انا...انا مراتك

لمحة نيوز

بتعوض كل السنين اللي فاتت.
وفي الناحية التانية...
دياب اندمج في دراسته بكل قوته، لكنه كل ليلة، قبل ما ينام، كان يفتكر شكل فاتن وهي واقفة في المطار.
كان يحاول يطرد الصورة من دماغه، لكنها كانت ترجع أقوى.
وذات يوم، وصله اتصال من مصر.
كان المتصل جده.
رد دياب بصوت متردد أيوه يا جدي.
لكن الصوت اللي سمعه المرة دي كان مختلفًا...
هادئًا، وحزينًا، ويحمل خبرًا سيغير حياته إلى الأبد.
يتبع...تنهد الجد طويلًا، وقال بصوت متعب
أنا عرفت كل اللي حصل يا دياب.
سكت دياب، وماعرفش يرد.
أكمل الجد
أنا ما بزعلش عشان الجواز فشل... أنا زعلان لأنك سبت بنت لوحدها في بلد غريبة. مهما كان خلافك معاها، كان لازم تصون الأمانة.
دياب غمض عينيه، وقال بصوت منخفض
أنا كنت خايف يا جدي... كنت شايف إن حياتي هتضيع.
رد الجد بحزم
الإنسان المتعلم مش بشهادته... الإنسان المتعلم بأخلاقه.
وانتهت المكالمة، لكن الكلمات فضلت ترن في ودنه.
في المقابل، بدأت فاتن تتغير.
كل يوم كانت بتحفظ كلمات جديدة، وتتعلم القراءة والكتابة، ومع الوقت بقت تتكلم إنجليزي بسيط، وبدأت تشتغل في مكتبة صغيرة قريبة من شقتها.
صاحبة المكتبة كانت معجبة بإصرارها، وكانت دايمًا تقول لها
النجاح بيبدأ بخطوة... وإنتِ أخدتي أصعب خطوة.
مرت ثلاث سنوات...
فاتن أنهت تعليمها الأساسي، ثم التحقت بدورات مهنية، وأصبحت تدير المكتبة بنفسها.
أما دياب، فقد أنهى دراسته بتفوق، والتحق بالعمل في أحد أكبر المستشفيات في نيويورك.
وفي صباح يوم هادئ، دخل إلى المكتبة يبحث عن كتاب طبي نادر.
كانت فاتن تقف خلف المكتب، ترتب الكتب.
رفع رأسه بالصدفة...
وتجمد في مكانه.
هي أيضًا رفعت عينيها.
تعرفت عليه من أول نظرة، لكن ملامحها كانت مختلفة؛ لم تعد تلك الفتاة الخائفة التي تركها في المطار، بل أصبحت امرأة واثقة، هادئة، تقف شامخة.
أما دياب، فلم
يعرف ماذا يقول.
وبينما كان يحاول أن ينطق باسمها...
رن هاتف فاتن.
نظرت إلى الشاشة، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة، واعتذرت للزبائن، وتركت دياب واقفًا مكانه، لأول مرة يشعر بطعم الوحدة التي تركها تعيشها منذ سنوات.
يتبع...دياب فضل واقف مكانه، والكتاب لسه في إيده. كان متوقع إنها أول ما تشوفه هتعيط، أو تعاتبه، أو حتى تمشي.
لكن فاتن عملت ولا حاجة من ده.
أنهت المكالمة، ورجعت بابتسامة هادئة وقالت باحتراف
حضرتك كنت بتدور على كتاب معين؟
دياب بلع ريقه بصعوبة.
فاتن... أنا...
قاطعته بهدوء
لو سمحت، أنا في وقت الشغل.
الكلمة نزلت عليه كأنها صفعة.
أول مرة يحس إنه بقى مجرد شخص غريب بالنسبة لها.
ناولته الكتاب وقالت
ده آخر نسخة عندنا.
أخذ الكتاب، لكنه لم يتحرك.
قال بصوت مليان ندم
أنا ظلمتك.
رفعت عينيها إليه للحظة، ثم قالت
الظلم عمره ما كان نهاية الدنيا... لكنه بيغيّر الناس.
سكتت لحظة، ثم أكملت
أنا سامحتك بيني وبين نفسي عشان أعرف أعيش، لكن السماح مش معناه إن كل حاجة ترجع زي الأول.
خرج دياب من المكتبة وهو يحمل الكتاب، لكن الحمل الحقيقي كان فوق قلبه.
بعد أيام، عاد إلى المحامي نادر، وطلب يقابل فاتن.
نظر إليه المحامي طويلًا، ثم قال
هي صاحبة القرار. لو وافقت أقابلك، هبلغك.
وصلت الرسالة إلى فاتن.
فكرت كثيرًا، ثم وافقت على مقابلة واحدة فقط.
جلسا في حديقة عامة.
قال دياب
أنا مش جاي أطلب منك ترجعي... أنا جاي أعتذر. كنت ضعيف، وخوفت على نفسي، ومافكرتش في اللي هيحصلك.
ردت فاتن بهدوء
الاعتذار شجاعة... وأنا قبلته.
ابتسم لأول مرة منذ سنوات، وسألها
يعني ممكن نسامح بعض؟
قالت
نسامح... آه. لكن كل واحد يكمل طريقه.
وقف دياب، وشكرها على إنها سمعت له.
وقبل أن يرحل، قالت له
افتكر دايمًا... النجاح الحقيقي مش بالشهادات ولا بالمناصب، النجاح الحقيقي إنك تفضل إنسان.
هز رأسه،
وانصرف.
