في عيد ميلادها
المحتويات
العاشرة صباحًا.
ابتسم كريم أخيرًا.
وقال بثقة
ممتاز... أخيرًا هنعرف مين هو.
أغلقت الموظفة الخط...
ثم دخلت إلى المكتب المجاور.
ابتسمت وهي تقول
يا فندم، بلغناه.
رفعت ندى رأسها من فوق الملف الذي كانت تراجعه.
وقالت بهدوء شديد
شكرًا.
ثم أعادت نظرها إلى الأوراق، وكأن اللقاء المنتظر بعد يومين سيكون مجرد اجتماع عمل عادي... بينما كان سيقلب حياة كريم وعائلته رأسًا على عقب.
يتبع...حلّ صباح الموعد المنتظر.
في التاسعة والنصف...
كان مبنى لجنة المراجعة يعج بالمحامين، والمستشارين، ومندوبي البنوك.
وصل كريم قبل الموعد بعشرين دقيقة.
كان يرتدي بدلته الرمادية المفضلة، ويحاول إخفاء توتره.
اقترب منه أحد المستثمرين وسأله
حضرتك تعرف مين المالك الحقيقي؟
ابتسم كريم ابتسامة متعبة.
بعد شوية كلنا هنعرف.
في التاسعة وخمس وخمسين دقيقة...
وصلت نادية ومعها سارة.
همست نادية
أول ما يخلص الاجتماع، هنمضي آخر إجراءات الطلاق.
هزت سارة رأسها، لكنها كانت منشغلة بشيء آخر.
منذ رأت الصورة في الجريدة، وشعور غريب يلازمها.
عند العاشرة تمامًا...
فتح باب القاعة.
دخل رئيس لجنة المراجعة، وخلفه أربعة مستشارين.
وقف الجميع.
قال رئيس اللجنة
قبل بدء الجلسة، نرحب بممثل المالك القانوني للأصول محل المراجعة.
اتجهت كل الأنظار نحو الباب.
دخل أدهم أولًا، يحمل حقيبة جلدية سوداء مليئة بالملفات.
همست نادية بسخرية
ده المحامي.
ثم اتسعت عيناها...
لأن شخصًا آخر دخل خلفه بخطوات هادئة.
فستان أبيض بسيط.
حقيبة سوداء.
ملامح هادئة.
ندى.
تجمد كريم في مكانه.
همس دون وعي
إنتِ... بتعملي إيه هنا؟
لم ترد.
سحبت الكرسي المقابل لرئيس اللجنة وجلست بهدوء.
ثم جلس أدهم بجوارها.
قال رئيس اللجنة باحترام واضح
صباح الخير يا أستاذة ندى.
أومأت برأسها.
صباح النور.
نظرت نادية حولها باستغراب.
ثم قالت بصوت مرتفع
معلش... فيه سوء تفاهم.
دي مرات ابني.
أكيد حضرتها جاية مع المحامي.
نظر إليها رئيس اللجنة باستغراب، ثم قال
لا يا فندم.
الأستاذة ندى حضرت بصفتها...
وسكت لحظة وهو ينظر إلى الملف أمامه.
ثم أكمل
الممثل القانوني والمالك المستفيد النهائي لصندوق أوريون للاستثمار.
ساد الصمت.
صمت ثقيل لدرجة أن صوت جهاز التكييف أصبح مسموعًا.
حدق كريم في ندى.
ثم ضحك ضحكة قصيرة، مرتبكة.
لأ... أكيد فيه تشابه أسماء.
فتح رئيس اللجنة الملف.
أخرج مستندًا رسميًا مختومًا.
ودفعه ناحية كريم.
تفضل.
أخذه كريم بيد مرتجفة.
قرأ الاسم.
ثم أعاده من البداية.
ثم للمرة الثالثة.
كل سطر كان يؤكد الحقيقة نفسها.
صاحب الحصص المسيطرة في الصندوق...
ندى.
رفع رأسه ببطء.
نظر إليها وكأنه يراها لأول مرة في حياته.
أما نادية...
فهمست وهي تكاد تفقد توازنها
يعني... الفيلا...
رد أدهم بهدوء
ملك الأستاذة ندى من قبل زواجها بسنوات.
وبدأت ملامح الصدمة ترتسم على وجوه الجميع، لكن رئيس اللجنة أغلق الملف وقال
قبل أن نكمل... هناك مستند آخر وصلنا هذا الصباح، وسيكون له تأثير مباشر على هذه المراجعة.
نظر كريم إليه بقلق.
أما ندى...
فاكتفت بالنظر إلى المستند الجديد دون أن يتغير تعبير وجهها، وكأنها تعرف مسبقًا ما الذي يحمله.
