كنت رايحة ادي ابني
المحتويات
فين؟
نظر الرجل حوله، وكأنه يتأكد أن لا أحد يسمعه.
ثم أخرج من جيبه ورقة قديمة مطوية، ووضعها في يدها دون أن يفتحها.
وقال بهدوء
اقريها لما تبقي لوحدك... ولو فتحتيها هنا، مش هنعرف نكمل أي حاجة.
ثم قام من مكانه، ومشى وسط الزحام، واختفى بين الناس.
وقفت أمينة تنظر إلى الورقة المغلقة.
كانت تريد فتحها فورًا...
لكنها تذكرت أن كل خطوة استعجلتها منذ بدأت هذه القصة كانت تقودها إلى لغز أكبر.
فأعادت الورقة إلى حقيبتها، وقررت أن تعرف أولًا
من هو ذلك الرجل؟ ولماذا كان زوجها يتوقع، منذ سنوات طويلة، أن يأتي هذا اليوم؟
يتبع...رجعت أمينة البيت وهي ماسكة الورقة كأنها أغلى حاجة في الدنيا.
قفلت الباب، وأسدت الستاير، وقعدت على السفرة.
قدامها كانت متجمعة كل الخيوط
تذكرة اليانصيب.
المفتاح الصغير.
الصورة القديمة.
الدفتر البني.
والورقة اللي لسه ما فتحتهاش.
أخذت نفسًا عميقًا، وفتحت الورقة بحذر.
ما كانش فيها غير سطرين.
لو وصلتي للورقة دي، يبقى في حد سابقك بخطوة. متدوريش على الصندوق... دوري على اللي أخفى الصندوق.
وتحتها عنوان قديم في حي السيدة زينب.
وفي آخر الورقة توقيع بحرف واحد فقط
س
فضلت أمينة تردد الحرف.
س... سليم؟ سامي؟ سعيد؟
لكن مفيش اسم جه في بالها.
وقبل ما تقفل الورقة، لاحظت إن فيها بروز خفيف، كأن في كتابة تانية مستخبية.
جابت كشاف صغير، ومررت النور عليها بزاوية.
بدأت تظهر كلمات كانت مكتوبة بحبر سري.
احذري... في البيت شخص بينقل أخبارك.
تسمرت مكانها.
رفعت رأسها ببطء، وبصت حوالين الشقة.
البيت كان فاضي...
على الأقل ده اللي كانت معتقداه.
في اللحظة دي افتكرت إن من أسبوعين، جارها في الدور الأرضي عرض عليها يساعدها ويغير كالون الباب القديم لأنه بقى بيعلق.
وافقت وقتها من غير ما تفكر.
لكن...
هل غيّر الكالون فعلًا؟
ولا احتفظ بنسخة من المفتاح؟
قبل ما تلحق تكمل الفكرة، سمعت صوت خفيف جدًا عند باب الشقة.
مش خبط...
صوت مفتاح
اتسعت عيناها.
حد بيحاول يفتح الباب من بره.
أطفأت نور الصالة بسرعة، ووقفت من غير صوت.
المفتاح لف مرة...
واتنين...
ثم توقف.
بعد ثوانٍ، سمعت خطوات بتبتعد.
جريت ناحية العين السحرية.
لكن الممر كان فاضي.
على الأرض، قدام الباب، كان فيه ظرف أبيض صغير.
انتظرت دقيقة كاملة قبل ما تفتحه.
جواه فلاشة USB فقط...
وملحوظة قصيرة
الحقيقة مسجلة... لكن متشغليش الفلاشة على أي جهاز متصل بالإنترنت.
قبضت أمينة على الفلاشة بقوة.
دي أول مرة يبقى معاها دليل حقيقي، مش مجرد رسائل غامضة.
لكن السؤال اللي خوّفها أكتر من أي حاجة
مين الشخص اللي قدر يوصل لحد باب شقتها، ويحط الفلاشة، ويمشي... من غير ما تسمع غير صوت المفتاح؟
وفي نفس اللحظة، رن هاتفها من جديد.
