قدمت علي شغل

لمحة نيوز

أقوى.
صوت صاحب البدلة نزل واضح من الفتحة الصغيرة
كملوا... البلاطة دي متغيرة.
سيد همس
لو كسروا كمان ضربة ولا اتنين هيشوفونا.
كريم بص حواليه بسرعة.
على يمين الصندوق كان فيه ممر ضيق جدًا، كأنه اتبنى بعدين.
قال
إحنا لازم ناخد الصندوق ونمشي.
ندى مسكت إيده قبل ما يلمس القفل.
افتكر الرسالة... أبوك كتبها بنفسه.
مش هفتحه... هشيله بس.
حاول يرفعه.
لكن الصندوق ما اتحركش.
جرب تاني.
ولا مليم.
سيد نزل على ركبته يساعده.
برضه مفيش فايدة.
ندى مررت إيدها على جوانب الصندوق، وفجأة حسّت بحاجة معدنية صغيرة.
مسحت التراب.
ظهر لوح نحاس مكتوب عليه
لا يُرفع... إلا بعد تحرير القفل الجانبي.
بصوا لبعض.
قفل جانبي؟
بدأوا يتحسسوا الجدران بسرعة.
فوقهم...
ضربة جديدة.
كراااش!
شق كبير ظهر في السقف.
وأشعة النور نزلت عليهم لأول مرة.
واحد من الرجالة فوق صاح
يا باشا! فيه فراغ تحت البلاطة!
صاحب البدلة رد بحماس
وسعوا الفتحة!
كريم بقى يفتش الجدار بجنون.
وفجأة...
سمع تك.
إيده لمست زر صغير غاطس في الحائط.
ضغطه.
اتفتح درج خشبي صغير جدًا، كان مستخبي جوه الحائط.
وفيه...
مفتاح نحاس قديم، ومظروف أبيض مختوم بالشمع الأحمر.
ندى شهقت.
الختم ده...
كريم سألها
تعرفيه؟
هزت رأسها ببطء.
أيوه... شفته قبل كده... من سنين.
فين؟
لكن قبل ما ترد...
جت ضربة هائلة من فوق.
وانكسرت قطعة كبيرة من السقف.
وسقطت قدامهم مباشرة.
ومن خلال الفتحة...
ظهر وجه صاحب البدلة.
ابتسم وهو بص عليهم من أعلى وقال بهدوء مخيف
أخيرًا... قابلنا بعض من غير هروب.
ثم مد إيده إلى داخل الفتحة، وهو ينظر مباشرة إلى المظروف المختوم في يد كريم، وقال
هات اللي معاك... وساعتها يمكن تخرجوا من هنا أحياء كريم شد المظروف بسرعة ووراه ضهره.
وبص لصاحب البدلة من غير ما يرمش.
ولو رفضت؟
ابتسم الراجل ابتسامة باردة.
يبقى هتكسروا القاعدة الوحيدة اللي أبوك كان حريص عليها... إن محدش يفتح المظروف غير الشخص اللي مكتوب اسمه عليه.
ندى بصت للمظروف
في صدمة.
خطفته من إيد كريم وبصت على وشه.
كان فيه اسم واحد مكتوب بخط واضح
يُسلَّم إلى كريم الدسوقي فقط.
كريم اتجمد.
أبويا... كان عارف إني هوصل له؟
الراجل اللي فوق رد بثقة
أبوك كان ذكي... لكنه ما كانش متوقع إن الزمن هيتأخر كل السنين دي.
ثم مد إيده أكتر وقال
هات المظروف.
ندى بصت لكريم، وهمست
أوعى تديهوله.
سيد كان بيبص حواليه يدور على أي مخرج.
وفجأة لمح ماسورة حديد قديمة ماشية جنب الحائط.
قرب منها، وضغط عليها بالغلط.
في لحظة...
اتسمع صوت طَق! قوي.
الأرض اهتزت تحتهم.
وصاحب البدلة فقد توازنه فوق الفتحة.
إيه اللي حصل؟!
وفجأة...
جزء من الحائط الجانبي اتحرك ببطء، كأنه باب سري.
وراه ظهر ممر جديد، أوسع من الأول.
لكن الغريب...