يتبع...أمسك رئيس لجنة المراجعة بالمظروف الجديد.
نظر إلى الختم الرسمي عليه، ثم قال
وصلنا قبل ساعة فقط، من البنك الممول للمشروع.
فتح المظروف ببطء.
وسحب عدة أوراق.
تصفحها للحظات، ثم رفع نظره إلى كريم.
أستاذ كريم... هل تؤكد أن التوقيع الموجود على طلب التمويل هو توقيعك؟
ابتلع كريم ريقه.
أيوه... توقيعي.
وضع رئيس اللجنة الورقة أمام الجميع.
في منتصف الصفحة كان مكتوب
أقر أنا الموقع أدناه بأن جميع الأصول المذكورة مملوكة لي ملكية كاملة، وخالية من أي نزاع.
ثم أشار إلى توقيع كريم أسفل الإقرار.
ساد الصمت.
قال رئيس اللجنة بهدوء
بينما ثبت لدينا أن الفيلا، والأرض، وحقوق المرور الخاصة بالمشروع ليست مملوكة لك.
رد كريم بسرعة
أنا... كنت فاكر إنها باسمي.
نظر إليه رئيس اللجنة طويلًا.
كنت فاكر؟
أجاب كريم بصوت خافت
أيوه.
التفتت الأنظار إلى ندى.
لكنها لم تتكلم.
لم تشمت.
ولم تبتسم.
كانت تتابع الجلسة كأنها تخص شخصًا آخر.
قال أحد ممثلي البنك
لو ثبت أن البيانات المقدمة غير صحيحة، فالبنك له الحق في إعادة تقييم التمويل بالكامل.
تغير لون وجه نادية.
وقفت فجأة.
ابني عمره ما نصب على حد!
رفع رئيس اللجنة يده.
لم يتهمه أحد بالنصب يا فندم... نحن نراجع الوقائع فقط.
جلست وهي ترتجف.
بعد دقائق...
طلب رئيس اللجنة من أدهم تقديم ما يثبت الملكية.
فتح أدهم حقيبته.
وأخرج ملفًا أزرق سميكًا.
قال
هذا عقد شراء الفيلا.
ثم أخرج ملفًا ثانيًا.
وهذا عقد شراء الأرض.
ثم ثالثًا.
وهذه مستندات
كانت التواريخ واضحة.
كلها تسبق زواج ندى من كريم.
بسنوات.
نظر كريم إلى أول تاريخ.
ثم أغلق عينيه.
تذكر أول مرة دخل فيها الفيلا.
وقتها سأل ندى
البيت ده إيجار؟
فضحكت وقالت
اعتبره مكان هنعيش فيه.
ولم يسأل بعدها أبدًا.
هو الذي افترض.
وهي التي لم تصحح.
أنهت اللجنة مراجعة المستندات.
ثم قال رئيسها
سيتم تعليق القرار النهائي لحين انتهاء الفحص المالي.
وقبل أن يغادر الجميع...
وقف كريم.
نظر إلى ندى.
وقال لأول مرة منذ سنوات، بصوت مكسور
ممكن أتكلم معاكي... خمس دقايق؟
نظر إليها كل من في القاعة.
حتى أدهم انتظر ردها.
تأملت ندى وجه كريم للحظات.
ثم قالت بهدوء
بعد الجلسة.
أومأ برأسه.
كان ذلك أول أمل يتمسك به منذ بدأت الأزمة.
لكنه لم يكن يعلم...
أن الشخص الذي سيدخل القاعة بعد دقائق، ويحمل ملفًا أسود صغيرًا، لا علاقة له بالبنك ولا بلجنة المراجعة.
بل كان محققًا ماليًا مكلفًا بمراجعة تحويلات تمت داخل شركة كريم خلال الأشهر الستة الأخيرة...
وتلك التحويلات كانت ستكشف سرًا أخفته سارة عن الجميع، سرًا لم تكن ندى تعرفه هي الأخرى، وسيغيّر مجرى القضية بالكامل.
يتبع...بعد عشر دقائق...
بينما كان أغلب الحضور يستعدون للمغادرة، فُتح باب القاعة مرة أخرى.
دخل رجل في منتصف الخمسينيات يحمل حقيبة سوداء وملفًا مختومًا.
تقدم مباشرة إلى رئيس لجنة المراجعة.
صافحه، ثم سلّمه بطاقة تعريفه.
قرأها رئيس اللجنة سريعًا، ثم قال
تفضل يا أستاذ هشام.
التفت الجميع إليه.
قال هشام بهدوء
أثناء مراجعة مستندات التمويل، ظهرت تحويلات مالية تستحق التحقق منها قبل اعتماد التقرير النهائي.
قطب كريم حاجبيه.
تحويلات إيه؟
فتح هشام الملف.
