بنتي عندها 8 سنين حكايات زيزي

لمحة نيوز

المخزن كان نظيفًا.
لا أوراق شجر.
ولا تراب.
كأن حد مر من هناك قريب.
قال أحمد
إحنا مش أول ناس تدخل هنا.
وصلوا إلى الباب الأخضر.
كان واقفًا كما وصفته ملك في حلمها.
لونه باهت.
وعليه نفس الرمز.
مد أحمد يده بالمفتاح.
أدخله.
لفه مرة واحدة.
فانفتح الباب بهدوء شديد.
دخلوا.
المخزن لم يكن كبيرًا.
رفوف خشبية قديمة.
وصناديق مغلقة.
وفي آخر الغرفة...
مكتب صغير.
فوقه جهاز تسجيل كاسيت قديم.
وبجواره شريط واحد فقط.
وعليه ورقة مكتوب فيها
إلى أحمد... إذا كنت تسمع هذا التسجيل، فاعرف أن رحلتك الحقيقية تبدأ الآن.
نظر الثلاثة إلى بعضهم.
مد أحمد يده نحو زر التشغيل.
لكن قبل أن يضغط عليه...
وصل صوت من خارج المخزن.
صوت باب البيت الرئيسي وهو يُغلق بقوة.
ثم...
صوت خطوات بطيئة تقترب من المخزن.
خطوة...
ثم أخرى...
ثم توقف الصوت تمامًا أمام الباب نظر أحمد إلى الباب، ثم أشار للجميع أن يلتزموا الصمت.
توقفت الأنفاس لثوانٍ.
ثم جاء صوت طرق خفيف.
ثلاث طرقات متباعدة.
الحاج محمود همس
افتح.
اقترب أحمد بحذر، وأدار المقبض.
فتح الباب ببطء...
لكن لم يكن هناك أحد.
الممر خالٍ تمامًا.
نظر يمينًا ويسارًا، ثم عاد إلى
الداخل وهو يقول
غريب...
وفجأة انتبه إبراهيم إلى شيء على الأرض عند عتبة الباب.
ورقة مطوية.
التقطها وفتحها.
لم يكن مكتوبًا فيها سوى سطر واحد
اسمعوا التسجيل للنهاية... ولا تحكموا على أحد قبلها.
نظر الثلاثة إلى بعضهم.
هذه المرة لم يتردد أحمد.
وضع شريط الكاسيت داخل الجهاز.
ضغط زر التشغيل.
صدر صوت تشويش خفيف.
ثم بدأ صوت رجل يتحدث بهدوء
إذا كنت بتسمعني يا أحمد... فأنا عارف إن عندك دلوقتي أسئلة أكتر من الإجابات.
تبادل أحمد وإبراهيم النظرات.
الصوت كان مألوفًا... لكن لم يستطع أي منهما تحديد صاحبه.
أكمل التسجيل
يمكن تكون سمعت روايات مختلفة عن اللي حصل في العيلة... وكل واحد حكى الجزء اللي شافه.
توقف الصوت لثانية، ثم عاد.
لكن الحقيقة الكاملة عمرها ما كانت عند شخص واحد.
أحمد ركز بكل انتباهه.
أنا سيبت الرسائل دي عشان تعرف إن الماضي مهما كان صعب... لازم يتواجه بهدوء، ومن غير اتهامات.
الحاج محمود أغمض عينيه، وكأنه يتذكر تلك اللحظات.
ثم قال الصوت
في الدرج اللي تحت جهاز التسجيل، هتلاقوا مفتاح صغير، ودفتر ملاحظات. احتفظوا بيهم... لأنكم هتحتاجوهم في الخطوة الجاية.
فتح أحمد الدرج فعلًا.

وجد دفترًا صغيرًا، ومفتاحًا نحاسيًا ملفوفًا بقطعة قماش.
لكن أكثر ما لفت انتباهه كان صورة موضوعة أسفل الدفتر.
رفعها.
كانت صورة حديثة نسبيًا...
التُقطت قبل أشهر فقط.
وتُظهر هذا المخزن من الداخل.
أي أن شخصًا ما كان هنا مؤخرًا.
وعلى ظهر الصورة، بخط واضح، كانت مكتوبة عبارة
لستم وحدكم في البحث أحمد أمسك الصورة، ثم نظر إلى إبراهيم والحاج محمود.
قال بهدوء
كفاية ألغاز... أنا عايز الحقيقة كاملة.
تنهد إبراهيم، ثم قال
الحقيقة أبسط بكتير مما كنت متخيل.
أشار إلى جهاز التسجيل.
أنا اللي سجلت الشريط ده.
ثم أكمل
من سبعة وعشرين سنة حصل خلاف كبير في العيلة بسبب الميراث. كل واحد بدأ يشك في التاني، والعيلة اتفرقت. وأنا سافرت بعدها، والناس افتكرت إني اختفيت، لأنني قطعت كل وسيلة تواصل.
نظر إلى الحاج محمود.
وأخوك فضل شايل الذنب لأنه كان فاكر إن سكوتنا هيحافظ على العيلة.
خفض الحاج محمود رأسه.
وقال
أنا غلطت... كنت كل ما أحمد يسأل عن الماضي أغير الموضوع. كنت خايف يكرهنا أو يعيش بنفس الوجع اللي عشناه.
أحمد سأل
والرسائل؟ والصور؟ والمفاتيح؟
ابتسم إبراهيم.
أنا اللي رتبت كل ده.
اتسعت عينا أحمد.
إنت؟

أيوه.
أخرج من جيبه هاتفًا قديمًا.
كنت عايزك توصل للحقيقة بنفسك، خطوة خطوة، من غير ما حد يفرض عليك رأيه.
سكت لحظة، ثم نظر إلى ملك التي كانت تقف عند الباب تستمع بصمت.
ابتسم لها وقال
وأول ما عرفت إنها خافت وحكت لوالدها، عرفت إن أحمد بقى الأب اللي كنت أتمنى يكون موجود وقت مشاكلنا.
اقترب أحمد من ابنته، واحتضنها بقوة.
وقال
أهم حاجة عملتيها إنك اتكلمتي. أي حاجة تخوفك بعد كده... تيجي تقوليلي على طول.
هزت ملك رأسها وهي تبتسم لأول مرة منذ أيام.
أما الحاج محمود، فاقترب منها هو الآخر، وقال بصوت مليء بالندم
أنا آسف يا بنتي لو أي تصرف مني خلاكي تخافي أو تفهمي حاجة غلط. من النهارده، مفيش حاجة أهم من راحتك وأمانك.
ابتسمت ملك ابتسامة صغيرة، وقالت
خلاص... إحنا هنرجع زي الأول؟
نظر أحمد إلى الجميع.
ثم قال
لأ... أحسن من الأول.
بعد أيام، اجتمعت العائلة كلها على مائدة واحدة لأول مرة منذ سنوات.
أُغلقت ملفات الماضي، وحُفظت الأوراق والصور في صندوق واحد، ليس لإخفاء الحقيقة، بل لتذكّر الدرس.
تعلم أحمد أن الصمت يصنع مسافات بين القلوب، وأن الحوار الصادق هو الذي يعيد الثقة.
أما ملك...
فلم تعد تخاف
أن تتكلم عندما يقلقها شيء، لأنها أصبحت تعرف أن بيتها هو المكان الذي ستجد فيه دائمًا من يسمعها ويصدقها ويحميها.
تمت.

تم نسخ الرابط