كنت رايحة ادي ابني

لمحة نيوز

بالأبيض والأسود.
أول ما بصت للصورة، شهقت.
الصورة كانت لزوجها الراحل...
واقف جنب نادية...
وجنبهم رجل ثالث أمينة عمرها ما شافته.
لكن أغرب حاجة...
إن الرجل الغريب كان شايل طفل صغير.
ولما قربت الصورة من وشها...
اكتشفت إن الطفل ده هو كريم.
لكن تاريخ الصورة المكتوب وراها كان قبل تاريخ ميلاد كريم بسنتين!
وقبل ما تستوعب اللي شافته...
قالت نادية بصوت منخفض
دلوقتي فهمتي ليه قلتلك إن اللي سمعتيه في المستشفى مش هو السر الحقيقي...
وسكتت فجأة.
كأن حد دخل عليها المكان.
ثم همست بسرعة
لو عايزة تعرفي الحقيقة... لازم توصلي للمفتاح قبل ما يوصلوله هم.
وانقطع الخط من جديد فضلت أمينة ماسكة الصورة بإيد، والمفتاح الصغير بالإيد التانية.
كل اللي في دماغها كان سؤال واحد
إزاي صورة كريم موجودة بتاريخ أقدم من تاريخ ميلاده؟
قلبت الصورة مرة واتنين.
لحد ما اكتشفت إن التاريخ مكتوب بخط مختلف عن باقي الكتابة، وكأنه اتكتب بعد سنين.
تنفست الصعداء قليلًا.
يبقى فيه حد لعب في التاريخ... لكن ليه؟
في اللحظة دي، لاحظت حاجة تانية.
في زاوية الصورة ختم باهت لاستوديو تصوير قديم اسمه استوديو النيل شبرا.
وقبل ما تلحق تفكر، وصلتها رسالة جديدة من نادية
بصي كويس في الصورة... مش الأشخاص، الخلفية.
رفعت أمينة الصورة تحت نور الأباجورة.
كانت الخلفية عبارة عن سور حديدي كبير، وخلفه مبنى قديم، وفوق البوابة لافتة صغيرة.
كبرت الصورة بكاميرا الموبايل.
الكلمات كانت غير واضحة... لكن قدرت تقرأ جزءًا منها
... الأمانات.
مش مستشفى...
ولا شركة...
بل مكان اسمه فيه كلمة الأمانات.
رن جرس الباب مرة تانية.
لكن المرة دي كان بعنف.
يا مدام أمينة... افتحي، إحنا من قسم الشرطة.
اتجمد الدم في عروقها.
قربت من العين السحرية.
الراجل اللي كان لابس بدلة اختفى.
لكن واقف برة اتنين بملابس مدنية، ومعاهم واحد لابس زي شرطة.
كانت هتفتح...
لكن تليفونها اهتز.
رسالة جديدة من نادية
لو قالولك إنهم
شرطة، اطلبي منهم يذكروا اسم الضابط المسؤول ورقم المأمورية من غير ما تفتحي الباب.
أخدت أمينة نفسًا عميقًا وقالت من وراء الباب
حضرتكم تبع أنهي قسم؟ ورقم المأمورية كام؟
ساد صمت لثوانٍ.
ثم رد أحدهم بعصبية
افتحي الأول وإحنا هنفهمك.
ابتعدت أمينة فورًا عن الباب.
لو كانوا رسميين، كان الرد هيكون أسهل من كده.
وفجأة...
سمعت صوت محرك العربية السوداء يدور بسرعة.
وبعد ثوانٍ اختفت كل الأصوات.
رجعت تبص من الشباك بحذر.
العربيتان رحلتا.
لكن على الرصيف المقابل...
كان فيه ولد صغير، لا يتعدى 12 سنة، واقف يبصلها.
أول ما لمحها، جري بسرعة، وحط ظرفًا أبيض تحت باب العمارة، ثم اختفى بين الشوارع.
نزلت أمينة بعد ما اتأكدت إن المكان هادي.
