال
متأكد؟
الشخص اللي على الطرف التاني رد بحاجة خلت سليم يغمض عينيه لثانية.
قفل المكالمة.
وبص لآية.
وقال بهدوء
في حد وصل دلوقتي... وبيقول إنه شاف اللي حصل
بعينه.
كل الموجودين لفوا ناحية البوابة.
سيارة أجرة قديمة وقفت قدام النادي.
نزل منها رجل كبير في السن، هدومه مبللة من المطر، وماسك في إيده مظلة مكسورة.
بص ناحية شريف...
ثم قال بصوت ثابت
أنا كنت واقف تحت الشجرة دي من أول الفرح... وشفت كل اللي حصل من أوله لآخره.
وساد صمت ثقيل المكان، بينما شريف شعر لأول مرة أن الرواية التي ظل يسيطر عليها بدأت تتفكك، وأن الليلة لم تنتهِ بعد الرجل الكبير شال المظلة وحطها على الأرض.
كانت هدومه بسيطة، لكن ملامحه ثابتة بشكل غريب.
مدير النادي سأله
حضرتك مين؟
رد بهدوء
اسمي عم حسن... شغال سواق تاكسي من أكتر من تلاتين سنة.
وبص ناحية آية.
كنت مستني زبون قدام البوابة... ولما المطر زاد، وقفت بالعربية قريب من الجاردن.
شريف قاطعه بعصبية
يعني حضرتك كنت بتتجسس؟
عم حسن هز رأسه.
لا... لكن لما سمعت صوت خناقة، بصيت غصب عني.
المكان كله سكت.
أم آية قربت خطوة.
شفت إيه؟
عم حسن أخد نفسًا طويلًا.
شفت المدام وهي بتحاول تمشي... وشفت الأستاذ وهو ماسك دراعها جامد.
شريف انفجر
كداب!
لكن الرجل أكمل وكأنه لم يسمعه.
وبعدها رفعت إيده... والضربة خلتها تقع على الأرض.
آية أغمضت عينيها.
كأنها رجعت تعيش اللحظة من جديد.
ندى حضنت أختها وهي بتبكي.
أما رفعت عزام، عم شريف، فكان واقف مكانه، ملامحه بدأت تتغير.
لف ناحية شريف.
قول الحقيقة.
شريف ضحك ضحكة قصيرة.
هتصدق سواق تاكسي وتكذبني؟
وقبل ما حد يرد...
خرج صوت من داخل القاعة.
العريس والعروسة مستنيينكم على التورتة!
الموسيقى رجعت تشتغل للحظة...
لكن محدش اتحرك.
كل الفرح بقى واقف عند باب الجاردن.
العريس نفسه خرج وهو مستغرب.
ولما شاف وش آية...
الابتسامة اختفت.
في اللحظة دي، سليم مد إيده لآية بهدوء.
تقدري تمشي لو عايزة.
آية بصت لإيده...
ثم بصت ناحية القاعة.
شايفة أمها، أختها، وكل الناس اللي كانت فاكرة إن حياتها مثالية.
ولأول مرة من ثلاث سنين...
رفعت رأسها.
وقالت بصوت واضح، رغم الدموع
أنا مش هرجع معاه البيت.
الجملة نزلت كالصاعقة.
شريف اتغير وشه تمامًا.
اتقدم خطوة وهو بيقول من بين سنانه
إنتِ ناسية إنك مراتي؟
لكن قبل ما يقرب منها...
وقف رفعت عزام بينهما.
ونظر إلى شريف نظرة لم ينظرها له من قبل.
وقال ببطء
لحد ما نفهم كل اللي حصل... مش هتقرب منها خطوة واحدة.
تجمد شريف في مكانه.
ولأول مرة...
بدا أنه لا يملك ردًا شريف بص لعمه بعدم تصديق.
حضرتك... بتقف ضدي؟
رفعت عزام رد بهدوء
أنا واقف مع الحقيقة... أيًا كانت.
الكلمات دي كانت كفاية تخلي وش شريف يحمر من الغضب.
لف ناحية آية.
فاكرة إنك كسبتي؟
آية ما ردتش.
كانت أول مرة تبصله من غير ما تنزل عينيها.
وفي اللحظة دي...
تليفون شريف رن للمرة التالتة.
المرة دي، اضطر يرد.
ابتعد كام خطوة عن الناس، لكن صوته العالي خلا الكل يسمع جزء من المكالمة.
قلتلك ما تتصلش دلوقتي!
سكت ثواني...
وبعدين قال بعصبية
إيه؟!... مستحيل!
قفل الخط بسرعة، لكنه لما لف لقى كل العيون عليه.
سليم سأله بهدوء
في
مشكلة؟
شريف حاول يبتسم.
لا...
لكن قبل ما يكمل...
دخل شاب في أواخر العشرينات وهو بيجري من ناحية البوابة.
