يابيه

لمحة نيوز

يا بيه... ممكن أستلفك يوم واحد؟
السؤال البريء دوّى داخل غرفة اجتماعات سرية، كان فيها اتناشر من أخطر رجال العصابات في القاهرة بيقرروا مين هيدفع تمن الليلة قبل ما الفجر يطلع. مسدس معبّي كان مرمي فوق قطعة قماش سوداء، وخرائط لأحياء المدينة مفروشة على ترابيزة خشب ضخمة، ودخان السيجار مالي المكان كأنه سحابة واقفة في الهوا.
وعلى رأس الترابيزة كان قاعد أدهم الشافعي... الرجل اللي مجرد سماع اسمه كان كفاية يخلي الناس تسيب المكان من غير حتى ما تطلب الحساب.
وأمام مسدسه مباشرة، واقفة طفلة عندها تلات سنين، لابسة فستان أصفر، وماسكة في إيدها قلم شمع بنفسجي.
كل الموجودين كانوا عارفين إن الطفلة دي دخلت اجتماع ممكن يغيّر موازين القوة في عالم الجريمة.
ولا حد اتحرك.
ولا حد اتكلم.
ولا حتى حد تجرأ يبص باستغراب.
الجميع كانوا مستنيين أدهم الشافعي ينفجر غضب.
لكنه رفع صباع واحد بس.
في أقل من ثواني، الاتناشر راجل وقفوا بهدوء. كل واحد شال كرسيه من غير صوت، جمع أوراقه، وخرج في صمت تام، وسابوا المسدس، والخرائط، والطفلة، ورئيسهم لوحدهم.
آخر واحد خرج كان كريم فوزي... الرجل اللي فضل واقف جنب أدهم عشر سنين كاملة.
كان ذراعه اليمين.
حضر معاه كل الأفراح والعزا، وكل الاجتماعات والاتفاقات والحروب. خد رصاص مكانه أكتر من مرة، وكان حافظ أسرار الإمبراطورية كلها، من خزائن الفلوس لحد أسماء الناس اللي بتشتغل لحسابهم.
وقبل ما يقفل الباب، بص للطفلة نص ثانية بس.
لكن أدهم لاحظ النظرة.
في نفس اللحظة دخلت أم الطفلة وهي بتجري.
مريم السيد، العاملة في تنظيف القصر، كان وشها أصفر من الخوف. نزلت على ركبها بسرعة ومسكت بنتها بإيدين بترتعش.
وقالت
أنا آسفة جدًا يا بيه... أختي تعبت بالليل، والست اللي كانت هتقعد مع بنتي اعتذرت. افتكرت هسيبها في المغسلة معايا... ماكنتش أتخيل إنها تدخل هنا. أنا هقدم استقالتي حالًا.
أدهم

ما ردش.
أما الطفلة، فكانت قعدت على الكرسي المقابل ليه، وبدأت ترسم وش بيضحك بالقلم البنفسجي على القماش الأسود اللي جنب المسدس.
ضفايرها كانت مفكوكة، وشرابها الأبيض نازل من رجلها، ولسانها طالع من جنب بقها وهي مركزة في الرسمة.
بصلها أدهم بحذر.
وسأل
اسمك إيه؟
رفعت عينيها وقالت بابتسامة
سارة.
بص لأمها.
وانتي؟
مريم السيد.
ليه قالت إنها عايزة تستلفني؟
بلعت ريقها وقالت
والله معرفش يا بيه.
لكن الطفلة قاطعتهما بسرعة.
أنا عارفة.
بصلها أدهم.
حطت القلم قدامها، وضمت إيديها فوق الترابيزة وكأنها داخلة تفاوض.
وقالت
بكرة في الحضانة عندنا يوم العيلة. كل الأطفال هيجيبوا باباهم أو جدهم أو أي حد كبير.
وسكتت لحظة.
بابايا راح عند ربنا... وماما قالت يمكن ما أروحش.
مريم غمضت عينيها.
زوجها أحمد السيد توفى من تمانية شهور بأزمة قلبية وهو عنده أربعة وتلاتين سنة. كان شغال في موقع بناء، وفجأة وقع على الأرض، وكل محاولات إنقاذه فشلت.
وفي الليلة دي...
سارة فضلت واقفة عند الشباك، ماسكة رسمة كانت عاملاها لباباها...
بس هو ما رجعش.
فضل أدهم باصص للطفلة.
وقال بهدوء
وعايزة تستلفيني؟
هزت رأسها بحماس.
يوم واحد بس.
إيه اللي هنعمله؟
قالت وهي بتعد على صوابعها
هنروح الحضانة... وبعدها الجنينة... وتزقني على المرجيحة لحد ما أوصل السما... وبعدين ناكل آيس كريم فراولة.
وبعدين بصتله وقالت ببراءة
ماما قالت مش معانا فلوس نجيب آيس كريم الأسبوع ده... بس أكيد إنت معاك فلوس كتير.
أدهم الشافعي واجه رجال أعمال وسياسيين ومجرمين حاولوا يهددوه...
لكن عمره ما احتار قدام طفلة بالشكل ده.
ردد بهدوء
يوم واحد... حضانة... وجنينة... وآيس كريم فراولة.
ابتسمت سارة وهزت رأسها.
وبعدين قالت بمنتهى الجدية
بس لازم تلبس هدوم عادية... بابايات زمايلي مش بيلبسوا بدلة سودة زي بتاعة العزا.
سادت لحظة صمت.
ثم لف أدهم ناحية الباب وقال بصوت هادئ
يا
كريم.
الباب اتفتح فورًا، ودخل كريم وهو ماسك دفتر المواعيد.
قال أدهم
فضّيلي جدول بكرة كله.
تجمد القلم في إيد كريم.
وسأله بدهشة
اليوم كله يا باشا
حكايات_ميراا
اليوم كله يا باشا؟
خرجت الكلمة من فم كريم فوزي كأنه مش مصدق اللي سمعه.
أدهم الشافعي ما كانش من النوع اللي يفضّي ساعة من وقته لأي حد، فما بالك بيوم كامل؟
الراجل اللي مواعيده كانت متقسمة بالدقيقة، واللي ناس كتير كانت تستنى مكالمة منه أسابيع، فجأة بيشطب كل حاجة عشان طفلة عندها تلات سنين طلبت منه يروح معاها الحضانة.
بص كريم ناحية سارة.
كانت لسه قاعدة على الكرسي، بتحرك رجليها الصغيرة وهي مستنية الرد، وكأنها مش حاسة إنها قلبت نظام المكان كله.
قال كريم بحذر بس يا باشا... عندك اجتماع مع وفد كبير الصبح، وبعده موضوع الشحنة، وفي ناس مستنيين قرارك.
رفع أدهم عينه له.
نظرة واحدة بس.
فسكت كريم فورًا.
أدهم قال كل حاجة تتأجل.
كريم هز رأسه ببطء.
لكن قبل ما يخرج، سارة نادته
يا عمو.
وقف كريم.
بص لها باستغراب.
قالت إنت كمان تيجي معانا؟
لأول مرة من سنين، كريم فوزي ما عرفش يرد بسرعة.
الراجل اللي وقف قدام أخطر المواقف من غير ما يرمش، وقف قدام طفلة صغيرة محتار يقولها إيه.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال ليه؟
ردت سارة بمنتهى الجدية عشان شكلك زعلان طول الوقت... يمكن لما تلعب معايا تضحك شوية.
اتسعت عيون كريم للحظة.
أما أدهم، ففضل ساكت.
لكن في عينه ظهر شيء غريب...
شيء محدش من رجاله شافه قبل كده.
حنان بسيط اختفى بسرعة.
مريم كانت واقفة جنب الباب، مش عارفة تقول إيه.
قالت بصوت متردد يا بيه... أنا مش عايزة أسببلك إزعاج. سارة قالت كلام أطفال وخلاص. أنا هاخدها ونمشي.
قبل ما تتحرك، صوت أدهم وقفها
استني.
وقفت مكانها.
قال بكرة الساعة تسعة تكوني عند البوابة.
فتحت عينيها بدهشة.
أنا؟
أيوه.
بس يا بيه...
قاطعها سارة محتاجة أمها تكون موجودة.
سكتت مريم.