المتصل هذه المرة...
نادية.
لكن أول ما أمينة ردت...
ما سمعتش صوت نادية.
سمعت صوت رجل غريب يقول بهدوء
متسأليش نادية دلوقتي... لأنها اختفت من ساعة.
وساد الصمت أمينة فضلت تبص للشريط دقائق طويلة.
كان جهاز الكاسيت قديم، ومغطى بطبقة تراب، لكنه سليم.
وصلته بالكهرباء، وحطت الشريط مكانه.
قبل ما تضغط زر التشغيل، سمعت صوت رسالة على موبايلها.
المرسل نادية.
لكن الرسالة كانت غريبة.
لو لقيتي الشريط... اسمعي أول خمس دقايق بس، وبعدها اقفليه. الباقي مش وقته.
رفعت أمينة حاجبها.
إزاي؟ هي مش مختفية؟
قبل ما تلحق تبعت رد، ظهر تحت الرسالة
هذا الرقم غير متاح الآن.
حاولت تتصل.
التليفون مغلق.
بصت لجهاز الكاسيت، وضغطت زر التشغيل.
خرج صوت تشويش لثوانٍ...
ثم ظهر صوت زوجها، واضح رغم مرور السنين.
أمينة... لو إنتِ اللي سمعاني، يبقى ربنا كتب إن الأمانة توصل لصاحبها.
بدأت دموعها تنزل من غير ما تحس.
آخر مرة سمعت صوته كانت قبل وفاته بسنوات.
أكمل التسجيل
أنا عارف إنك هتستغربي كل اللي بيحصل، لكن أوعديني متحكميش على أي حد قبل ما تعرفي الحقيقة كاملة.
ثم ساد صمت قصير.
أول حاجة لازم تعرفيها... إن
قبضت أمينة على طرف الكرسي.
كان واضح إن الموضوع أكبر من مجرد فلوس.
أكمل زوجها
أما كريم...
وفجأة...
توقف الشريط.
الجهاز أصدر صوت طقطقة.
لفت أمينة الشريط، وحاولت تشغله تاني.
لكن الجزء الباقي ما اشتغلش.
أخرجت الشريط بسرعة.
لاحظت إن جزءًا منه مقطوع بعناية.
مش اتلف مع الزمن...
اتقص بالمقص.
يعني حد فتح الصندوق قبلها، وقص الجزء اللي بيتكلم فيه عن كريم، ثم رجعه مكانه.
في نفس اللحظة، سمعت صوت جرس الباب.
لكن هذه المرة كان شخصًا يقول من الخارج
يا مدام أمينة... معايا طرد باسم حضرتك.
لم تتحرك.
قال الرجل مرة أخرى
المرسل اسمه... نادية.
اتسعت عيناها.
هل نادية أرسلت الطرد قبل اختفائها؟
أم أن هناك شخصًا يستخدم اسمها؟
أمينة وقفت خلف الباب، وقالت بحذر
سيبه قدام الباب.
رد الرجل
لازم توقيع.
سكتت أمينة.
وبعد ثوانٍ...
سمعت خطواته تبتعد.
انتظرت خمس دقائق كاملة، ثم نظرت من العين السحرية.
كان الممر خاليًا.
لكن الطرد كان موجودًا.
علبة صغيرة مغلفة بعناية.
وعليها عبارة واحدة فقط بخط اليد
الجزء المفقود... لكنه مش هيفتح إلا بالمفتاح الصغير.
أمسكت أمينة العلبة، وقلبها يخبرها أن السر الذي حُذف من الشريط... ربما يكون بداخلها قبضت أمينة على الهاتف بقوة.
إنت مين؟
جاءها الرد هادئًا بشكل مريب
ده مش السؤال المهم... السؤال هو نادية سابتلك إيه قبل ما تختفي؟
ترددت أمينة.