إن الممر كان منور.
وفي آخره...
باب خشبي ضخم، فوقه لوحة نحاس مكتوب عليها
مكتب الحاج فؤاد الدسوقي.
كريم حس إن قلبه وقف.
ده... اسم أبويا.
ندى همست
يبقى الورشة عمرها ما كانت مجرد ورشة.
وفوقهم، صاحب البدلة استعاد توازنه، وزعق في رجاله
انزلوا تحت! بسرعة!
بدأ أول راجل ينزل من الفتحة.
لكن قبل ما يلمس الأرض...
الباب السري بدأ يقفل وحده ببطء.
كريم فهم إن عندهم ثواني معدودة.
شد ندى من إيدها، وسيد جري وراهم.
دخلوا الممر، ومع آخر خطوة...
أغلق الباب الحجري خلفهم بصوت مدوٍّ.
أصبحوا في صمت تام.
لا صوت للرجال.
ولا للمطارق.
ولا حتى للورشة.
بقي فقط الممر الطويل... والباب الخشبي في آخره.
اقترب كريم ببطء.
على الباب كان فيه قفل غريب، لا يشبه أي قفل عادي.
وفي منتصفه تجويف بنفس شكل المفتاح النحاسي الذي وجده قبل دقائق.
رفع كريم المفتاح...
وقبل أن يدخله في القفل، لاحظ شيئًا جعله يتراجع خطوة كاملة.
لأن أسفل المقبض مباشرة...
كانت هناك بقعة دم ما زالت تبدو حديثة، وكأن شخصًا وصل إلى هذا الباب قبلهم بدقائق فقط... لكنه اختفى دون أي أثر كريم انحنى ولمس بقعة الدم بطرف إصبعه.
لسه ما نشفتش.
رفع إيده وبص لندى.
حد كان هنا من شوية.
ندى اتلفتت في الممر
بسرعة.
المكان هادي بشكل يخوف.
لا صوت نفس.
ولا حركة.
سيد قال وهو بيحاول يهزر عشان يكسر التوتر
يا رب يكون خرج... مش مستنينا.
لكن محدش ضحك.
كريم قرب من الباب، ودخل المفتاح النحاسي في القفل.
أول لفة...
ما حصلش حاجة.
تاني لفة...
اتسمع صوت تروس قديمة بتتحرك جوه الحيطة.
ثم...
طَق!
القفل اتفتح.
دفع الباب ببطء.
صرير الخشب ملأ المكان.
أول ما الباب اتفتح بالكامل...
ظهرت أوضة واسعة، متغطية بطبقة تراب سميكة، كأن محدش دخلها من عشرات السنين.
فيها مكتب خشب ضخم.
مكتبة مليانة دفاتر.
وخزنة حديد قديمة في الركن.
وعلى الحائط...
صورة كبيرة لرجل واقف قدام الورشة.
كريم قرب من الصورة.
ابتلع ريقه.
دي أول مرة أشوف الصورة دي.
كان الرجل هو والده فعلًا...
لكن اللي لفت نظره، إن فيه شخص واقف جنبه.
وشه ممزق من الصورة عمدًا.
ندى همست
حد حاول يخفي هويته.
وفجأة...
سمعوا صوت خافت.
تِك... تِك... تِك...
كأنه ساعة.
لكن مفيش ساعة في الأوضة.
سيد لف حوالين نفسه.
الصوت جاي منين؟
ندى قربت من المكتب.
فتحت أول درج.
فاضي.
التاني...
دفاتر قديمة.
أما الدرج التالت...
فكان مقفول.
لكن صوت تك... تك... كان خارج منه.
كريم كسر القفل الصغير بمفك كان لسه في جيبه.
فتح الدرج.
جواه...
ساعة جيب فضية قديمة.
كانت شغالة.
وتحتها رسالة مطوية.
رفع الرسالة بحذر.
مكتوب على أول سطر
يا كريم... لو إنت اللي بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا للأسف مقدرتش أقولك الحقيقة بنفسي.
اتسعت عينا كريم.
دى أول مرة يشوف خط والده الحقيقي.
بدأ يفتح الرسالة...
لكن قبل ما يقرأ أول سطر كامل...
