انا...انا مراتك
أنا... أنا مراتك. جدك قال أراعيك و...
دياب ضحك ضحكة قصيرة، مكسورة، مفيهاش أي فرح
جدك؟ جدك رماكي عليا . فاكراني هعترف بجوازنا وأقولهم دي مراتي؟ هقولهم إيه؟ دياب الهلالي الدكتور اتجوز واحدة مكملتش تعليمها وجاهلة؟ هبقى مسخرة يا فاتن. إنتِ هتضيعي مستقبلي اللي شقيت عليه عمري كله.
صوته كان بيترعش، مش من الغضب، من الرعب. رعب من جده، رعب من المستقبل، رعب من نفسه. فاتن حاولت تمسك إيده
دياب بالله عليك... أنا خايفة. مليش حد هنا.
دياب نطر إيدها، بس مش بعنف. نطرها كأنه بيتخلص من حاجة مقرفة. بص في عينها لأول مرة من ساعة ما ركبوا الطيارة وقال الكلمة اللي كان شايلها في قلبه من يوم كتب الكتاب
إنتِ طالق يا فاتن.
من قبل ما نركب الطيارة وإنتِ طالق في سري.
أنا ما كنتش موافق، وربنا شاهد.
الورقة هتوصلك لما أرتب أموري هنا... بس من اللحظة دي، كل واحد في طريق. أنا مش هضيع مستقبلي عشان كلمة جدي، وهو لو عايز يقتلني لما أرجع... يبقى يحصل.
سابها واقفة ومشي ناحية طابور التاكسي الأصفر. ما بصش وراه. ركب أول تاكسي، وقال للسواق وهو بيبلع ريقه بصعوبة
Columbia University please.
فاتن فضلت واقفة في البرد. الشنطة وقعت من إيدها على الأرض، والطرحة اتحركت من الهوا. بلد غريبة، لغة مش فاهماها، والراجل اللي اتكتب اسمها على اسمه... لسه سايبها وماشي.
دمعة واحدة نزلت على خدها، مسحتها بسرعة وهي بتتلفت حواليها. مش عارفة تروح فين، ولا تكلم مين. بس في جيب العباية، كانت صوابعها بتضغط على ورقة صغيرة... رقم المحامي اللي جدها ادهولها في المطار وقالت لها لو ضاقت بيكي الدنيا، كلميه.
التاكسي اختفى في زحمة نيويورك، وهي لسه
وهي واقفة مكانها. الشنطة القماش مرمية جنبها، والطرحة اتزحلقت على كتفها. مكنتش بتعيط بصوت... كانت شهقات مكتومة بتقطع صدرها، وشفايفها بتترعش بكلام مش واصل يا رب... أروح فين دلوقتي؟
الناس رايحة جاية، أحضان وضحك وشنط بعجل، وهي الوحيدة اللي واقفة في النص كأنها تمثال من ملح. اللي يبص عليها يبعد عينه بسرعة. البرد دخل في عضمها، بس البرد اللي سابه كلام دياب في قلبها كان أصعب.
في نفس اللحظة، من بوابة الخروج كانت جاية بنت لابسة بالطو بيج تقيل، شعرها أصفر وملموم، ونضارة شمس كبيرة. دي ساندي الصياد ، كانت راكبة نفس الطيارة، درجة أولى. لمحت من بعيد بنت واقفة لوحدها، هدومها مش بتاعة سفر، وشنطتها قديمة، ووشها أصفر من الخوف.
ساندي قربت بخطوات مترددة. قلبها وجعها. نزلت النضارة وشافت وش فاتن كويس... عين حمرا وورمه من العياط، والنَفَس بيتاخد بالعافية. دي مش تايهة، دي مصدومة.
ساندي قربت أكتر وقالت بصوت واطي، نصه عربي ونصه إنجليزي
إنتِ كويسة؟... Are you okay؟ محتاجة مساعدة؟ في حد بتستنيه؟
فاتن رفعت وشها ببطء. أول ما شافت حد بيكلمها بحنية، الكسرة اللي كانت حبساها اتفجرت. مسكت طرف بالطو ساندي كأنها بتغرق، وقالت وسط شهقات
جوزي... هو... قالي مش عايزني. وسابني ومشي. قالي إنتِ طالق... أنا معرفش حد هنا، ولا عارفة أروح فين.
ساندي حطت إيدها على بقها من الصدمة.
دموعها نزلت غصب عنها. من غير تفكير حضنت فاتن وطبطبت على ضهرها
اهدي... اهدي يا حبيبتي، أنا معاكي، خلاص. مش هسيبك.
وفي اللحظة دي، صوت موتور تقيل وقف قدامهم. صف عربيات سودا فخمة. نزل منها اتنين
نزل منه شاب طويل، لابس بدلة كحلي متفصلة، وشعره متسرح، وملامحه هادية بس فيها حسم. ده سليم الصياد، أخو ساندي الكبير. كان جاي بنفسه يستقبل أخته.
