انا...انا مراتك
المحتويات
إلى المنصة، وقالت في كلمتها
زمان كنت فاكرة إن الإنسان ممكن ينتهي بسبب موقف واحد... لكن اتعلمت إن ربنا بيفتح أبوابًا ماكناش نتخيلها. وكل بنت قاعدة قدامي النهارده هي دليل إن العلم يغيّر الحياة.
انتهى التصفيق.
وبينما كانت تنزل من على المنصة، لمحته.
تقدّم بخطوات هادئة، وقال
مبروك يا فاتن... أنا فخور بيكي.
ابتسمت في هدوء
شكرًا.
قال وهو ينظر إلى المدرسة
إنتِ عملتي اللي أنا معرفتش أعمله... غيرتي حياة ناس كتير.
ردت بابتسامة صادقة
كل واحد فينا ربنا بيحط له طريق. المهم لما نغلط... نتعلم.
أخرج دياب ظرفًا صغيرًا، وقال
دي منحة سنوية باسم والدتي، لأي طالبة متفوقة مش قادرة تكمل تعليمها. أتمنى تقبليها.
نظرت إلى الظرف، ثم قالت
هقبلها... لأنها هتروح لبنات يستحقوا الفرصة.
صافحته للمرة الأخيرة.
لم يكن بينهما حب عاد، ولا خصام بقي.
كان بينهما احترام... ونضج... وسلام.
غادر دياب المكان، وهو يشعر أن الحمل الذي عاش به سنوات بدأ يخف.
أما فاتن، فالتفتت إلى صفوف الطالبات، وابتسمت وهي تسمع أصواتهن تملأ المكان بالحياة.
وأدركت أن الله عوّضها، ليس بشخص آخر... بل بحياة كاملة، ورسالة تركت أثرًا في قلوب مئات البنات.
تمت القصة مرت سنوات أخرى...
وفي صباح هادئ، كانت فاتن تمشي بين الفصول كعادتها، تتابع الطالبات وتسأل كل واحدة عن أحلامها.
وفجأة دخل الحارس مسرعًا وقال
يا أستاذة فاتن... في دكتور كبير بره، ومعاه وفد من الجامعة، وبيقولوا إنهم عايزين يقابلوكي.
خرجت فاتن إلى ساحة المدرسة.
وجدت وفدًا من إحدى الجامعات، وعلى رأسهم رجل تجاوز الخمسين من عمره، شعره بدأ يشيب، لكن ملامحه كانت مألوفة.
كان دياب.
اقترب بهدوء وقال
إزيك يا فاتن.
ابتسمت باحترام
الحمد لله... اتفضل.
قال دياب
إحنا جايين نعرض شراكة بين الجامعة والمدرسة. كل طالبة متفوقة هتحصل على منحة كاملة تكمل بيها تعليمها.
نظرت إليه بدهشة.
منحة كاملة؟
هز رأسه وقال
أنا كنت محروم من إن حد يدعمني وأنا صغير، وإنتِ حاربتي عشان التعليم. فخلينا نكمل الطريق ده.
سكتت لحظة، ثم مدت يدها قائلة
أوافق.
تصافحا، وسط تصفيق الموجودين.
ومن يومها، خرجت من المدرسة عشرات الطبيبات والمهندسات والمعلمات، وكل واحدة كانت تبدأ رحلتها بجملة مكتوبة على بوابة المدرسة
العلم يرفع الإنسان، والأخلاق تحفظه.
وكانت تلك الجملة تلخص رحلة فاتن ودياب معًا؛ طريقان افترقا، لكنهما التقيا مرة أخرى لخدمة الناس، دون أن يعودا زوجين، بل شريكين في صناعة مستقبل أفضل.
النهاية الحقيقية بعد عام من توقيع الشراكة، تحولت المدرسة إلى واحدة من أفضل المدارس في المنطقة، وأصبح اسمها يُذكر في كل مؤتمر تعليمي.
وفي أحد الأيام، كانت فاتن تراجع ملفات الطالبات، عندما دخل عليها المحامي نادر وهو يبتسم.
قال
في مفاجأة.
ابتسمت وقالت
خير؟
وضع أمامها ملفًا أزرق.
فتحته، فوجدت قرارًا بإنشاء مستشفى خيري بجوار المدرسة، يخدم أهالي القرية مجانًا.
سألت بدهشة
مين صاحب الفكرة؟
ابتسم نادر وقال
مجموعة من الأطباء ورجال الأعمال... لكن أول واحد تبرع بالأرض وبجزء كبير من تكلفة البناء كان الدكتور دياب.
سكتت فاتن للحظات.
ثم قالت بهدوء
ربنا يجازيه خير.
بعد عامين، افتُتح المستشفى.
وقف دياب وسط الأطباء يستقبل المرضى، بينما كانت فاتن تقف مع الطالبات المتطوعات ينظمن دخول الأهالي.
اقتربت منه سيدة مسنة، وقالت وهي ترفع يديها بالدعاء
ربنا يبارك فيكم يا ولادي... أنتم ريحتوا الغلابة.
نظر دياب إلى فاتن.
ونظرت إليه.
لم يكن بينهما كلام كثير.
لكن كليهما أدرك أن الخير الذي يجمع الناس، أكبر من أي خلاف قديم.
وفي نهاية اليوم، وقفا أمام المدرسة والمستشفى، وقد امتلأ المكان بالأطفال والمرضى والطلاب.
قال دياب
يمكن ربنا كتب إن طريقنا مايكملش مع بعض... لكنه كتب إن رسالتنا تكمل.
