رجعت بيت أهلها وهى مطلقه

لمحة نيوز

حياة كان فاكرها هتكمل... لكن عمره ما يخسر طالما عنده كرامته، وبيبدأ من جديد.
وانتهت الحكاية، لكن بقيت رسالتها الطلاق ليس نهاية الحياة، بل قد يكون بداية لحياة أكثر أمانًا وكرامة، عندما يجد الإنسان من يسانده ويؤمن به بعد نجاح مركز هنا للتدريب والتعليم بسنة كاملة، بقى المكان مليان أطفال، وأولياء الأمور بقوا يرشحوه لبعض بسبب اهتمام نادية بكل طفل كأنه ابنها.
وفي صباح يوم هادئ، كانت نادية قاعدة في مكتبها، لما دخلت عليها موظفة الاستقبال وقالت
في واحدة برة بتقول إنها عايزة تقابلك ضروري.
خرجت نادية، ولقت ست بسيطة ماسكة إيد بنت صغيرة.
الست قالت وهي مكسوفة أنا مطلقة من شهر... وكل حضانة رافضة تشغلني، وسمعت إنك بتساعدي أي ست تبدأ من جديد.
الكلام رجعها سنين لورا...
افتكرت أول يوم وقفت فيه على باب بيت أهلها، وهي حاسة إن الدنيا كلها قفلت في وشها.
ابتسمت للست وقالت اسمك إيه؟
منى.
قالت نادية من النهارده إنتِ معانا في الشغل، وهندربك لحد ما تقفي على رجلك.
الست انفجرت في البكاء، وهي بتقول أنا أول مرة أحس إن حد مصدق فيا.
في المساء، رجعت نادية البيت، ولقت أبوها قاعد في البلكونة.
قال لها وهو مبتسم عارفة يا بنتي... زمان كنت زعلان إنك رجعتي البيت، مش عشانك، لكن كنت موجوع إنك اتظلمتي.
قعدت جنبه ومسكت إيده.
قال لكن النهارده فهمت حكمة ربنا... لو ما كنتيش رجعتي، ما كنتيش هتبني كل الخير ده.
ابتسمت نادية وهي تبص للمركز من بعيد.
وفي نفس اللحظة، خرجت هنا تجري وهي شايلة شهادتها.
ماما... طلعت الأولى على المدرسة!
نادية وقالت أنا فخورة بيكي.
ضحك الجد وقال وأنا فخور بيكم أنتم الاتنين.
مرت السنوات...
كبرت هنا، ودخلت كلية التربية، لأنها كانت بتحلم تبقى معلمة زي أمها.
وفي يوم تخرجها، وقفت
على المسرح وقالت قدام الجميع
لو سألتوني مين بطلي في الحياة... هقول أمي. لأنها علمتني إن السقوط مش النهاية، وإن أقوى الناس هم اللي يقوموا بعد كل وجع.
نادية كانت قاعدة في الصف الأول، والدموع في عينيها، وأبوها بجانبها يصفق بكل فخر.
وفي طريق العودة، قال صابر بصوت هادئ
أنا دلوقتي مطمن... لأني عارف إن بنتي وحفيدتي بقوا أقوى من أي ظروف.
ابتسمت نادية، ونظرت للسماء وهمست
الحمد لله... كل وجع عدى، وكل بداية صعبة كانت وراها أجمل نهاية مرّت خمس سنوات أخرى...
أصبح مركز هنا للتدريب والتعليم من أشهر المراكز في المحافظة، ولم يعد مجرد مكان للدروس، بل أصبح يقدم منحًا مجانية للأطفال غير القادرين، ويوفر فرص عمل لسيدات كثيرات بدأن حياتهن من جديد.
وفي أحد الأيام، كانت نادية ترتب بعض الملفات، عندما دخل عليها أبوها صابر، وقد بدا عليه التعب.
ابتسم لها وقال فاكرة أول يوم دخلتي البيت بالشنط؟
هزت رأسها وهي تبتسم.
قال يومها كنت زعلان إني مش قادر أوفرلك كل اللي تستحقيه... لكن النهارده أنا فخور بيكي أكتر من أي يوم.
احتضنته وهي تقول كل اللي وصلتله كان بسبب إنك فتحتلي باب بيتك يوم الكل كان قافله.
ربت على رأسها وقال لا يا بنتي... إنتِ اللي فتحتي باب الأمل لنفسك.
وبعد أسابيع قليلة، رحل صابر بهدوء بعد رحلة عمر طويلة.
كان الخبر صعبًا على الجميع، لكن نادية تذكرت آخر وصية قالها لها
إوعي تقفلي بابك في وش حد مكسور.
بعد انتهاء العزاء، اجتمع شادي مع أخته.
قال لها في حاجة لازم تعرفيها.
أخرج ظرفًا قديمًا، وقال بابا كتبه قبل ما يتوفى، وقالي أديهولك بعد ما يمشي.
فتحت نادية الخطاب، وكانت الكلمات بخط أبيها
يا نادية... لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا سبت الدنيا. متزعليش عليا، أنا عشت مطمن لأنك بقيتي
قوية. أوعي تسمحي لحد يكسرك، وأوعي تنسي إن البيت اللي يفتح بابه للمحتاج، ربنا يفتحله أبواب رحمته. خلي هنا تكبر وهي عارفة إن الكرامة رزق، وإن الرحمة قوة، مش ضعف.
لم تستطع نادية أن تمنع دموعها.
أغلقت الخطاب، وضمته إلى صدرها.
وفي اليوم التالي، علّقت نسخة من آخر جملة في مدخل المركز
الرحمة قوة... والكرامة حق لكل إنسان.
ومن يومها، أصبح كل من يدخل المكان يعرف أن هذا المركز لم يُبنَ بالمال فقط... بل بدموع أم، ودعاء أب، وقلب رفض أن يستسلم بعد عدة أشهر...
وقفت نادية أمام لافتة جديدة تم تثبيتها على مدخل المركز.
كانت اللافتة مكتوبًا عليها
مؤسسة صابر الخيرية لدعم الأسر والأطفال.
سألتها هنا بابتسامة سميتيها باسم جدو؟
ابتسمت نادية وقالت لأن أول شخص ساندني كان هو. أقل حاجة أعملها إني أخلي اسمه يفضل عايش بالخير.
بدأت المؤسسة تقدم مساعدات دراسية، وتوفر شنطًا مدرسية للأسر البسيطة، وتساعد السيدات في تعلم مهن تمكنهن من العمل.
وفي يوم، جاءت سيدة مسنة تمسك بيد حفيدها الصغير.
قالت لنادية أنا معرفكيش... بس كل الناس قالتلي روحي لها، عمرها ما بترجع حد.
ابتسمت نادية وأجلستها، وأنهت كل إجراءات مساعدة الطفل في دقائق.
قبل أن تغادر، أمسكت السيدة يد نادية وقالت
ربنا يجبر بخاطرك زي ما جبرتي بخاطرنا.
كانت تلك الدعوة أغلى عند نادية من أي نجاح.
وفي المساء، كانت الأسرة كلها مجتمعة على العشاء لأول مرة منذ سنوات.
شادي نظر إلى أخته وقال فاكرة لما كنت خايف من كلام الناس؟
ابتسمت وقالت فاكرة.
قال وهو يضحك طلع كلام الناس راح... لكن اللي فضل هو إحساس الذنب، والحمد لله إنك سامحتيني.
ردت نادية كلنا بنتعلم... والمهم إن الإنسان يعترف بغلطه ويصلحه.
ضحكت هنا وقالت يعني خلاص يا خالو... مش هتتخانقوا تاني؟

