قدمت علي شغل

لمحة نيوز

مش مصدق اللي شايفه.
إيده اتجمدت.
دي... دي صورة أبويا.
ندى حاولت بسرعة تجمع الصور من على الأرض.
سيبها... لو سمحت.
لكن كريم كان سبقها، ورفع الصورة قدام وشه.
كان أبوه واقف قدام الورشة، لكن شكلها كان مختلف. اللافتة القديمة، والباب الحديد اللي اتغير، وحتى العربية اللي كانت واقفة قدامها عمره ما شافها.
الأغرب...
إن الطفل اللي كان أبوه حاضنه، وشه متغطي بنص الصورة المقطوع.
قال كريم بصوت منخفض
الصورة دي منين؟
ندى بلعت ريقها.
مش هينفع أجاوب دلوقتي.
يعني إيه مش هينفع؟ دي صورة أبويا!
سيد قرب منهم، أخد الصورة، واتأملها.
وفجأة قال
استنى... الراجل اللي واقف وراهم ده... أنا أعرفه.
كريم بص له بسرعة.
مين؟
كان بيشتغل هنا... قبل ما الورشة تتباع. اسمه عم جابر.
ندى رفعت رأسها فجأة.
عم جابر... لسه عايش؟
سيد استغرب رد فعلها.
أيوه... ساكن في آخر الحارة، بس بطل يشتغل من سنين.
ندى همست وكأنها بتكلم نفسها
يبقى هو الوحيد اللي يقدر يثبت الحقيقة.
كريم سمع الجملة.
حقيقة إيه؟
قبل ما ترد...
رن تليفون ندى.
بصت للشاشة، ووشها شحب.
قفلت المكالمة من غير ما ترد.
بعدها بثواني، رن تاني.
قفلت.
المرة التالتة، وصلت رسالة.
فتحتها... واتسعت عينيها.
كريم لمح الشاشة قبل ما تطفيها.
الرسالة كانت قصيرة جدًا
وصلنا لعم جابر قبلك.
ندى فقدت لونها.
ولأول مرة، بان عليها خوف حقيقي.
رفعت عينها لكريم وقالت بصوت مرتعش
لازم نمشي... حالًا.
على فين؟
على بيت عم جابر... لو لسه متأخرناش.
في أقل من دقيقتين كانوا راكبين عربية كريم.
طول الطريق، ندى كانت ماسكة الظرف بإيديها كأنه كنز أو دليل إدانة.
وكريم كان كل دقيقة يبص لها، لكنه قرر ميضغطش عليها.
لما وصلوا آخر الحارة...
لقوا باب بيت عم جابر مفتوح.
وده كان غريب.
سيد نادى بصوت عالي
يا عم جابر!
محدش رد.
دخلوا بحذر.
البيت كان هادي بشكل مريب.
لكن على الترابيزة في الصالة...
كان فيه فنجان شاي لسه طالع منه بخار.
يعني صاحب البيت
كان موجود من دقائق.
وفجأة...
سمعوا صوت خبط خفيف جاي من الأوضة الداخلية.
بصوا لبعض...
وكريم اتقدم أول واحد، ومد إيده ناحية الباب...
ولما فتحه ببطء، اتسعت عينه من الصدمة... لكنه ما نطقش ولا كلمة الأوضة كانت ضلمة، وستايرها مقفولة.
كريم مد إيده وداس على مفتاح النور.
أول ما النور اشتغل...
ظهر عم جابر مربوط على كرسي، وإيده متكتفة بحبل، وعلى بقه شريط لاصق.
ندى شهقت وجريت ناحيته.
يا ساتر يا رب!
سيد قطع الحبل بسرعة، وكريم شال الشريط من على بقه.
عم جابر أخد نفسه بالعافية، وقال وهو بيكح
كنت عارف... إنهم هييجوا قبلكم.
كريم قرب منه.
مين اللي عمل فيك كده؟
عم جابر بص ناحية ندى الأول، ثم قال
الناس اللي بيدوروا على الملف.
ندى ضمت الظرف لصدرها أكتر.
