كنت مروحه البيت

لمحة نيوز

وفرحنا بيه. وصورة يوم نقلنا للشقة الجديدة. وصورة افتتاح الشركة. وصورة أول أسرة استلمت مفتاح بيت من الجمعية.
وفجأة لقيت صفحة فاضية.
سألته دي ليه فاضية؟
ابتسم وقال عشان لسه عندنا أيام حلوة تستحق تتحط فيها.
في اللحظة دي، رن تليفوني.
كان رقم غريب.
رديت، ولقيت واحدة ست صوتها مليان امتنان.
قالت حضرتك متعرفنيش... بس أنا كنت من أول الناس اللي اشتغلوا في شركتكم. يومها كنت مطلقة ومعايا طفلين، وكل الشركات رفضت تشغلني. أنتم الوحيدين اللي ادتوني فرصة.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
النهارده ابني الكبير اتخرج مهندس، وبنتي في كلية الطب... وحبيت أقولكم إنكم كنتوا سبب بعد ربنا.
قفلت المكالمة وأنا دموعي نازلة.
بصيت لأشرف وقلت واضح إن الخير بيرجع لصاحبه مهما طال الوقت.
رد بابتسامة هادئة وده أحسن ميراث ممكن نسيبه.
قفلت ألبوم الصور، وحطيته مكانه.
لكن قبل ما أقف، أخدت قلم، وكتبت على أول صفحة
السعادة مش إن حياتك تخلو من الاختبارات... السعادة إنك تخرج منها بقلب أنضج، وروح أرحم، وإيد ممدودة لكل محتاج.
وبكده فضلت حكايتنا مستمرة...
مش لأن فيها مفاجآت جديدة كل يوم...
لكن لأن كل يوم كان فرصة جديدة للشكر، وللحب، ولصناعة أثر طيب في حياة غيرنا. مرت سنوات أخرى...
وفي يوم، كانت الشركة بتحتفل بمرور خمسة وعشرين سنة على تأسيسها.
اتجمع الموظفون القدام والجدد، وكل واحد كان بيحكي حكايته مع المكان.
وفي آخر الحفل، طلع المدير التنفيذي على المسرح وقال
قبل ما نختم، فيه شخصين لازم يطلعوا.
كل الأنظار اتجهت ناحيتي أنا وأشرف.
طلعنا وسط تصفيق طويل.
قال المدير
كل اللي موجود هنا عارف نجاح الشركة، لكن قليل اللي يعرف إنها بدأت من حلم صغير، ومن اتنين رفضوا يستسلموا للظروف.
ثم عرض على الشاشة صورًا من البداية...
البيت القديم...
الشقة الجديدة...
أول مكتب...
وأول خمسة موظفين.
وفجأة ظهرت صورة لموبايل قديم، وعلى شاشته تطبيق الطلبات.
ضحك كل الحضور.
بصيت
لأشرف وقلت وأنا بضحك
حتى دي احتفظت بيها؟
قال دي الصورة اللي غيرت حياتنا.
بعد انتهاء الحفل، رجعنا البيت.
وأنا بفتح باب المكتبة، لقيت حفيدي الصغير ماسك الألبوم القديم.
قال ببراءة
تيتا... هو صحيح كل ده بدأ علشان كنتي عايزة تطلبي أكل؟
ضحكت من قلبي لأول مرة من سنين.
وقلت
أيوه يا حبيبي... ساعات ربنا بيغير حياة الإنسان بسبب موقف صغير جدًا.
قعد جنبي وقال
ولما أكبر، هحكي القصة دي لولادي.
ابتسم أشرف وقال له
بس احكيها كاملة.
سأله الحفيد
يعني إيه كاملة؟
قال أشرف وهو ينظر إليّ
احكيلهم إن الثقة لازم تكون موجودة، وإن أي مشكلة ليها حل بالكلام، وإن الإنسان ما يحكمش قبل ما يسمع.
هز الحفيد رأسه وقال
وإن الخير بيرجع لصاحبه.
ابتسمنا جميعًا.
وأغلقت أنا الألبوم، لكني كنت أعرف في داخلي أن بعض القصص لا تنتهي أبدًا...
لأنها تظل تُروى من جيل إلى جيل، تحمل معها درسًا بسيطًا
البيوت لا تبنيها الأموال وحدها... بل تبنيها المودة، والصدق، والرحمة.
تمت بحمد الله وبعد سنوات طويلة جدًا...
كان شعري كله أبيض، وأشرف بقى يمشي بعصاية صغيرة، لكن ابتسامته كانت زي ما هي، نفس الابتسامة اللي كانت بتطمني طول العمر.
كنا قاعدين في الحديقة، وحوالينا الأحفاد وأولاد الأحفاد.
واحد من الصغيرين سألني
تيتا... إيه أكتر يوم غير حياتك؟
بصيت لأشرف، وضحكت.
قلت اليوم اللي كنت راجعة فيه تعبانة، وكنت عايزة أطلب أكل.
كلهم ضحكوا.
لكن أشرف قال بهدوء
لا... أكتر يوم غير حياتنا كان اليوم اللي اخترنا فيه نكمل مع بعض كل يوم، مهما كانت الظروف.
سكتنا لحظة.
ثم مد إيده ومسك إيدي، زي ما كان بيعمل دائمًا.
وقال
عارفة يا سارة؟ البيت الكبير، والشركة، والجمعية، وكل النجاح ده... كان ممكن يضيع لو فقدنا احترامنا لبعض.
