بنتي عندها 8 سنين حكايات زيزي

لمحة نيوز

الكل كان فاكر إني اختفيت أحمد فضل واقف يبص للرجل، كأنه بيحاول يفتش في ملامحه عن ذكرى قديمة.
الرجل سحب إيده بهدوء لما لقى أحمد متردد.
وقال بابتسامة هادئة
من حقك متعرفنيش... آخر مرة شفتني كنت طفل.
الحاج محمود نزل السلم بسرعة، وأول ما شافه، وقف مكانه.
مرّت ثوانٍ من الصمت.
ثم قال بصوت متحشرج
إبراهيم...
ابتسم الرجل ابتسامة حزينة.
أيوه... أنا إبراهيم.
منى كانت واقفة مش فاهمة حاجة.
بصت لأحمد وقالت
مين الأستاذ ده؟
قبل ما أحمد يرد، قال إبراهيم
أنا قريب للعيلة... وجيت لأن الوقت خلاص بقى مناسب.
الحاج محمود قال بحزم
مش هنا.
رد إبراهيم بهدوء
أنا كمان شايف كده.
دخلوا غرفة الضيوف، وأغلقت منى الباب بعدما أخذت ملك إلى غرفتها حتى تنام.
جلس إبراهيم، ووضع حقيبة جلدية قديمة بجواره.
ثم نظر إلى أحمد وقال
قبل ما أسافر بسنين، كنت كتبت مذكرات، واحتفظت بنسخ من أوراق مهمة. كنت فاكر إنها ضاعت... لكن واضح إن جزء منها وصل لكم.
أحمد سأله مباشرة
إنت كنت فين كل السنين دي؟
ابتسم إبراهيم وقال
في أماكن كتير... لكن ده مش أهم سؤال.
وأشار إلى الألبوم الموجود على الطاولة.
الأهم... إنت فتحت الصفحة الأولى بس، صح؟
هز أحمد رأسه.
أيوه.
تنفس إبراهيم براحة.
كويس.
استغرب أحمد.
ليه؟
قال إبراهيم
لأن الصفحة اللي بعدها فيها إجابات... لكن من غير ما تعرف ترتيب الأحداث، هتفهمها غلط.
مد يده إلى الحقيبة الجلدية.
وأخرج ملفًا أزرق سميكًا.
على الغلاف كان مكتوب بخط اليد
لا يُفتح إلا بحضور أحمد، وإبراهيم، والحاج محمود.
نظر الثلاثة إلى بعضهم.
ثم قال إبراهيم
لو هنبدأ... هنبدأ من الأول.
وقبل أن يفتح الملف، رن هاتف أحمد مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم يكن رقمًا مجهولًا.
كان اتصالًا من رقم هاتفه الأرضي القديم... الذي أُلغي منذ سنوات.
نظر أحمد إلى الشاشة في ذهول.
ولما رد، سمع صوتًا هادئًا يقول
لو فتحتوا الملف الليلة... هتعرفوا الحقيقة، لكن هتكتشفوا كمان إن حد من الموجودين في الأوضة، لحد النهارده، مخبى جزءًا مهمًا منها.
وانقطع الخط قبل أن ينطق أي شخص بكلمة ساد الصمت في الغرفة.
نظر أحمد إلى شاشة الهاتف.
الخط انتهى.
لكن الجملة الأخيرة ظلت تتردد في رأسه.
حد من الموجودين في الأوضة مخبي جزءًا مهمًا من الحقيقة.
رفع عينيه ببطء.
الحاج محمود كان ينظر إلى الأرض.
أما إبراهيم، فكان يراقب أحمد وكأنه ينتظر
قراره.
قال أحمد بهدوء
أنا مش هتهم حد... لكن من النهارده مفيش أسرار.
هز إبراهيم رأسه موافقًا.
ثم دفع الملف الأزرق ناحية أحمد.
افتح.
أحمد فتح الغلاف.
في الصفحة الأولى وجد شهادة ميلاد قديمة، وعقد بيع لمنزل العائلة، وعدة خطابات مكتوبة بخط اليد.
لكن أكثر شيء لفت نظره كان ظرفًا صغيرًا مغلقًا.
مكتوب عليه
يُسلَّم لأحمد عندما يتم الثامنة والثلاثين.
نظر أحمد بدهشة.
أنا فعلًا عندي تمانية وتلاتين سنة.
ابتسم إبراهيم ابتسامة خفيفة.
عشان كده جيت.
أمسك أحمد بالظرف، لكنه لم يفتحه.
بدلًا من ذلك سأل
إيه اللي خلاكم تستنوا كل السنين دي؟
تنهد إبراهيم وقال
لأن الحقيقة ساعات بتكون حمل تقيل... والإنسان لازم يبقى مستعد يسمعها.
وقبل أن يكمل...
تكلم الحاج محمود لأول مرة منذ دقائق.
وفي حاجة أنا لازم أعترف بيها.