راقبته فاتن وهو يبتعد، ثم ابتسمت في هدوء.
لم تكن ابتسامة انتصار عليه...
بل كانت ابتسامة انتصار على خوفها القديم، وعلى اليوم الذي وقفت فيه وحيدة في مطار نيويورك تظن أن حياتها انتهت.
لكنها اكتشفت أن النهاية التي خافت منها... كانت في الحقيقة بداية أجمل فصل في حياتها.
النهاية بعد شهور من لقائهما الأخير، عاد كل واحد إلى حياته.
دياب انشغل في عمله داخل المستشفى، لكنه لم ينسَ كلمات فاتن. أصبحت جزءًا من ضميره، يراجع نفسه مع كل مريض وكل قرار يتخذه.
أما فاتن، فكانت قد أنهت مرحلة جديدة من تعليمها، وبدأت تعمل في مؤسسة تساعد المهاجرين الجدد، خاصة النساء اللاتي يواجهن صعوبة في التأقلم. كانت تحكي لهن دائمًا
مهما كانت البداية صعبة... متفقدوش الأمل.
وفي أحد الأيام، تلقت اتصالًا من المحامي نادر.
قال لها
جدك تعبان جدًا... ونفسه يشوفك.
لم تتردد لحظة.
سافرت إلى مصر بعد غياب سنوات.
دخلت البيت القديم، فوجدت جدها على سريره، وقد أنهكه المرض.
أمسك يدها وهو يبتسم بصعوبة وقال
أنا كنت عارف إنك قوية... لكنك بقيتي أقوى مما تخيلت.
ارتمت في حضنه وهي تبكي.
بعد أيام قليلة، توفي الجد وهو مطمئن عليها.
وفي جلسة قراءة الوصية، اكتشف الجميع أنه أوصى بجزء كبير من أمواله لإنشاء مدرسة مجانية في قريتهم، لتعليم البنات اللاتي لم تتح لهن فرصة التعليم، وجعل فاتن هي المسؤولة عن تنفيذ الوصية.
وقفت فاتن أمام قطعة الأرض التي ستُبنى عليها المدرسة، وقالت
ولا بنت هتتحرم من التعليم بسبب الظروف... دي وصية جدي، ووعد مني.
وبعد عامين، افتُتحت المدرسة، وامتلأت بالفتيات الصغيرات اللاتي بدأن رحلة العلم.
كانت فاتن تقف عند البوابة تستقبل الطالبات بابتسامة، وتفتكر نفسها يوم كانت تظن أن الجهل هو نهاية الطريق.
أما دياب، فسمع بافتتاح المدرسة، وأرسل تبرعًا كبيرًا لدعمها، دون أن
يطلب أن يُكتب اسمه على أي لوحة أو مبنى.
وصل التبرع إلى فاتن، فعرفت أنه منه.
ابتسمت وقالت
يمكن تأخر... لكنه اتعلم الدرس.
واستمرت المدرسة في تخريج أجيال جديدة، لتصبح قصة فاتن دليلًا على أن الانكسار قد يكون بداية طريق يصنع مستقبلًا أفضل للجميع بعد انتهاء الحفل، كانت فاتن تستعد للمغادرة، عندما اقتربت منها طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها عشر سنوات.
قالت بخجل
أبلة فاتن... هو صحيح إن حضرتك ماكنتيش بتعرفي تقري وتكتبي؟
ابتسمت فاتن، وجثت على ركبتيها حتى أصبحت في مستوى الطفلة.
وقالت
أيوه يا حبيبتي... وكنت فاكرة إن ده هيخليني أفضل متأخرة طول عمري.
سألتها الطفلة
وبعدين؟
قالت وهي تبتسم
بعدين اتعلمت إن اللي بيتعلم في أي سن... بينجح.
حضنتها الطفلة وهي تقول
أنا كمان هطلع زيك.
ربتت فاتن على رأسها وقالت
لا... هتطلعي أحسن مني.
في المساء، جلست فاتن وحدها في مكتبها.
فتحت الدرج، فوجدت الورقة القديمة التي أعطاها لها جدها قبل السفر... نفس الورقة التي كانت تحمل رقم المحامي.
ابتسمت وهي تتأملها.
وقالت لنفسها
سبحان الله... ورقة صغيرة كانت سبب بعد ربنا في إن حياتي تبدأ من جديد.
وضعتها داخل إطار زجاجي، وعلقتها على حائط المكتب، وكتبت تحتها
لا تيأس... فقد تكون أصعب لحظة في حياتك هي بداية أجمل أيامك.
وفي الخارج، كانت أصوات الطالبات تملأ فناء المدرسة بالضحك والأمل.
أغلقت فاتن النافذة، ونظرت إلى السماء، وهمست
الحمد لله.
وانتهت الحكاية، لكن أثرها بقي في حياة كل فتاة دخلت تلك المدرسة، وكل إنسان عرف أن القوة لا تأتي من عدم السقوط... بل من القدرة على النهوض بعده بعد خمس سنوات...
كبرت المدرسة، وتحولت إلى مجمع تعليمي يضم مئات الطالبات. وأصبحت فاتن تُعرف في المحافظة كلها بأنها السيدة التي غيّرت مستقبل بنات القرية.
وفي يوم الافتتاح الرسمي للمبنى الجديد، حضر أطباء
ورجال أعمال ومتطوعون من داخل مصر وخارجها لدعم المشروع.
كان من بينهم دياب.
وقف في آخر الصفوف، لا يريد أن يلفت انتباه أحد.
صعدت فاتن
تم نسخ الرابط