رجعت بيت أهلها وهى مطلقه
المحتويات
بعد كل السنين، بفتكره من غير وجع.
ربتت هنا على كتف أمها وقالت
لأن ربنا عوضك.
هزت نادية رأسها وهي تنظر إلى السماء
الحمد لله... العوض مش دايمًا بيكون فلوس أو بيوت... أحيانًا بيكون راحة قلب، وناس بتحبك، وكرامة محدش يقدر ياخدها منك.
وسارتا معًا، وكل واحدة منهما تعرف أن أصعب طريق في حياتهما... هو نفسه الطريق الذي أوصلهما إلى أجمل مستقبل بعد عام...
في ليلة هادئة، كانت نادية تقفل المؤسسة بعد انتهاء العمل، عندما وجدت سيارة تقف أمام الباب.
نزل منها رجل في الخمسين من عمره، تبدو عليه علامات الوقار.
اقترب منها وقال حضرتك الأستاذة نادية؟
أومأت برأسها.
ابتسم وقال أنا جاي من محافظة تانية. سمعت عن المؤسسة، وحبيت أشوفها بنفسي.
اصطحبته في جولة داخل المكان، وشرحت له كيف بدأت الفكرة من غرفة صغيرة، حتى أصبحت مؤسسة تخدم مئات الأسر.
بعد أن انتهت الجولة، قال الرجل
أنا عندي قطعة أرض ومبنى تحت الإنشاء، وكنت ناوي أعمل مشروع استثماري... لكن بعد اللي شوفته، قررت أتبرع بالمبنى كله للمؤسسة، عشان يتعمل فرع جديد.
وقفت نادية في مكانها، غير مصدقة ما تسمع.
قالت بتأثر حضرتك متأكد؟
ابتسم وقال الخير بيكبر لما يلاقي ناس أمينة.
بعد أشهر، افتُتح الفرع الجديد.
وفي يوم الافتتاح، علّقت نادية صورة كبيرة لأبيها عند المدخل، وتحتها عبارة
من فتح باب بيته لابنته، فتح الله له أبواب الرحمة.
وقف شادي ينظر إلى الصورة طويلًا، ثم قال
كل ما أشوف الصورة دي، أفتكر إن الإنسان ممكن يغلط... لكن أهم حاجة إنه يصلح غلطه قبل ما يفوت الأوان.
ابتسمت نادية وربتت على كتفه.
وفي نهاية اليوم، كانت هنا تقف مع الأطفال في ساحة المؤسسة، تضحك وتلعب معهم.
نظرت إليها نادية، وتذكرت تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تختبئ خلف عباءتها
همست لنفسها
الحمد لله... ربنا بدّل الخوف أمان، والدموع فرحة.
ثم أغلقت باب المؤسسة، وسارت مع أسرتها، وهي تشعر أن كل خطوة مؤلمة عاشتها في الماضي كانت سببًا في أن تفتح أبواب الأمل لغيرها.
وهكذا بقيت حكاية نادية تُروى، لا لأنها كانت مطلقة... بل لأنها رفضت أن تستسلم، وحولت محنتها إلى حياةٍ مليئة بالخير بعد عشر سنوات...
أصبحت مؤسسة صابر تمتلك عدة فروع، وأصبح اسم نادية معروفًا في كل مكان، ليس لأنها صاحبة مؤسسة ناجحة فقط، بل لأنها كانت تستقبل كل امرأة تدخل إليها بكلمة واحدة
اطمني... هنبدأ من جديد.
وفي أحد الأيام، كانت ترتب بعض الأوراق القديمة، فسقطت منها ورقة مطوية.
فتحتها، فإذا بها ورقة الطلاق.
نظرت إليها طويلًا...
ثم ابتسمت.
دخلت هنا وقالت إيه الورقة دي يا ماما؟
ناولتها لها وقالت دي الورقة اللي كنت فاكرة زمان إنها نهاية عمري.
قرأت هنا عنوانها، ثم رفعت رأسها وقالت لو مكنتش الورقة دي، كان زمان المؤسسة دي كلها مش موجودة.
ابتسمت نادية وقالت ربنا أحيانًا يقفل باب... عشان يفتح أبواب عمرنا ما كنا نتخيلها.
وفي المساء، وقفت نادية في شرفة بيتها الجديد، تتأمل السماء.
تذكرت أول ليلة نامتها في بيت أهلها، وهي تبكي في صمت خوفًا من الغد.
ثم نظرت حولها...
وجدت ابنتها ناجحة، وأخوها بجوارها، وبيتًا مليئًا بالسكينة، ورسالة خير امتدت لآلاف الناس.
أغمضت عينيها وقالت
الحمد لله... لو رجع بيا الزمن، كنت هختار كرامتي من أول يوم.
وفي صباح اليوم التالي، علقت المؤسسة لافتة جديدة عند المدخل، كتب عليها
لا تحكم على إنسان من لحظة سقوطه... فقد تكون تلك اللحظة هي بداية أعظم نجاح في حياته.
كان كل من يقرأها يبتسم ويدخل، دون أن يعرف أن تلك الكلمات لم تكن مجرد
بل كانت حكاية امرأة عادت يومًا إلى بيت أبيها وهي تظن أنها خسرت كل شيء، فاكتشفت بعد سنوات أنها كانت في الحقيقة تبدأ أجمل فصل في حياتها.