ثم قالت بحذر
أنا معرفش حضرتك بتتكلم عن إيه.
ضحك الرجل ضحكة قصيرة.
كويس... يبقى لسه بتتعلمي.
وانقطع الخط.
ظلت تنظر إلى شاشة الهاتف.
بعد أقل من دقيقة، وصلتها رسالة من نفس الرقم
بصي تحت الترابيزة اللي في الصالة.
تجمدت.
هذه هي نفس الترابيزة التي كانت تضع عليها الفواتير لسنوات.
اقتربت منها ببطء، وانحنت.
في أسفلها، كان هناك شيء مثبت بشريط لاصق قديم.
نزعت الشريط بحذر.
خرج مفتاح آخر... لكنه
ومعه ورقة صغيرة مكتوب عليها
المفتاح الصغير يفتح الحقيقة... والكبير يحميها.
لم تفهم شيئًا.
لكنها بدأت تدرك أن زوجها الراحل كان يخبئ أشياء في أماكن لا يمكن لأحد أن يتخيلها.
وفجأة...
سمعت طرقًا خفيفًا على باب الشقة.
هذه المرة لم يكن عنيفًا.
ثلاث طرقات متتالية...
ثم سكون.
نظرت من العين السحرية.
لم تجد أحدًا.
فتحت الباب بحذر شديد.
كان الممر خاليًا.
لكن على الأرض وُضع صندوق خشبي صغير، لا يزيد حجمه عن علبة أحذية.
حملته بسرعة وأغلقت الباب.
كان الصندوق مقفلًا...
وبجانبه لوحة معدنية صغيرة عليها فتحة مفتاح.
جربت المفتاح الصغير.
لم يدخل.
جربت المفتاح الكبير.
دار بسهولة...
وصدر صوت تك.
فتحت الغطاء.
لم تجد ذهبًا، ولا أموالًا، ولا مستندات.
بل جهاز تسجيل صوتي قديم، ومعه شريط كاسيت واحد فقط.
وعلى الشريط ورقة مكتوب عليها بخط زوجها
أمينة... لو وصلتي للشريط ده، يبقى في ناس سبقتني تحاول تخفي الحقيقة. اسمعيه للنهاية... لكن إوعي تخلي كريم يعرف إنك سمعتيه.
توقفت أمينة عن التنفس لثوانٍ.
وضعت الشريط في يدها وهي ترتجف.
ولأول مرة منذ بدأت هذه الأحداث...
شعرت أن زوجها كان يعلم منذ سنوات أن يومًا كهذا سيأتي.
لكنها لم تكن تعرف بعد...
ماذا يوجد داخل التسجيل؟
ولماذا أوصى زوجها ألا يعرف كريم شيئًا عنه؟
انتهى الفصل على هذا السر، بينما بقيت إجابة الشريط مخفية... تنتظر اللحظة المناسبة لتكشف أول جزء من الحقيقة أغلقت أمينة الهاتف ببطء، لكن الجملة ظلت تتردد في رأسها
اللعبة بدأت.
لم تكن تعرف هل تشعر بالخوف... أم بالغضب.
جلست دقائق تحاول أن تربط كل ما حدث.
شخص يعرف أنها كسبت اليانصيب.
نادية تختفي.
الشريط مقصوص.
العلبة تم فتحها قبلها.
وكريم خرج من المستشفى دون أن يخبرها.
رفعت هاتفها واتصلت بكريم.
رن مرة...
ثم أغلق الخط.
بعدها بثوانٍ، وصلت رسالة منه
ماما، أنا كويس. متتعبيش نفسك وتدوري عليا. لما أرتاح هاجي أشوفك.
قرأت الرسالة أكثر من مرة.
كانت أول مرة في حياته يخرج من المستشفى ولا يطلب منها أن تأتي إليه.
همست
إنت رايح فين يا كريم؟
وفجأة سمعت صوت موتور سيارة يقف أمام العمارة.
رفعت طرف الستارة بحذر.
لم تكن
متابعة القراءة