ضحك الجميع، وامتلأ البيت بصوت الضحكات بعد سنوات من الحزن.
نظر شادي إلى صورة أبيه المعلقة على الحائط وقال
لو بابا شايفنا دلوقتي... أكيد فرحان.
ردت نادية وهي تنظر إلى الصورة
هو اللي علّمنا إن العيلة وقت الشدة، مش وقت الفرح بس.
وانتهت الليلة وهم يشعرون أن أصعب فصل في حياتهم قد أصبح ذكرى، وأن ما بقي بينهم لم يكن الألم... بل المحبة، والستر، ولمّ الشمل.
النهاية مرّت ثلاث سنوات...
في صباح يوم مشمس، كانت نادية قاعدة في مكتبها، تراجع ملفات المؤسسة، لما دخلت هنا، اللي بقت شابة جميلة في آخر سنة في الجامعة.
قالت وهي مبتسمة ماما... في مفاجأة.
رفعت نادية رأسها باستغراب.
ناولتها هنا ظرفًا أبيض.
فتحته، ولقت دعوة رسمية من المحافظة.
كانت المؤسسة قد حصلت على جائزة أفضل مبادرة مجتمعية لدعم الأسر والأطفال.
في يوم الحفل، صعدت نادية على المسرح وسط تصفيق الحضور.
لما استلمت الدرع، وقفت لحظة وسكتت، ثم قالت
من سنين، رجعت بيت أبويا وأنا شايلة شنطة هدوم، وبنت صغيرة، وقلب مليان خوف. كنت فاكرة إن حياتي انتهت... لكن الحقيقة إن حياتي كانت لسه بتبدأ.
ساد الصمت في القاعة.
وأكملت
كل إنسان ممكن يقع... لكن وجود شخص واحد يفتح له الباب ويقوله إنت مش لوحدك، ممكن يغيّر حياته كلها.
وقف الحاضرون يصفقون طويلًا.
بعد الحفل، خرجت نادية مع هنا.
وقفت هنا قدام صورة كبيرة كانت معروضة ضمن تكريم المؤسسة.
الصورة كانت لنادية وهي في أول يوم افتتحت فيه المركز.
ابتسمت هنا وقالت
لو مكنتيش قوية يومها... مكنتش أنا واقفة هنا النهارده.
ردت نادية وهي تمسك يدها
وأنا استمديت قوتي منك. كنت كل ما أتعب أبصلك وأقول لازم أكمل.
في طريق العودة، مرّوا بجوار البيت القديم.
وقفت نادية للحظة، ونظرت إلى الشرفة التي وقفت عليها
يومًا وهي تسمع كلام أخيها.
ابتسمت في هدوء وقالت
سبحان مغير الأحوال... زمان دخلته مكسورة، والنهارده
تم نسخ الرابط