كان لابس بدلة سوداء وعليه بطاقة موظف خاصة بالنادي.
وقف وهو بياخد نفسه وقال
يا أستاذ شريف... في حاجة لازم حضرتك تشوفها.
شريف قرب منه بسرعة.
مش دلوقتي.
الشاب بلع ريقه.
للأسف لازم دلوقتي... لأن التسجيل الاحتياطي اتحمّل تلقائي على سيرفر النادي.
الجميع التفتوا إليه.
مدير النادي عقد حاجبيه.
تسجيل احتياطي؟
الشاب هز رأسه.
أيوه... الكاميرا اللي اتكسرت كانت بتنقل مباشر على النظام الداخلي.
شريف اتجمد.
سليم لاحظ التغيير في ملامحه.
أما آية...
فحست لأول مرة إن الأرض ثابتة تحت رجليها.
الشاب أكمل
النسخة دي ما اتأثرتش لما الكاميرا وقعت... لأنها محفوظة كاملة.
عمّ الصمت.
شريف قبض على إيده بقوة حتى برزت عروقه.
ثم قال بصوت منخفض
أنا عايز أشوف التسجيل... لوحدي.
مدير النادي هز رأسه بالرفض.
ده ما ينفعش.
وبينما الجميع منشغلون بالكلام...
رن هاتف آية.
رقم غير مسجل.
ترددت لحظة...
ثم ردت.
جالها صوت ست كبيرة في السن، مرتبك وبيترعش
إنتِ آية؟
أيوه.
أنا... مش هقول اسمي دلوقتي... لكن لازم تعرفي إنك مش أول واحدة.
آية شهقت.
الست كملت بسرعة
في غيرك اتعرضوا للأذى... وسكتوا خوفًا. وأنا عندي حاجات ممكن تساعد تثبت ده... لكن لازم أقابلك بعيد عن هنا.
آية بصت لسليم في ذهول.
وقبل ما تسأل أي سؤال...
الست أنهت المكالمة.
آية فضلت ماسكة التليفون، وقلبها بيدق بعنف.
لأول مرة، بدأت تشعر أن ما عاشته قد يكون جزءًا من قصة أكبر... وأن الليلة لم تكشف سوى أول خيط من الحقيقة آية فضلت باصة لشاشة التليفون.
إيدها كانت بتترعش.
ندى قربت منها وهمست
مين كان بيتكلم؟
آية ردت بصوت واطي
ست... قالت إن في ناس غيري.
سليم سمع آخر الجملة.
قال بهدوء
احتفظي برقمها... ومتتصليش بيها دلوقتي.
شريف كان بيراقبهم من بعيد.
ولما شاف نظرات آية اتغيرت، عرف إن في حاجة حصلت.
شد نفسًا عميقًا، وبص لعمه.
أنا ماشي.
رفعت استغرب.
رايح فين؟
المكان ده بقى مسرح.
استدار ناحية البوابة بسرعة.
لكن قبل ما يوصل لعربيته...
وقف قدامه فرد أمن من النادي.
معلش يا فندم... إدارة النادي طلبت من حضرتك تستنى شوية لحد ما يتم مراجعة التسجيل الاحتياطي.
شريف ابتسم ابتسامة باردة.
وإنت هتمنعني؟
فرد الأمن اتردد، لكنه رد
أنا بنفذ التعليمات.
في اللحظة دي...
وصل موظف تاني وهو شايل لابتوب.
قال لمدير النادي
التسجيل اشتغل.
كل الموجودين دخلوا غرفة صغيرة جنب الاستقبال.
الشاشة كانت كبيرة.
الملف بدأ يشتغل.
الصورة أوضح بكتير من الكاميرا الأولى.
ظهر شريف وهو بيخرج ورا آية.
كان بيتكلم بعصبية.
هي كانت بتحاول تبعد.
وبعدين...
رفع إيده.
قبل لحظة الاحتكاك مباشرة...
دخل واحد من المعازيم في زاوية الكاميرا، وحجب المشهد لثانيتين.
ولما اتحرك...
كانت آية بالفعل على الأرض.
ساد الصمت.
مدير النادي قفل اللابتوب بهدوء.
وقال
التسجيل مش بيبين كل التفاصيل... لكنه بيأكد إن كان
في مواجهة حصلت.
شريف استغل اللحظة فورًا.
شوفتوا؟ مفيش دليل كامل.
لكن قبل ما حد يرد...
رن تليفون مدير النادي.
رد بسرعة.
وسكت وهو بيسمع.
ثم قال
حاضر... طالع حالًا.
قفل المكالمة، وبص للحضور.
في موظفة من قسم المفقودات طلبت تبلغني بحاجة.
خرج بسرعة.
بعد دقيقتين رجع...
وفي إيده ظرف أبيض صغير.
حطه على الترابيزة.
الظرف ده اتسلم قبل ساعة.
آية بصت باستغراب.
من
تم نسخ الرابط