تمت بعد مرور سنوات طويلة...
كبرت هنا، وتخرجت في الجامعة بتفوق، ثم عادت إلى المؤسسة التي بدأت منها الحكاية.
دخلت على أمها وقالت بابتسامة
ماما... أنا مش هسيبك تشتغلي لوحدك تاني.
ضحكت نادية وقالت أنا كنت مستنية اليوم ده.
بدأت هنا تدير المؤسسة مع أمها، وأضافت إليها أقسامًا جديدة لتعليم الأطفال ودعم الأمهات اللاتي يحتجن إلى عمل.
وذات يوم، جاءت فتاة صغيرة مع والدها لتقديم طلب منحة دراسية.
بعد أن انتهت الإجراءات، سأل الأب نادية
إيه اللي خلاكي تعملي كل الخير ده؟
ابتسمت وقالت
لأن في يوم من الأيام، كنت أنا اللي محتاجة حد يمد إيده ليا.
خرج الرجل وهو يدعو لها، بينما نظرت هنا إلى أمها بفخر.
وبعد انتهاء العمل، ذهبتا إلى المقابر لزيارة صابر.
وقفت نادية أمام قبر أبيها وقالت
يا بابا... فاكر يوم ما قلتلي إن البيت بيتي؟ الكلمة دي أنقذتني. لو كنت يومها خوفت من كلام الناس، كان زماني ضعت أنا وبنتي.
وضعت هنا باقة ورد بجوار القبر وقالت
شكراً يا جدو... لأنك حميت ماما، فحميت مستقبلنا كلنا.
غادرتا المكان وقلوبهما مطمئنة.
وفي طريق العودة، مرتا أمام البيت القديم.
كان الباب كما هو، لكن نادية لم تشعر بأي ألم هذه المرة.
ابتسمت وقالت لهنا
البيوت مش اللي بتصنع الذكريات... الناس هي اللي بتعملها.
أمسكت هنا يد أمها وقالت
وأجمل ذكرى عندي إنك عمرك ما استسلمتي.
سارتا معًا في هدوء، بينما كانت الشمس تميل إلى الغروب، وكأنها تغلق صفحة قديمة، لتترك مكانها لضوء يوم جديد.
وهكذا بقيت قصة نادية درسًا لكل من يظن أن النهاية قد وصلت... فبعض النهايات ليست إلا
وفي صباح أحد الأيام، كانت نادية تجلس في مكتبها، عندما دخلت هنا وهي تحمل ظرفًا أنيقًا.
قالت بخجل ماما... في حد متقدملي.
ابتسمت نادية، لكنها لم تقل شيئًا، فقط طلبت منها أن تجلس وتحكي لها.
قالت هنا شاب محترم، شغال مهندس، وأهله ناس طيبين. ولما عرفوا قصتنا قالوا إنهم فخورين بيكي قبل ما يتعرفوا عليا.
اغرورقت عينا نادية بالدموع.
كانت تخشى طوال السنوات الماضية أن تتحمل ابنتها نظرة الناس، لكن الله عوضها بمن رأى الحقيقة، لا الشائعات.
تمت الخطبة في جو عائلي بسيط.
وقف شادي بجوار أخته وقال وهو يبتسم فاكرة لما هنا كانت مستخبية وراكي أول يوم دخلتي البيت؟
ضحكت نادية وهي تنظر إلى ابنتها كانت بتستخبى من الدنيا كلها.
رد شادي والنهارده الدنيا كلها جاية تفرح بيها.
وجاء يوم الزفاف.
قبل أن تخرج هنا من غرفتها، احتضنت أمها طويلًا وقالت أنا لو بقيت قوية، فده لأنك علمتيني إن الكرامة أهم من أي شيء.
أجابتها نادية وهي تمسح دموعها وأنا اتعلمت منك إن التعب بيهون لما يكون علشان اللي بنحبهم.
خرجت هنا إلى قاعة الفرح وسط فرحة الجميع.
وبعد انتهاء الحفل، عادت نادية إلى بيتها.
كان البيت هادئًا لأول مرة منذ سنوات.
جلست في غرفة هنا، ونظرت إلى الألعاب القديمة التي احتفظت بها في صندوق صغير.
وجدت دمية قماشية كانت هنا لا تنام إلا وهي تحتضنها.
ابتسمت وقالت لنفسها سبحان الله... من بنت صغيرة كانت خايفة، لعروسة بدأت بيتها وهي مطمنة.
رن هاتفها.
كان شادي.
قال إنتِ لوحدك؟
ضحكت وقالت أيوه.
قال يبقى إحنا جايين نتعشى عندك. العيلة عمرها ما تسيب حد لوحده.
ابتسمت نادية وهي تنظر إلى صورة أبيها المعلقة على الحائط، وقالت بهدوء
شايف يا بابا؟ البيت اللي حافظت عليه زمان... لسه بيجمعنا
وبعد دقائق، امتلأ البيت بالضحكات من جديد، لتدرك نادية أن أجمل ما خرجت به من كل ما مرت
متابعة القراءة