كريم لاحظ الحركة.
هو الظرف ده فيه إيه؟
عم جابر رد قبلها
مش الظرف... اللي جواه.
فتح كريم الظرف بسرعة.
كان فيه مجموعة أوراق قديمة، وعقد بيع، وصور، وخريطة صغيرة مرسوم عليها حدود قطعة أرض.
وفي آخر الأوراق...
وصل استلام مكتوب عليه اسم والده.
لكن التاريخ كان قبل وفاة والده بأيام قليلة.
كريم عقد حاجبيه.
أبويا عمره ما قالي على أي أرض.
عم جابر هز رأسه.
لأنه ما لحقش.
سكت لحظة، ثم أكمل
أبوك كان ناوي يقولك كل حاجة... لكن حصل اللي حصل.
ندى سألت بسرعة
والأرض دي فين؟
عم جابر أشار بإصبعه على الخريطة.
تحت الورشة.
ساد الصمت.
حتى سيد افتكر إنه سمع غلط.
يعني إيه... تحت الورشة؟
عم جابر قال بصوت منخفض
الورشة دي مبنية فوق قطعة أرض صغيرة... والناس كلها فاكرة إنها ملهاش قيمة.
لكن الحقيقة...
إنها جزء من مشروع قديم، واتسجل فيه حق مرور ومخزن تحت الأرض.
وفي المخزن ده...
فيه حاجة ناس مستعدة تدفع ملايين عشان توصل لها.
كريم بص لندى.
إنتِ كنتِ عارفة؟
ندى نزلت عينها.
كنت أعرف جزء... مش كل الحقيقة.
قبل ما حد يتكلم...
سمعوا صوت عربية وقفت بعنف قدام البيت.
وبعدها صوت باب العربية بيتقفل.
ثم خطوات أكتر من شخص
داخلين ناحية المنزل.
عم جابر اتغير لون وشه.
وقال بسرعة
هما وصلوا...
وفي نفس اللحظة، دوى صوت خبط قوي على باب البيت، أعقبه صوت رجل صاح بصوت حاد
افتحوا... إحنا عارفين إن الملف بقى عندكم!كريم أطفأ كشاف الموبايل بسرعة.
أصبح المكان تحت المكتب غارقًا في الظلام.
فوقهم مباشرة، كانت خطوات الرجال تتردد على أرضية الورشة.
صوت صاحب البدلة كان واضحًا
اقفلوا البوابة... محدش يخرج ولا يدخل.
ندى همست
لو فضلوا يدوروا، هيلاحظوا البلاطة.
كريم ركع على ركبته، ومرر إيده على حواف البلاطة.
كانت مختلفة فعلًا.
في أحد الأركان، لمس حلقة حديد صغيرة مدفونة تحت طبقة من التراب.
بص لندى.
هي دي؟
هزت رأسها ببطء.
سحب الحلقة بكل قوته.
البلاطة اتحركت سنتيمترات قليلة، وطلع صوت احتكاك قديم.
تحتها ظهر صندوق حديدي صغير، مقفول بقفل نحاس عتيق.
سيد ابتسم لأول مرة.
الحمد لله... لقيناه.
لكن ندى ما ابتسمتش.
بالعكس... وشها اصفر.
لا... ده مش اللي كنت خايفة منه.
كريم استغرب.
أمال إيه؟
ردت وهي بتبص للقفل
إنهم يكونوا وصلوا قبلنا.
وفجأة...
اتسمع فوقهم صوت خبط قوي على المكتب.
ثم صوت واحد من الرجالة
يا باشا... تعال شوف!
قلب كريم وقع.
واضح إنهم لاحظوا اختلاف لون البلاطة.
صاحب البدلة قرب وقال
اكسروا الأرض.
سيد همس بعصبية
خلاص... هنتمسك.
لكن كريم بص للصندوق.
كان فيه ورقة مطوية ومثبتة تحت القفل، كأن حد حاشرها عمدًا.
شدها بسرعة.
فتحها على ضوء الموبايل.
كان مكتوب فيها بخط يد قديم
لو فتحت الصندوق قبل ما تعرف الحقيقة... هتخسر كل حاجة.