كانت متعودة تشوف الأغنياء والناس أصحاب النفوذ يعاملوا العاملين عندهم كأنهم مش موجودين.
لكن طريقة كلام أدهم كانت مختلفة.
مش دافئة...
لكن فيها احترام.
خرجت مريم وهي ماسكة إيد بنتها.
وقبل ما سارة تختفي خلف الباب، رجعت بصت لأدهم وقالت
متنساش الآيس كريم.
لأول مرة...
ظهر على وجه أدهم شبه ابتسامة.
وقال مش هنساه.
في صباح اليوم التالي...
قصر الشافعي كله كان في حالة غريبة.
الخدم واقفين مستغربين.
الحراس بيبصوا لبعض.
لأنهم شافوا حاجة عمرهم ما شافوها قبل كده.
أدهم الشافعي...
رئيس القصر...
واقف قدام المرآة بتيشيرت أبيض بسيط وبنطلون جينز.
لا بدلة.
لا ساعة فخمة.
لا ملامح الرجل اللي يخشاه الجميع.
كريم دخل وهو مش قادر يخفي دهشته.
وقال باشا... أنا حاسس إني بحلم.
بص له أدهم من المرآة.
في مشكلة؟
ابتسم كريم لا... بس عمري ما تخيلت أشوف اليوم ده.
في اللحظة دي دخلت سارة وهي لابسة فستان وردي صغير، وماسكة شنطتها.
وقفت قدامه وبصت له من فوق لتحت.
عقدت حاجبيها وقالت
في مشكلة.
نظر لها أدهم.
إيه؟
قالت
لسه شكلك مخيف.
رفع حاجبه.
مخيف؟
هزت رأسها.
آه... بابايا كان بيضحك كتير.
سكت أدهم للحظة.
ثم نزل لمستواها وقال
وهتعلم.
ابتسمت سارة.
ومسكت إيده.
لكن في اللحظة اللي فتحوا فيها باب العربية...
وصلت رسالة على موبايل كريم.
قرأها.
وفجأة تغير وجهه.
أدهم لاحظ.
وقال في إيه؟
تردد كريم.
ثم قرب منه وقال بصوت منخفض
يا باشا... في حد عرف إنك خارج النهارده.
نظر له أدهم بهدوء.
وبعدين؟
قال كريم
اللي عرف مش أي حد.
وسكت لحظة.
ده شخص من الماضي... وشخص كان فاكر إنك مستحيل تسيب القصر لأي سبب.
تحولت نظرة أدهم.
اللحظة اللي كان فيها مجرد أب ليوم واحد...
اختفت.
وعاد أدهم الشافعي الذي يخشاه الجميع.
لكن قبل ما يركب العربية...
شدت سارة إيده وقالت
يلا يا بابا... هنتأخر على الحضانة.
تجمد المكان للحظة.
حتى كريم رفع عينه.
لأن
الكلمة دي...
دخلت مكان ماحدش قدر يدخله من سنين.
أدهم بص لسارة.
ثم بص للرسالة في إيد كريم.
وبين الماضي اللي رجع يطارده...
والوعد اللي قطعه لطفلة صغيرة...
كان لازم يختار وقف أدهم ثواني
تم نسخ الرابط