نظر إليه الجميع.
قال بصوت هادئ
أنا أخطأت... لما فضلت السكوت كل السنين دي.
أحمد لم يقاطعه.
فأكمل
كنت فاكر إن السكوت هيحافظ على العيلة... لكنه خلّى الشكوك تكبر.
إبراهيم أغلق عينيه للحظة، ثم قال
قول كل اللي عندك.
أخرج الحاج محمود من جيبه مفتاحًا صغيرًا آخر.
لكنه لم يكن يشبه المفاتيح السابقة.
بل كان مربوطًا ببطاقة معدنية منقوش عليها رقم
27
وضعه فوق الطاولة.
وقال
المفتاح ده فتحته مرة واحدة بس... من سبعة وعشرين سنة.
اتسعت عينا إبراهيم.
لسه محتفظ بيه؟
هز الحاج محمود رأسه.
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
في تلك اللحظة...
سمعوا صوت خبط خفيف على باب غرفة الضيوف.
فتح أحمد الباب.
كانت ملك.
واقفة وهي ماسكة لعبة صغيرة في إيدها.
وقالت بخجل
بابا... وأنا بدور على لعبتي تحت السرير، لقيت دي.
ناولته صندوقًا معدنيًا صغيرًا، مغطى بطبقة خفيفة من الغبار.
نظر إليه أحمد في دهشة.
كان على غطائه نفس الرمز المنقوش على البطاقة المعدنية رقم 27.
رفع الصندوق ونظر إلى الحاج محمود.
لكن هذه المرة...
لم يبدُ على وجه الحاج محمود أي اندهاش.
بل قال بهدوء شديد
واضح إن الصندوق هو اللي اختارك... قبل ما إحنا نوصل له أحمد أخذ الصندوق من يد ملك بحذر.
كان صغيرًا، لكنه أثقل مما يبدو.
قلبه بين يديه.
لم يجد قفلًا... ولا مكانًا لمفتاح.
قال وهو ينظر إلى الحاج محمود
إزاي يتفتح؟
اقترب إبراهيم، وتأمل الصندوق لثوانٍ.
ثم مرر أصابعه على أحد الجوانب.
سمع الجميع صوت تك خفيف.
فتح جزء صغير من الغطاء، كاشفًا
عن درج مخفي.
في الداخل كانت توجد ورقة واحدة فقط.
مطوية بعناية.
فتحها أحمد.
كان مكتوبًا فيها
إذا وصلت هذه الورقة إليك، فاعرف أن الماضي لا يعود، لكن الحقيقة تستحق أن تُعرف مهما تأخر الوقت.
تحت الكلمات كان يوجد رسم بسيط.
نفس الرمز الذي كان على الصندوق.
لكن هذه المرة، وبجواره عنوان واضح
شارع النخيل المنزل رقم 14.
عقد أحمد حاجبيه.
قال
العنوان ده...
قاطعه الحاج محمود.
البيت القديم.
نظر إليه أحمد بدهشة.
بس البيت اتباع من سنين.
رد إبراهيم
البيت اتباع فعلًا... لكن مش كله.
ساد الصمت.
قال أحمد
يعني إيه؟
ابتسم إبراهيم ابتسامة خفيفة.
في جزء من البيت كان مكتوب في العقود كمخزن مستقل... وماحدش انتبه لكده.
الحاج محمود أخرج العقد القديم من الملف، ووضعه أمام أحمد.
وأشار إلى سطر صغير في آخر الصفحة.
كان مكتوبًا بخط دقيق
ولا يشمل البيع المخزن الخلفي.
قرأ أحمد الجملة أكثر من مرة.
ثم رفع رأسه.
يعني المخزن ده لسه...
مقفول.
أجاب إبراهيم.
ومحدش دخله من يوم ما قفلناه.
في تلك اللحظة دخلت منى وهي تحمل أكواب الشاي.
ابتسمت وهي تنظر إليهم.
واضح إنكم داخلين في جلسة ذكريات طويلة.
أغلق أحمد الملف بسرعة.
وقال
هنحكيلك كل حاجة... بس لما نفهمها إحنا الأول.
هزت رأسها باحترام، وتركت الأكواب وخرجت.
انتظر إبراهيم حتى أغلقت الباب.
ثم قال
لازم نروح للمخزن... لكن مش الليلة.
استغرب أحمد.
ليه؟
رد بهدوء
لأن المكان مقفول من سنين، ولازم نرتب قبل ما نفتحه.
وقبل أن ينهي كلامه، رن هاتف إبراهيم.
نظر إلى الشاشة، فتغيرت ملامحه.
رفض المكالمة فورًا.
سأله أحمد
مين؟
أجاب بعد تردد
شخص كنت فاكر إنه خرج من حياتي من زمان.
وبعد أقل من دقيقة...
وصلت رسالة إلى هاتف أحمد، وهاتف إبراهيم، في نفس اللحظة.