وأخرج كشفًا مصرفيًا.
خلال الأشهر الستة الأخيرة خرجت من حساب شركتكم سبع دفعات، بإجمالي ثمانية عشر مليون دولار.
شهقت نادية.
أما كريم فقال بسرعة
مستحيل... أي تحويل بالمبلغ ده لازم يكون بعلمي.
رد هشام
كلها موقعة إلكترونيًا بموافقة الإدارة المالية، وطبقًا للصلاحيات الداخلية للشركة.
التفت كريم فورًا إلى المدير المالي.
الكلام ده صحيح؟
أجاب الرجل وهو مرتبك
التوقيعات كانت مستوفية... وماكانش فيه سبب يخلينا نوقفها.
سأل كريم بحدة
راحت لمين؟
قلب هشام الصفحة التالية.
ثم قال
إلى شركة استشارية أجنبية.
نظر كريم إلى الاسم.
لم يتذكر
قال
أول مرة أشوف الاسم ده.
في تلك اللحظة...
تدخلت سارة لأول مرة منذ بداية الجلسة.
الشركة دي كانت بتقدم خدمات تخطيط للمشروع.
التفت إليها كريم.
أنا وافقت على التعاقد معاهم إمتى؟
ترددت لثوانٍ.
ثم قالت
كنت مسافر وقتها... وفوضتني أوقع العقود التشغيلية.
ساد الصمت.
المدير المالي أنزل رأسه.
وقال بصوت منخفض
فعلاً... التفويض كان موجود.
شعر كريم بأن الأرض تميد تحت قدميه.
نظر إلى سارة، التي عملت معه خمس سنوات، وكان يثق فيها ثقة عمياء.
قال ببطء
يعني... الثمانية عشر مليون خرجوا بتوقيعك؟
أجابت بسرعة
كل حاجة كانت لصالح الشركة.
لكن هشام قاطعها.
المشكلة إن الشركة الأجنبية دي...
وسكت لحظة وهو يقلب الصفحة الأخيرة.
ثم أكمل
تم حلها رسميًا بعد استلام آخر دفعة بأسبوعين فقط.
ارتفعت همهمات الحضور.
أما ندى...
فكانت تنظر إلى الأوراق باهتمام لأول مرة منذ بداية الجلسة.
همست لأدهم
دي أول مرة أشوف المستندات دي.
هز رأسه.
وأنا كمان.
أدركت ندى أن هناك أمورًا كانت تحدث داخل شركة كريم دون علمها، ودون أن يكون لها أي علاقة بها.
نظر كريم إلى سارة، وقال بصوت لم يعد يحمل غضبًا بقدر ما يحمل صدمة
قوليلي الحقيقة...
لكن قبل أن تنطق بأي كلمة...
رن هاتف هشام.
نظر إلى الشاشة، ثم اعتذر وخرج من القاعة لثوانٍ.
عاد بعدها وملامحه تغيرت تمامًا.
اقترب من رئيس اللجنة وهمس في أذنه.
رفع رئيس اللجنة رأسه ببطء، ثم قال
يبدو أن جلسة اليوم لن تنتهي الآن... لأن هناك مستندات جديدة وصلت، وقد تغيّر مسؤولية أكثر من شخص في هذه القضية.
وتحولت كل الأنظار مرة أخرى نحو الملف الأسود الذي لم يُفتح بعد...
يتبع...ساد الصمت داخل القاعة.
رفع رئيس اللجنة الملف الأسود ووضعه أمامه.
قال بهدوء
المستندات دي وصلتنا من هيئة الرقابة المالية، وهي مرتبطة بالشركة الأجنبية اللي استلمت التحويلات.
التفت كريم إلى سارة.
كانت شاحبة، لكن ملامحها لم تكن ملامح شخص مذنب... بل ملامح شخص خائف.
فتح رئيس اللجنة الملف.
ثم قال
قبل ما نستكمل، لازم أوضح إن التحقيق لسه في بدايته، ومفيش أي اتهام نهائي لأي شخص.
تنفست ندى بهدوء.
كانت تفضل دائمًا أن تُبنى الأحكام على الأدلة، لا على الظنون.
أخرج رئيس اللجنة أول مستند.
الشركة الأجنبية اتأسست قبل سبعة أشهر فقط... وكان الغرض المعلن
ثم أخرج مستندًا ثانيًا.
وبعد مراجعة سجلاتها، اتضح إنها تعاقدت مع شركة كريم فقط... وما اشتغلتش مع أي جهة تانية.
نظر كريم إلى سارة.
ليه؟
ردت وهي تحاول السيطرة على دموعها
لأن... لأن المشروع كان محتاج خبراء من بره.
لكن هشام قال بهدوء
متابعة القراءة