يابيه
المحتويات
مكانه.
الكل كان مستني قراره.
كريم عارف إن مكالمة واحدة منه ممكن تقلب المدينة كلها، وإن الشخص اللي بعت الرسالة مش حد عادي.
لكن سارة كانت ماسكة إيده بكل ثقة، كأنها مش شايفة غير حاجة واحدة بس...
إنها عايزة تروح الحضانة مع الشخص اللي وعدها.
نزل أدهم نظره لها.
وقال بهدوء
يلا.
اتنفس كريم براحة صغيرة.
لكن وهو بيركب العربية قرب من أدهم وقال بصوت منخفض
باشا، لازم ناخد احتياطنا.
رد أدهم وهو بيربّت على شنطة سارة الصغيرة اللي حطاها جنبها
مش النهارده.
استغرب كريم.
يعني إيه؟
بص له أدهم وقال
النهارده أنا مش رايح اجتماع.
وسكت لحظة.
النهارده أنا رايح أوفي بوعد لطفلة.
وصلوا قدام الحضانة.
أول ما العربية وقفت، كل العيون اتجهت ناحيتها.
مش بسبب العربية بس...
لكن بسبب الرجل اللي نزل منها.
أدهم الشافعي.
الرجل المعروف إنه ما بيظهرش في الأماكن العادية.
سارة نزلت وهي ماسكة إيده.
دخلوا الساحة الصغيرة، والأطفال كانوا بيجروا ويلعبوا.
لكن أول ما شافوا أدهم، بعض الأمهات بصوا لبعض باستغراب.
واحدة همست
ده مين؟
والتانية قالت
واضح إنه شخصية مهمة.
سارة ما اهتمتش بأي حد.
كانت فرحانة جدًا.
شدته من إيده وقالت
بص... دي صحبتي هنا.
وقفت قدام طفلة صغيرة وقالت بفخر
ده الشخص اللي جاي معايا النهارده.
الطفلة بصت لأدهم بخوف بسيط.
ثم قالت
هو طويل أوي.
ضحكت سارة.
آه... بس مش بيخوف.
نظر أدهم لها باستغراب.
هي كانت أول شخص يقول عنه كده.
بدأ يوم العيلة.
كل الأطفال كانوا بيجروا حوالين أهاليهم.
أب بيصور ابنه.
أم بتعدل شعر بنتها.
ضحكات في كل مكان.
أما أدهم...
فكان واقف في البداية مش عارف يعمل إيه.
هو يعرف يتفاوض.
يعرف يخطط.
يعرف يواجه.
لكن اللعب مع طفلة صغيرة؟
كان عالم جديد تمامًا.
سارة رفعت إيدها وقالت
يلا نرسم.
جلس بجانبها على الطاولة الصغيرة.
وضعت قدامه ألوان.
وقالت
ارسم حاجة بتحبها.
مسك القلم.
وسكت.
لأول مرة من سنين...
ما عرفش يرسم إيه.
لاحظت سارة صمته.
قالت
مش فاكر؟
نظر لها.
إيه؟
قالت
الحاجة اللي
ظل ساكتًا.
ثم قال
يمكن نسيت.
بصت له الطفلة بجدية.
يبقى لازم تفتكر.
في الجهة الأخرى من الساحة...
كان فيه شخص واقف بعيد يراقب.
رجل في منتصف العمر.
ملامحه جامدة.
وفي إيده صورة قديمة لأدهم.
قال بصوت منخفض
اتغيرت يا أدهم...
ثم نظر ناحية سارة.
بس يا ترى... الطفلة دي نقطة ضعفك؟
بعد انتهاء اليوم، خرجت سارة وهي ماسكة بالونة.
كانت سعيدة جدًا.
قالت
أنا مبسوطة.
نظر لها أدهم.
ليه؟
ابتسمت.
عشان النهارده أول مرة من زمان أحس إن عندي حد أجيبه معايا.
الجملة وقفت في قلبه.
لأنه لأول مرة حس إن في حد صغير محتاجه...
مش خايف منه.
ولا عايز منه فلوس.
ولا بيطلب منه خدمة.
فقط...
عايز وجوده.
لكن قبل ما يركبوا العربية، رن هاتف كريم.