جاء صوت مكتوم من داخل الخزنة الحديد.
الجميع التفت في نفس اللحظة.
الصوت تكرر.
خبطتان... ثم أنين خافت.
ندى تراجعت خطوة وهي هامسة
مستحيل...
سيد قرب من الخزنة وهو مش مصدق.
ثم قال بصوت منخفض
يا جماعة...
في حد... جوه الخزنة!تجمد الثلاثة في أماكنهم.
الأنين اتكرر... أوضح من الأول.
آه...
سيد بص لكريم وهو مش مصدق.
إحنا بنتهيأ؟
كريم هز راسه.
لأ.
.. أنا سمعته.
ندى جرت ناحية الخزنة وخبطت عليها بإيدها.
في حد سامعنا؟
بعد ثانيتين...
جه الرد من جوه، بصوت راجل كبير ومتعب
...افتحوا.
كريم اتلفت بسرعة.
المفتاح فين؟
بدأوا يفتشوا المكتب والأدراج.
لكن مفيش أي مفتاح.
ندى افتكرت حاجة.
بصت لساعة الجيب اللي كانت في الدرج.
قلبتها.
في ظهر الساعة كان فيه نقش صغير
المفتاح... تحت الوقت.
سيد عقد حواجبه.
يعني إيه تحت الوقت؟
ندى ضغطت على غطاء الساعة.
اتفتح الجزء الخلفي منها.
وكان مستخبي جواه مفتاح صغير جدًا.
ابتسم كريم لأول مرة.
أبويا كان مخبي كل حاجة بطريقة ألغاز.
أخد المفتاح وجري ناحية الخزنة.
دخل المفتاح في القفل.
لفه مرة...
اتنين...
ثم سمعوا صوت قوي.
تك!
باب الخزنة اتحرك ببطء.
الجميع رجع خطوة.
ولما الباب اتفتح...
شهقت ندى.
الخزنة ما كانتش مليانة فلوس ولا دهب.
كان فيها راجل مسن، دقنه بيضا طويلة، هدومه عليها تراب، لكنه كان واعي.
أول ما خرج، أخد نفسه بصعوبة.
وبص مباشرة في وش كريم.
فضل ساكت كام ثانية...
ثم دموعه نزلت.
وقال بصوت مبحوح
كبرت أوي...
كريم اتجمد.
حضرتك تعرفني؟
الراجل ابتسم بتعب.
عرفتك أول ما دخلت...
إنت نسخة من أبوك.
ندى قربت منه.
حضرتك مين؟
رفع الراجل رأسه وقال بهدوء
أنا... عادل.
وسكت.
كريم استنى يكمل.
فقال
شريك أبوك.
في اللحظة دي...
اتسعت عينا ندى بشكل غريب.
وكأنها سمعت الاسم ده قبل كده.
لكنها ما قالتش حاجة.
وعادل مد إيده المرتعشة ناحية الرسالة اللي كانت في إيد كريم، وقال
قبل ما تقراها...
لازم تعرف إن اللي مكتوب فيها...
هيقلب كل اللي كنت فاكره عن أبوك، وعن الورشة... وحتى عن سبب وجود ندى في حياتك من أول يوم.
وقبل أن ينطق بكلمة إضافية...
اهتزت الأرضية تحت أقدامهم بعنف.
وتردد صوت انفجار خافت من جهة الممر الذي دخلوا منه...
ثم انطفأت الأنوار تمامًا، وغرق المكان في ظلام دامس ساد الظلام.
لم يعد يُسمع إلا صوت أنفاسهم.
ثم جاء صوت عادل هادئًا رغم الارتباك
محدش يتحرك... الأوضة دي فيها حفر
قديمة.
كريم أخرج موبايله وشغّل الكشاف.
الإضاءة الضعيفة كشفت أن جزءًا من السقف انهار عند مدخل الممر.
قال سيد وهو بيبص ناحية الباب
الطريق اللي دخلنا منه اتقفل.
ندى كانت ما زالت ماسكة الرسالة.
قالت لكريم
اقرأها... يمكن فيها حل.
فتح كريم الورقة بحذر، وبدأ يقرأ بصوت مسموع
يا
تم نسخ الرابط