انا...انا مراتك

لمحة نيوز

المستشفى، ونظر إلى المدرسة المقابلة.
ابتسم وهو يرى الطالبات يدخلن في طابور الصباح.
همس لنفسه
سبحان من يبدل الأقدار.
ثم عاد إلى عمله، وأنقذ في ذلك اليوم حياة طفل صغير.
وفي الوقت نفسه، كانت فاتن تساعد فتاة جديدة على كتابة أول حرف في اسمها.
ابتسمت وهي تقول لها
كل حكاية عظيمة... بتبدأ بحرف.
وانتهى اليوم، كما بدأت الحكاية منذ سنوات...
بطريقين مختلفين، لكن بهدف واحد
أن يترك كل منهما أثرًا طيبًا في حياة الناس، وأن يكون الخير هو النهاية التي انتصرت على الألم بعد مرور عامين...
تلقت المدرسة دعوة للمشاركة في مؤتمر دولي عن تعليم الفتيات في المناطق الريفية.
رشح الجميع فاتن لإلقاء الكلمة الرئيسية.
وقفت على المنصة أمام مئات الحضور، وقالت
زمان كنت بنت بسيطة، وماكنتش أعرف أقرا ولا أكتب. ناس كتير حكموا عليا من شكلي ومن تعليمي، لكن ربنا فتح لي بابًا للتعلم، ولما اتعلمت عرفت إن الإنسان قيمته في أخلاقه وإصراره، مش في ظروفه.
وقف الحاضرون يصفقون طويلًا.
وبعد انتهاء المؤتمر، اقتربت منها صحفية شابة وسألتها
لو رجع بيكي الزمن لأول يوم وقفتي فيه في مطار نيويورك، كنتِ هتعملي إيه؟
ابتسمت فاتن،
ونظرت إلى السماء للحظة، ثم قالت
هعيط... لأن الوجع كان حقيقي. لكن بعد ما أخلص عياط، همسح دموعي وأمشي. لأن الوقوف مكانك عمره ما بيغير حياتك.
انتشرت كلماتها على مواقع التواصل، وأصبحت مصدر إلهام لكثير من الناس.
وفي المساء، كان دياب يشاهد اللقاء على التلفاز.
ابتسم وقال لنفسه
هي نجحت... لأنها استحقت النجاح.
ثم أغلق التلفاز، وخرج إلى المستشفى ليبدأ مناوبته الليلية، بينما كانت فاتن تعود إلى مدرستها، حيث تنتظرها مئات الأحلام الصغيرة التي تحتاج فقط إلى من يؤمن بها.
وبذلك، لم تعد قصتهما قصة زواج انتهى، بل قصة شخصين اختارا أن يحولا الألم إلى خير، وأن يتركا أثرًا يبقى بعدهما لسنوات طويلة بعد مرور عشر سنوات...
دعت وزارة التعليم فاتن لتكريمها ضمن الشخصيات الأكثر تأثيرًا في دعم تعليم الفتيات، كما دعت الدكتور دياب لتكريمه عن مشروع المستشفى الخيري الذي أصبح يخدم آلاف المرضى سنويًا.
في قاعة الاحتفال، وقف الجميع يصفق عندما صعد الاثنان إلى المسرح.
سلم الوزير لكل منهما درع التكريم، وقال
قد تختلف بدايات الناس، لكن العبرة بما يتركونه خلفهم.
بعد انتهاء الحفل، خرجت فاتن إلى الحديقة الملحقة
بالقاعة.
وجدت دياب يقف يتأمل الأشجار.
قال بهدوء
فاتن... كنت دايمًا بدعي إن ربنا يعوضك خير.
ابتسمت وقالت
وعوضني فعلًا.
سألها
إيه أكبر حاجة اتعلمتيها؟
أجابت دون تردد
إن الإنسان لما يفقد بابًا، ربنا بيفتح له أبوابًا تانية، بس لازم يفضل ماشي وما يستسلمش.
ابتسم دياب وقال
وأنا اتعلمت إن النجاح من غير رحمة... ملوش قيمة.
صافح كل منهما الآخر للمرة الأخيرة، ثم افترقا وسط الزحام.
لم يكن بينهما حنين للماضي، ولا رغبة في الرجوع.
كان بينهما احترام لدروس الحياة، وامتنان لأن كل واحد منهما وجد طريقه.
وفي آخر مشهد...
كانت أجراس المدرسة تدق معلنة بداية يوم دراسي جديد، بينما كان باب المستشفى يُفتح لاستقبال أول مريض في الصباح.
مدرسة تعلم العقول...
ومستشفى يداوي الأجساد...
وكلاهما وُلد من قصة بدأت بألم، وانتهت برسالة أمل لا تنتهي.
تمت النهاية
وقف الجميع في ساحة المدرسة بعد مرور خمسة عشر عامًا على افتتاحها.
الطالبات اللاتي تعلمن فيها أصبحن طبيبات، ومعلمات، ومهندسات، ومحاميات. وعلى الجانب الآخر، كان المستشفى يستقبل المرضى مجانًا كل يوم.
صعدت فاتن إلى المسرح، ولم تعد تلك الفتاة التي بكت يومًا
في مطار نيويورك، بل أصبحت امرأة صنعت مستقبلًا لآلاف البنات.
قالت أمام الحضور
زمان كنت فاكرة إن حياتي انتهت لما اتسابِت لوحدي في بلد غريبة... لكن ربنا كان بيجهز لي طريق أحسن مما كنت أتخيل. لو كنت فضلت أبكي على اللي راح، ماكنتش هبني كل اللي واقفين تشوفوه النهارده.
ساد الصمت، ثم دوّى التصفيق في المكان.
كان دياب يجلس بين الحضور، وصفق لها بكل قلبه.
بعد انتهاء الحفل، اقترب منها وقال
أنا جاي أقولك كلمة واحدة... شكرًا.
استغربت فاتن.
قال
لأنك رغم اللي حصل، ما خليتيش الكره يسيطر عليكي. حولتي وجعك لخير، والخير ده علّمني أنا كمان أكون إنسان أفضل.
ابتسمت فاتن وقالت
كلنا بنتعلم يا دكتور دياب... المهم نتعلم قبل ما العمر يخلص.
مدّ يده فصافحته.
ثم سار كلٌ منهما في طريقه، من غير ندم، ومن غير خصام.
رفع دياب عينيه إلى المدرسة، ورفعها فاتن إلى المستشفى، وكأن كلاً منهما يرى ثمرة سنوات طويلة من التعب.
وعلى بوابة المدرسة كانت لوحة كبيرة كُتب عليها
لا تحكم على إنسان من بدايته... فقد تكون النهاية أعظم مما تتخيل.
انتهت الحكاية، لكن بقي أثرها في كل بنت دخلت المدرسة وهي خائفة، وخرجت منها وهي
واثقة، تعرف أن الانكسار ليس نهاية الطريق... بل قد يكون بدايته.
النهاية.

تم نسخ الرابط