سليم قرب، وعينه لقطت المشهد كله في ثانية أخته حاضنة بنت منهارة، شنطة قماش على الأرض، والمنظر كله غلط. صوته طلع هادي بس فيه نبرة آمر متعود عليها
ساندي. إيه اللي بيحصل؟
ساندي بعدت عن فاتن شوية بس فضلت ماسكة إيدها اللي بتترعش
سليم، البنت دي كانت معانا على الطيارة. جوزها... سابها في المطار ومشي. طلقها. وهي ما تعرفش حد هنا ولا بتتكلم كلمة إنجليزي.
عين سليم نزلت على فاتن اللي كانت بتخفض وشها في الأرض من الذل. شاف الهدوم البسيطة، الإيد المتشققة، والرعشة اللي مش راضية تقف. شاف كسرة متكسرش غير اللي جربها...يتبع
للمتابعه اللينك في أول تعليق دياب خرج من المطار بخطوات سريعة، وهو بيحاول يقنع نفسه إنه عمل الصح. كان قلبه بيوجعه، لكن خوفه من ضياع مستقبله كان أكبر من أي إحساس تاني.
أما فاتن، ففضلت واقفة في مكانها، والدموع بتنزل في صمت. كانت تايهة في بلد غريبة، لا تعرف اللغة ولا تعرف حد تلجأ له.
في اللحظة دي، وقفت قدامها سيدة مصرية في الخمسينات من عمرها، ملامحها هادئة وطيبة، وكانت جاية تزور ابنها المقيم في نيويورك.
قالت لها برفق يا بنتي... مالك؟ إنتِ كويسة؟
فاتن حاولت تتمالك نفسها، لكنها انهارت وهي بتحكي إن زوجها سابها ومشي أول ما وصلوا.
السيدة مسكت إيدها وقالت بحنان اطمني... طول ما أنا موجودة، مش هسيبك لوحدك.
في نفس الوقت، وصل ابن السيدة، وهو شاب اسمه آدم، مهندس ناجح بيشتغل في نيويورك. أول ما شاف حالة فاتن فهم إن في
قال لأمه ينفع الأول نوديها مكان آمن ترتاح فيه، وبعدها نشوف عايزة تتواصل مع مين.
وافقت فاتن بعد تردد، وافتكرت رقم المحامي اللي جدها كان مديهولها قبل السفر. طلعت الورقة من جيبها، وسلمتها لآدم.
اتصل آدم بالمحامي، وبعد دقائق رد الرجل وقال أنا كنت متوقع إنها ممكن تحتاجني. خليها تطمن، وهجيلها فورًا.
بعد أقل من ساعة، وصل المحامي إلى منزل آدم، وأكد لفاتن إن جدها كان مأمن مستقبلها، وسايب لها كل الأوراق اللي تضمن حقوقها، وإنها مش هتبقى لوحدها أبدًا.
أما دياب، فكان فاكر إنه بدأ حياة جديدة... لكنه ماكانش يعرف إن القرار اللي أخده في لحظة خوف، هيبقى أكبر ندم في حياته كلها.
يتبع...وصل المحامي، وكان اسمه الأستاذ نادر. أول ما دخل، بص لفاتن بابتسامة مطمنة وقال
جدك كلمني قبل سفركم بأيام، وقال لي لو حصل أي حاجة، أوعى تسيب البنت لوحدها.
فاتن دموعها نزلت من جديد، وقالت بصوت مكسور أنا كنت فاكرة إني ضعت.
ابتسم نادر وقال لا يا بنتي... إنتِ لسه حياتك بتبدأ.
فتح حقيبته، وطلع ملفًا بنيًا سميكًا، وحطه قدامها.
ده فيه كل أوراقك... جواز سفرك، وإقامتك المؤقتة، وتوكيل رسمي من جدك يخليني أخلص أي إجراءات تخصك، وكمان مبلغ مالي كان سايبه أمانة ليكي لحد ما توصلي.
اتسعت عينا فاتن من الدهشة.
جدي عمل كل ده؟
هز نادر رأسه وقال كان خايف عليكي، وكان عارف إن الغربة صعبة.
في الأيام التالية، انتقلت فاتن إلى شقة صغيرة آمنة رتبها لها المحامي، وبدأ يساعدها في تعلم اللغة الإنجليزية، وإنهاء أوراقها، والالتحاق بفصول لمحو الأمية أولًا، ثم إكمال تعليمها.
كانت البداية صعبة جدًا، لكنها كل يوم كانت بتتعلم حاجة جديدة.
مرت الشهور...
وفاتن بقت تعرف تكتب اسمها،