رد بسرعة.
وبعد ثواني تغير وجهه.
قرب من أدهم وقال
باشا...
توقف.
في خبر مش كويس.
نظر له أدهم.
قول.
قال كريم
الراجل اللي كان بيراقبنا... اختفى.
سكت لحظة.
ثم أضاف
وساب رسالة.
أدهم أخذ الورقة.
فتحها.
وكان مكتوب فيها جملة واحدة
أنت قدرت تهرب من كل أعدائك يا أدهم... لكن المرة دي، أنت بنفسك فتحت الباب.
رفع أدهم عينه ببطء.
ونظر إلى سارة التي كانت تضحك وهي تلعب بالبالونة.
ولأول مرة منذ سنوات...
شعر أن هناك شيئًا يخاف عليه أكثر من نفسه أمسك أدهم الورقة بين أصابعه، وظل ينظر للجملة المكتوبة عليها.
لم تكن مجرد تهديد...
كان يعرف صاحب الخط.
يعرف طريقة التفكير.
ويعرف أن الشخص الذي كتبها لا يرمي كلمات من غير حساب.
اقترب كريم منه وقال بصوت منخفض
باشا... نرجع القصر فورًا.
لكن أدهم لم يتحرك.
كان ينظر إلى سارة.
كانت واقفة بعيد، تحاول تجعل البالونة تطير وهي تضحك، غير مدركة أن وجودها في يوم واحد فقط جعلها تدخل عالمًا لم يكن لها أي علاقة به.
قال أدهم بهدوء
مين شاف الرسالة؟
رد كريم أنا بس.
ومين يعرف إن البنت كانت معانا؟
سكت كريم لحظة.
ثم قال اللي كتب الرسالة.
تغيرت ملامح أدهم.
لكنه لم يظهر خوفًا.
فقط قال
يبقى من النهارده... مفيش حد يقرب منها.
في طريق العودة، كانت سارة
أما أدهم فكان صامتًا.
كريم كان يراقبه من المرآة.
لأول مرة منذ عشر سنوات يرى أدهم مشغولًا بشخص آخر غير نفسه.
قال كريم
باشا...
نعم؟
ممكن أسأل سؤال؟
نظر له أدهم.
اسأل.
تردد كريم ثم قال
ليه وافقت من البداية؟
لم يرد أدهم فورًا.
نظر من الشباك.
ثم قال
لأنها طلبت حاجة بسيطة.
سكت قليلًا.
ويمكن... عشان محدش طلب مني حاجة بسيطة من غير مقابل من زمان.
لم يجد كريم ردًا.
عندما وصلوا القصر، ركضت سارة ناحية الحديقة.
قالت بحماس
هنا المرجيحة!
ابتسمت مريم التي كانت تنتظرها عند الباب.
كانت متوترة طوال اليوم، لكنها عندما رأت ابتسامة ابنتها ارتاحت.
قالت أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا بيه.
رد أدهم مافيش داعي.
لكن قبل أن تنصرف، توقفت مريم.
وقالت
بس يا بيه... ممكن أسألك سؤال؟
نظر لها.
اتفضلي.
قالت بتردد
إنت... كنت تعرف باباها؟
تغيرت نظرة أدهم.
لا.
هزت رأسها.
غريبة.
ليه؟
قالت
عشان سارة من أول ما شافتك قالتلي الراجل ده حزين زي بابا.
سكت أدهم.
ولم يجد جوابًا.
في تلك الليلة...
كان القصر هادئًا.
أدهم دخل مكتبه، وأخرج صندوقًا صغيرًا من درج قديم.
فتح الصندوق.
كان بداخله صورة قديمة لرجل وطفل صغير.
وقف ينظر للصورة طويلًا.
ذكريات كان دافنها من سنين بدأت تظهر من جديد.
وفجأة...
رن الهاتف.
رد.
جاءه صوت مجهول
واضح إن عندك نقطة ضعف جديدة.
سكت أدهم.
قال الصوت
بس السؤال يا أدهم... لما تضطر تختار بين إمبراطوريتك... وبين البنت الصغيرة دي، هتختار إيه؟
أغلق أدهم الهاتف ببطء.