النص كان واحدًا
متروحوش للمخزن... لأن اللي فيه مش مجرد ذكريات نظر أحمد إلى إبراهيم، ثم أخرج هاتفه ووضعه بجوار هاتفه على الطاولة.
الرسالتان كانتا متطابقتين حرفيًا.
ولا يوجد اسم للمرسل.
قال أحمد
واضح إن اللي بيراقبنا عارف كل خطوة بنعملها.
رد إبراهيم بهدوء
وده معناه إننا لازم نكون أهدى منه.
الحاج محمود شرب رشفة من الشاي، ثم قال
المخزن مش هيروح... لكن أي قرار هنخده لازم يكون بعقل.
هز أحمد رأسه موافقًا.
لأول مرة منذ بداية الليلة، شعر أن الاستعجال قد يضيّع عليهم أكثر مما سيكشفه.
جمع الأوراق، ووضعها
داخل الملف الأزرق، ثم أدخل الملف في الحقيبة الجلدية.
وقال
الليلة هنقفل الكلام هنا.
...
في صباح اليوم التالي...
استيقظ أحمد على غير عادته قبل الجميع.
فتح شباك الصالة.
كان الشارع هادئًا.
لكن شيئًا لفت انتباهه.
سيارة رمادية متوقفة أمام العمارة منذ الليلة الماضية.
وفي داخلها رجل يقرأ جريدة.
كلما رفع أحمد رأسه نحوه...
أنزل الرجل الجريدة، وأدار السيارة بهدوء، ثم غادر الشارع.
لم يستطع أحمد رؤية لوحة الأرقام كاملة.
كل ما استطاع قراءته كان آخر رقمين
27
ظل الرقم عالقًا في ذهنه.
دخلت منى المطبخ وهي تبتسم.
صاحي بدري النهارده؟
ابتسم أحمد ابتسامة خفيفة.
واضح إن اليوم طويل.
جلست ملك على السفرة، وبدأت تتناول إفطارها.
ثم قالت فجأة
بابا... أنا حلمت حلم غريب.
ابتسم أحمد ليطمئنها.
خير.
قالت
حلمت إننا في البيت القديم... وفي باب صغير تحت السلم.
نظر أحمد إلى إبراهيم، الذي كان قد دخل الغرفة في تلك اللحظة.
إبراهيم توقف مكانه.
وسألها بهدوء
الباب كان لونه إيه؟
قالت
أخضر... وعليه نفس العلامة اللي على الصندوق.
ساد الصمت.
قال أحمد
إنت ليه سألتها عن اللون؟
تنهد إبراهيم وقال
لأن المخزن اللي كنا بنتكلم عنه... بابه فعلًا كان أخضر.
نظر أحمد إلى ملك بدهشة.
إنتِ عمرك رحتي البيت ده؟
هزت رأسها بالنفي.
لأ.
وقبل أن يتكلم أحد...
سمعوا صوت سيارة تقف أمام العمارة.
اقترب شخص من الباب، ثم طرقه ثلاث طرقات متتالية...
بنفس الإيقاع الذي كان الحاج محمود يطرقه دائمًا قديمًا.
لكن عندما فتح أحمد الباب...
لم يجد أحد.
على الأرض كان يوجد مفتاح قديم فقط...
ومعلق به بطاقة صغيرة مكتوب عليها
الباب الأخضر لم يعد مغلقًا أحمد انحنى والتقط المفتاح.
قلبه بين أصابعه.
كان مختلفًا عن كل المفاتيح اللي شافها قبل كده.
طويل شوية، وعلى رأسه نفس الرمز اللي كان محفور على الصندوق.
الحاج محمود أخده من إيده، وبص له ثواني.
ثم قال
ده مفتاح المخزن.
إبراهيم رفع حاجبه باستغراب.
إزاي؟ أنا فاكر إن المفتاح الأصلي ضاع.
رد الحاج محمود
وده اللي كنت فاكره أنا كمان.
دخل أحمد وقفل الباب.
وقال بحسم
خلاص... هنروح النهارده.
حاول إبراهيم يعترض.
كنا متفقين نستنى.
لكن أحمد هز رأسه.
اللي بيسيب لنا رسايل عارف كل تحركاتنا. لو استنينا، ممكن يسبقنا.
سكت الجميع.
وبعد ساعة...
كانت العربية واقفة قدام البيت القديم.
البيت كان
مهجور.
سوره مليان نباتات طالعة من كل ناحية.
والبوابة الحديدية عليها طبقة صدأ.
وقف أحمد يتأمل المكان.
ابتسم إبراهيم ابتسامة حزينة.
هنا كنا بنتجمع كل عيد.
أما الحاج محمود فظل ساكتًا.
فتحوا البوابة بصعوبة.
ودخلوا.
كل شيء كان كما تركوه منذ سنوات.
لكن الغريب...
إن الممر المؤدي إلى
تم نسخ الرابط