ابتسمت فاتن وقالت
وده
ثم سار كل واحد في طريقه، وهو مطمئن أن ما تركه خلفه سيبقى نافعًا للناس سنوات طويلة.
وهكذا، تحولت قصة بدأت بالخذلان في مطار بعيد... إلى حكاية أمل، صنعت تعليمًا وشفاءً ومستقبلًا لأجيال كاملة بعد افتتاح المستشفى بشهور، كانت الحياة ماشية بهدوء.
وفي صباح يوم شتوي، دخلت سيارة إسعاف إلى المستشفى بسرعة.
نزل منها رجل مسن فقد وعيه في الطريق.
بدأ الأطباء يتعاملون مع الحالة فورًا، وكان دياب بنفسه داخل غرفة الطوارئ.
وبعد دقائق، خرج أحد الممرضين إلى صالة الانتظار، وسأل
مين من أهل الحاج محمود؟
رفعت فاتن رأسها بسرعة.
كان الاسم مألوفًا جدًا...
إنه اسم جدها.
جرت إلى غرفة الطوارئ، ووقفت خلف الزجاج، وقلبها يرتجف.
خرج دياب بعد انتهاء الفحص، وقال بهدوء
اطمني... حالته استقرت، لكنه محتاج يفضل تحت الملاحظة.
تنفست فاتن الصعداء، وقالت
الحمد لله.
مرّ الجد بأزمة صحية، لكنه تعافى تدريجيًا.
وفي اليوم الذي خرج فيه من المستشفى، أمسك يد دياب وقال
أنا زعلت منك زمان... لكن اللي عملته للناس هنا يشفع لك عندي.
خفض دياب رأسه احترامًا وقال
أنا اللي غلطت يا حاج... وربنا أكرمني بفرصة أصلح جزءًا من غلطي.
ابتسم الجد لأول مرة منذ سنوات، ثم نظر إلى فاتن وقال
شايفة يا بنتي؟ الإنسان طول ما فيه نفس... يقدر يتغير.
هزت فاتن رأسها وهي تبتسم.
ولم تعد تنظر إلى الماضي بحزن، بل كدرس علّمها أن أصعب الابتلاءات قد تكون بداية لأعظم الإنجازات.
ومن ذلك اليوم، ظل الجد يزور المدرسة والمستشفى كلما سمحت له صحته، وكان يجلس بين الأطفال يروي لهم حكاية واحدة دائمًا
العلم يفتح الأبواب... والرحمة هي اللي تخلي الإنسان يستحق يدخلها.
واستمرت الحكاية، لا كقصة حب، بل كقصة عن القوة، والتغيير، وردّ الجميل بعد عدة أشهر، كان المستشفى والمدرسة قد أصبحا مقصدًا لأهالي القرى المجاورة.
وفي صباح أحد الأيام، دخلت فتاة
قالت يا أبلة... بابا عايز يخرجني من المدرسة ويجوزني.
سكتت فاتن لحظة، لأنها رأت نفسها في عيني البنت.
ابتسمت لها وقالت اقعدي يا حبيبتي... ومحدش هيجبرك على حاجة طول ما في حل.
طلبت والد الفتاة، وجلس معه بهدوء، وشرحت له أهمية تعليم ابنته، وأن المدرسة ستتكفل بكل مصاريفها.
بعد نقاش طويل، وافق الرجل.
خرجت الطفلة تجري في فناء المدرسة وهي تضحك.
وقف دياب، الذي كان يزور المدرسة في ذلك اليوم، وشاهد الموقف كله.
اقترب من فاتن وقال
أنا كل مرة باجي هنا، بتعلم منك حاجة جديدة.
ابتسمت وقالت
وأنا اتعلمت إن الإنسان ممكن يغلط... لكن الأهم إنه يصلح غلطه.
في تلك اللحظة، دق جرس المدرسة، وامتلأ المكان بأصوات الطالبات.
نظر دياب إلى الفناء المليء بالحياة، ثم قال
يمكن دي أعظم حاجة شاركت فيها في حياتي.
ردت فاتن
لسه الخير قدامنا كتير.
ثم دخلا معًا إلى قاعة الاجتماعات، ليس كزوجين، ولا كحبيبين...
بل كشريكين في مشروع إنساني، هدفه أن يحصل كل طفل وكل فتاة على فرصة عادلة في التعليم والحياة.
وهكذا استمرت رحلتهما، لا تبحث عن تعويض الماضي، بل تصنع مستقبلًا أفضل لغيرهما بعد شهور قليلة، كانت فاتن تجلس في مكتبها تراجع ملفات المنح الدراسية، عندما دخل عليها المحامي نادر بابتسامة واسعة.
قال
فاكرة أول يوم شوفناك فيه في نيويورك؟
ابتسمت وقالت
أنساه إزاي؟ ده اليوم اللي افتكرت فيه إن الدنيا انتهت.
ضحك نادر وقال
الغريب إن اليوم ده بقى بيتدرس في المؤسسة عندنا كمثال على إن الإنسان يقدر يبدأ من الصفر.
هزت فاتن رأسها وقالت
الفضل لله أولًا... ثم لكل شخص مد إيده ليا وأنا واقعة.
وفي أثناء الحديث، دخلت فتاة شابة في العشرينات تحمل باقة ورد.
قالت
أنا أول دفعة اتخرجت من المدرسة دي، والنهارده اتعينت معيدة في الجامعة... وجيت أشكر حضرتك.
احتضنتها فاتن والدموع في عينيها.
وفي الخارج،
وقف دياب أمام نافذة مكتبه في
متابعة القراءة