فتحت الظرف.
ماكانش فيه غير ورقة واحدة مكتوب فيها بخط اليد
لو معاكي المفتاح، يبقى ناقصك الصندوق... والصندوق مش في البيت اللي إنتِ فاكرة إنه بيتك.
وفي أسفل الورقة...
كان مرسوم رقم
17
ولا أي تفسير.
ولا أي اسم.
ولا أي توقيع.
أمينة رفعت رأسها، وهمست لنفسها
واضح إن الحكاية لسه في أولها...رجعت أمينة للشقة وقفلت الباب بالمفتاح والمزلاج.
حطت الورقة جنب الصورة والظرف الأصفر، وفضلت تبص للرقم المكتوب
17
رقم شقة؟ رقم مفتاح؟ ولا رقم صندوق؟
وفجأة افتكرت حاجة كانت ناسية إنها موجودة.
من أكتر من عشرين سنة، جوزها الله يرحمه كان دايمًا يقول لها
لو جرالي حاجة، افتحي الدفتر البني... بس أوعي تفتحيه قبل أوانه.
بعد وفاته، دورت على الدفتر أيام طويلة، لكنها ما لقتوش، وافترضت إنه ضاع وسط نقل العفش.
لكن وهي بتفتش في الدولاب اللي تحت السلم، لقت صندوق خشب قديم مليان أوراق وفواتير.
وفي آخره...
كان فيه دفتر بني صغير، مغلف بجلد باهت.
اتسعت عيناها.
معقول... كان هنا طول السنين دي؟
فتحته بحذر.
أول صفحتين كانوا فاضيين.
وفي الصفحة الثالثة جملة واحدة بخط جوزها
لو بتقري الكلام ده، يبقى نادية قدرت توصلك.
شهقت أمينة.
قلبت الصفحة بسرعة.

لكنها لقتها ممزقة.
والصفحة اللي بعدها كمان ممزقة.
كأن حد فتح الدفتر قبلها وشال أهم ورقتين منه.
وفي آخر الدفتر كانت فيه ورقة صغيرة مطوية.
فتحتها.
كان مرسوم عليها مفتاح بنفس شكل المفتاح اللي لقيته في الظرف.
وتحت الرسم كلمة واحدة
الخزانة... 17.
وقبل ما تستوعب، رن هاتفها.
هذه المرة كان الاتصال من كريم.
ظل يرن مرة...
واتنين...
وتلاتة.
وفي النهاية ردت.
جالها صوت كريم، لكن نبرته كانت مختلفة.
هادئة زيادة عن اللزوم.
ماما... إنتِ كويسة؟
أيوه.
الغريبة إن ناس جم هنا في المستشفى بيسألوا عنك.
سكتت أمينة.
فسألته
مين الناس دول؟
رد كريم
بيقولوا إنهم من شركة اليانصيب... وبيقولوا إنهم مش هيمشوا غير لما يقابلوكي.
تجمدت أمينة.
هي لسه ما أعلنتش الجائزة.
ولا حد المفروض يعرف.
إزاي وصلوا للمستشفى؟
وقبل ما تسأله أي سؤال تاني...
سمعت صوت راجل بعيد عن السماعة بيقول
قولهالها متقلقش... إحنا بس محتاجين نتأكد من بياناتها.
ثم انقطع الصوت فجأة، وكأن كريم غطى الميكروفون بسرعة.
رجع يتكلم بصوت منخفض جدًا
ماما... لو عندك أي ورق قديم كان بتاع بابا... خبيه كويس.
ثم بصوت أعلى وكأنه بيكلم شخصًا واقفًا قدامه
أيوه يا فندم... هقولها تيجي.
وقفل المكالمة.
أمينة فضلت ماسكة الموبايل.
أول مرة تحس إن كريم نفسه بيتكلم بطريقتين...
طريقة موجهة لها...
وطريقة موجهة للي واقفين حواليه.