وتحت الجملة مباشرة...
توقيع باسم والده.
وقبل ما يستوعب اللي قراه...
اهتزت البلاطة فوقهم بعنف.
وبدأ أول شق يظهر فيها...
لأن الرجال في الورشة بدأوا بالفعل يكسروا الأرض بالمطارق، ولم يعد يفصل بينهم وبين كريم وندى وسيد سوى طبقة خرسانة واحدة البيت كله سكت.
الخبط على الباب زاد قوة.
دق... دق... دق!
وصوت الراجل جه تاني
آخر مرة هقولها... افتحوا.

كريم بص حواليه بسرعة.
البيت قديم، ومفيش مكان يستخبوا فيه.
لكن عم جابر أشار ناحية دولاب خشب كبير.
حركوه.
سيد وكريم زقوا الدولاب بالعافية.
ورا الدولاب ظهر باب حديد صغير، متاكل من الصدأ.
ندى بصت بدهشة.
هو ده...؟
عم جابر هز رأسه.
الممر القديم... كان بيوصل بين البيت والورشة من زمان.
كريم اتصدم.
يعني فيه نفق؟
أيوه... محدش يعرف عنه غير اتنين.
وقبل ما يكمل...
اتسمع صوت تكسير الباب الخارجي.
كراش!
عم جابر قال بسرعة
انزلوا... وأنا هأخرهم.
ندى رفضت فورًا.
مستحيل أسيبك.
ابتسم ابتسامة حزينة.
لو فضلتوا هنا... كله هيضيع.
فتح الباب الحديد.
ريحة تراب ورطوبة طلعت بقوة.
سيد نزل الأول، وبعده ندى، ثم كريم.
وقبل ما يقفل الباب، بص لعم جابر.
هطلعلك.
رد عم جابر بهدوء
لما تعرف الحقيقة الأول.
وقفل الباب من فوق.
بعد ثوانٍ...
سمعوا أصوات رجالة بتجري في البيت.
ثم صوت حد بيزعق
فتشوا كل أوضة!
كان الممر ضيق جدًا.
إضاءة خافتة جاية من لمبات قديمة، وبعضها كان مطفي.
ندى كانت ماشية وهي ماسكة الظرف بكل قوتها.
وفجأة...
وقفت مكانها.
كريم خبط فيها.
مالك؟
أشارت قدامها.
على الحائط كان فيه شعار محفور في الأسمنت.
نفس الشعار الموجود على أول ورقة داخل الظرف.
وتحته جملة مكتوبة بخط إيد
اللي يدخل هنا... لازم يعرف إن الحقيقة تمنها غالي.
سيد همس
أنا مش مرتاح.
كملوا المشي.
بعد حوالي خمس دقائق...
وصلوا لسلم حديد طالع لفوق.
كريم فتح الغطاء اللي فوقه بحذر.
أول ما بص...
اتجمد.
كانوا بالفعل تحت الورشة.
وتحديدًا تحت المكتب اللي ندى كانت قاعدة فيه كل يوم.
لكن اللي خلى قلبه يدق بعنف...
إن الأرضية تحت المكتب كان فيها بلاطة إسمنت لونها مختلف عن باقي البلاط.
ونفس العلامة المحفورة على الحائط...
كانت مرسومة عليها.
ندى بصت للبلاطة، ثم بصت لكريم وقالت بصوت منخفض
أظن... ده المكان اللي كانوا مستعدين يعملوا أي حاجة عشانه.
وفي اللحظة نفسها...
سمعوا صوت باب الورشة بيتفتح
من فوق...
وصوت الراجل صاحب البدلة وهو يقول بهدوء مخيف
فتشوا الورشة كلها... هما أكيد راجعين هنا دَوِيّ!
أول ضربة بالمطرقة هزت السقف فوق رؤوسهم.
تراب وأسمنت نزلوا على شعر كريم.
ندى رفعت وشها وهي بتحاول تسمع.
دَوِيّ!
الضربة التانية كانت
تم نسخ الرابط