وفي نفس اللحظة...
سمع صوتًا صغيرًا خلف الباب.
أدهم؟
التفت.
كانت سارة واقفة وهي تحمل ورقة رسم.
قالت
عملتلك حاجة.
اقتربت منه.
فتحت الورقة.
كانت رسمة بسيطة...
رجل طويل ماسك إيد طفلة صغيرة.
وتحتها كتبت بحروف غير مرتبة
أدهم وصاحبته سارة.
نظر أدهم للرسمة.
ثم نظر لها.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة...
لم يعرف ماذا يقول ظل أدهم واقفًا مكانه، والورقة في إيده.
كانت رسمة طفولية جدًا...
خطوط
لكن بالنسبة له...
كانت أغلى من أي ورقة توقيع بملايين.
رفعت سارة عينيها له وقالت
مش عاجباك؟
انتبه أدهم بسرعة.
وقال لا.
ثم صحح كلامه
عاجباني.
ابتسمت.
كنت عارفة.
استغرب.
عرفتي إزاي؟
قالت وهي تشاور على قلبه
عشان وشك بيقول كده.
للحظة، لم يجد أدهم ردًا.
هو الذي كان يعرف يقرأ خوف الناس من نظراتهم...
طفلة صغيرة استطاعت تقرأه هو.
في الصباح التالي...
استيقظ القصر على حركة غير عادية.
رجال الحراسة منتشرين في كل مكان.
كريم فوزي كان واقف في غرفة المراقبة، يتابع الشاشات بتركيز.
دخل عليه أحد الرجال وقال
لقينا العربية اللي كانت بتراقب القصر.
رفع كريم عينه.
ومين وراها؟
الرجل تردد.
المشكلة إن العربية فاضية.
سكت كريم.
ثم قال
يعني حد كان عايزنا نلاقيها.
في الحديقة...
كانت سارة بتجري وراء فراشة، وأدهم واقف بعيد يراقبها.
دخلت مريم وهي متوترة.
قالت
يا بيه... أنا آسفة لو سببتلك مشاكل.
رد بهدوء
إنتِ ماعملتيش حاجة.
بس وجود بنتي هنا...
قاطعها
وجودها مش مشكلة.
نظرت له باستغراب.
فأضاف
المشكلة في اللي بيحاول يستخدم أي حد عشان يوصل لي.
سكتت مريم.
ثم قالت
أنا مش عايزة سارة تدخل في عالمك.
نظر أدهم لها.
وكان واضحًا في صوته أنه متفق معها.
ولا أنا.
في نفس الوقت...
في مكان آخر من المدينة...
كان الرجل صاحب الرسالة جالسًا أمام طاولة.
أمامه صور لأدهم.
وصورة جديدة لسارة وهي تمسك يده أمام الحضانة.
ابتسم ابتسامة باردة.
وقال
كنت دايمًا فاكر إن مفيش حاجة تقدر تهزك يا أدهم.
مزق صورة قديمة.
لكن كل إنسان عنده باب.
عاد كريم إلى الحديقة بسرعة.
اقترب من أدهم وقال
باشا... عرفنا مين هو.
نظر له أدهم.
مين؟
أخذ كريم نفسًا عميقًا.
طارق المنشاوي.
تغير وجه أدهم.
حتى سارة، التي كانت تلعب بعيدًا، لم تكن تعرف أن الاسم ده يحمل تاريخًا طويلًا.
قال كريم
الراجل اللي اختفى من سنين.
سكت لحظة.
والراجل الوحيد اللي خرج من مواجهتك قبل كده من غير ما تخسر.
ظل أدهم
لأن ظهور طارق لم يكن معناه مشكلة عادية.
كان معناه أن الماضي الذي حاول يدفنه...
عاد يفتح بابه من جديد.
وفجأة...
جاء صوت سارة من بعيد
أدهم! تعالى شوف!
التفت إليها.
كانت ماسكة زهرة صغيرة.
دي ليك.
اقترب منها.
أخذ الزهرة.
وفي نفس اللحظة، وصلته رسالة جديدة على هاتفه.
فتحها.
وكان فيها صورة...
صورة لسارة
متابعة القراءة