وفي نفس اللحظة وصلتها رسالة أخيرة من نادية
ما تثقيش في أي حد دلوقتي... حتى لو حسيت إنه بيحاول يحميكي. السر الحقيقي مربوط بحاجة حصلت من أكتر من خمسة وعشرين سنة... ولسه محدش قاله كامل.
أمينة بصت للمفتاح مرة تانية...
وهمست
الخزانة رقم 17... يا ترى مخبية إيه؟
ولأول مرة، قررت إنها تخرج من البيت قبل الفجر... من غير ما تعرف أي حد رايحة فين قبل أذان الفجر بساعة، كانت أمينة ماشية في شوارع شبرا الهادية، لابسة إسدال غامق، وحاطة المفتاح في جيبها الداخلي، أما تذكرة اليانصيب فكانت مخبياها
في مكان غير متوقع داخل البيت، بعيد عن أي أوراق أو دولاب.
كانت كل شوية تبص وراها.
يمكن خوف...
ويمكن إحساس إن حد فعلًا بيراقبها.
أخرجت الورقة اللي مكتوب عليها
الخزانة... 17
لكن السؤال كان
خزانة فين؟
في اللحظة دي افتكرت جملة قديمة قالها جوزها قبل وفاته بشهور
أنا مضطر أروح محطة مصر أخلص موضوع الأمانات.
وقتها ما اهتمتش بالكلام.
لكن دلوقتي...
كلمة الأمانات رجعت تتكرر قدامها للمرة التانية.
ركبت تاكسي، وقالت للسواق
على محطة مصر.
وصلت قبل ما المكان يزحم.
دخلت وهي بتحاول تبان طبيعية.
فضلت تسأل بعينيها لحد ما شافت لافتة صغيرة مكتوب عليها
مكتب الأمانات.
قلبها دق بقوة.
قربت من الموظف.
وقالت بهدوء
هو عندكم خزائن مرقمة؟
بصلها باستغراب.
حضرتك تقصدي الأمانات القديمة؟
هزت رأسها.
فتح الموظف سجلًا قديمًا، وقلب فيه شوية.
ثم قال
فيه خزانة رقم 17 فعلًا... لكنها مقفولة من سنين طويلة، ومفيش حد جه يسأل عنها.
ابتلعت أمينة ريقها.
ولو معايا المفتاح؟
رفع الموظف عينه إليها لأول مرة باهتمام.
المفتاح لوحده ما يكفيش... لازم يبقى معاه كلمة التحقق.
اتجمدت.
كلمة التحقق؟
أيوه... النظام القديم كان بيشتغل بمفتاح وكلمة سر.
حست أمينة إن الخيط وقف تاني.
لكن قبل ما تمشي، لمح الموظف المفتاح الصغير اللي وقع منها على الأرض.
تغير لون وشه.
انحنى بسرعة، التقطه، وبص له ثواني.
ثم همس
غريبة...
إيه؟
رجع لها المفتاح وقال
ولا حاجة... بس المفتاح ده مش شبه مفاتيح الخزائن اللي عندنا.
خرجت أمينة وهي حاسة إن الدائرة بتوسع.
المفتاح مش للخزانة.
يبقى للخزانة إيه؟
وهي خارجة من المحطة، لقت راجلًا مسنًا كان قاعد على مقعد قريب، بيراقبها من أول ما دخلت.
أشار لها بإيده.
ترددت، لكنها قربت بحذر.
ابتسم الرجل وقال
أنا كنت مستني اليوم ده من سنين.
اتسعت عيناها.
حضرتك تعرفني؟
هز رأسه بالنفي.
لا... لكن أعرف المفتاح اللي معاكي.
قبضت على حقيبتها.
مين حضرتك؟
تنهد الرجل وقال
أنا
كنت زميل جوزك... وآخر مرة شفته، سلمني أمانة وقال لي لو في يوم جت ست اسمها أمينة، ومعاها مفتاح صغير، قول لها إنها لسه بتدور في المكان الغلط.
شعرت أمينة بقشعريرة تسري في جسدها.
أمال المكان الصح
تم نسخ الرابط