ابتسمت وقلت
وكان ممكن يضيع لو فقدنا الرحمة.
في تلك اللحظة، دخل حفيدنا الكبير وقال
إحنا قررنا نكمل الجمعية والشركة بعدكم... ونخلي رسالتكم تعيش.
نظرت أنا
وأشرف لبعضنا.
لم يكن هناك شعور أجمل من أن ترى الخير الذي زرعته يكبر حتى بعدك.
وفي آخر الليل، جلسنا في البلكونة للمرة الأخيرة.
نفس البلكونة.
نفس القهوة.
ونفس الهدوء.
قال أشرف بصوت دافئ
الحمد لله... عشنا حياة تستحق.
ابتسمت وأنا أنظر إلى السماء وقلت
الحمد لله... لأننا اخترنا الحب، والصدق، والخير.
وفي النهاية...
لم تكن قصتنا عن بيت جديد.
ولا عن شركة ناجحة.
ولا عن مفاجآت كثيرة.
كانت قصتنا عن إنسانين تمسكا ببعضهما في زمن أصبح فيه التمسك نادرًا.
ولهذا السبب...
لم تكن هذه نهاية قصة.
بل كانت بداية أثرٍ سيبقى في قلوب كل من عرفهما. بعد سنوات...
اجتمع الأبناء والأحفاد في البيت الكبير، بعدما تقدّم أشرف وسارة في العمر.
كانت الجدران مليئة بالصور؛ صورة أول بيت، وصورة الشقة الجديدة، وصورة افتتاح الشركة، وصورة أول أسرة ساعدتها الجمعية.
دخل الحفيد الأكبر وقال
تيتا... بابا بيقول إن الوقت جه ترتاحوا وتسيبوا إدارة الشركة لينا.
ابتسمت سارة ونظرت إلى أشرف.
قال بهدوء إحنا من زمان بنجهزكم لليوم ده.
وفي اليوم التالي، اجتمع مجلس الإدارة.
وقف أشرف وقال
من النهارده... أنا وسارة هنكون مستشارين بس. الإدارة هتبقى للجيل الجديد.
صفق الجميع، لكن الموظفين كانت عيونهم مليانة دموع.
اقتربت أقدم موظفة في الشركة وقالت
حضرتك كنت أول واحد صدق فيا، بعد ما كل الناس رفضتني.
ثم احتضنت سارة وقالت
وحضرتك علمتينا إن النجاح ملوش قيمة لو محدش شارك غيره فيه.
خرج أشرف وسارة من الشركة لأول مرة من غير ملفات ولا اجتماعات.
ركبوا العربية، لكن أشرف لم يتجه إلى البيت.
قال تعالي.
وصلوا إلى قطعة أرض واسعة على أطراف المدينة.
سألته سارة إحنا هنا ليه؟
ابتسم وأشار إلى لافتة كبيرة كُتب عليها
مؤسسة سارة وأشرف للتعليم ورعاية الأسر.
اتسعت عيناها.
قال دي آخر أمنية كنت بحضر لها. المؤسسة هتفضل تخدم الناس حتى بعد ما نمشي.
لم تستطع سارة أن تمنع دموعها.
قالت
إحنا بدأنا بطلب أكل... وانتهينا بمؤسسة خيرية!
ضحك أشرف وقال ربنا بيبارك في النية الصادقة.
افتتحت المؤسسة أبوابها، وأصبحت تمنح منحًا دراسية، وتساعد الأسر المحتاجة، وتدرب الشباب على العمل.
وبعد سنوات، كان اسم سارة وأشرف يُذكر دائمًا كلما نجح شاب، أو تخرجت طالبة، أو بدأت أسرة جديدة حياتها.
لم يتركوا وراءهم ثروة فقط...
بل تركوا أثرًا لا يُقاس بالمال.
وهكذا أصبحت قصتهما تُروى دائمًا، ليس لأنها بدأت بموقف غريب، بل لأنها انتهت بحياة امتلأت بالحب، والعطاء، والوفاء. النهاية
مرت الأعوام، وشاب شعر أشرف وسارة، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير... كل صباح كانا يجلسان معًا يحتسيان القهوة، ويضحكان كلما تذكرا ذلك اليوم الذي بدأ كله بسبب طلب طعام على هاتف.
وفي الذكرى الأربعين لزواجهما، اجتمعت العائلة كلها في البيت. الأبناء، والأحفاد، وكل من ساعدته الجمعية أو عمل في الشركة حضر ليقول كلمة شكر.
وقف الابن الأكبر وقال
إحنا ورثنا منكم أكتر من شركة وبيت... ورثنا اسمًا نظيفًا، وقلبًا يعرف يساعد الناس.
ثم تقدمت حفيدته الصغيرة، وأعطت سارة إطارًا زجاجيًا.
فتحت سارة الإطار، فوجدت بداخله صورة قديمة لشاشة تطبيق الطلبات، وأسفلها عبارة
من هنا بدأت الحكاية.
ضحكت وسط دموعها، وقالت كنت فاكرة إن اليوم ده أسوأ يوم في حياتي... لكنه طلع بداية أجمل عمر.
أمسك أشرف يدها أمام الجميع وقال
لو رجع بيا الزمن، الحاجة الوحيدة اللي هغيرها إني هصارحك من أول يوم. لأن الحب يعيش بالمفاجآت، لكنه يكبر بالثقة.
صفق الجميع، وتعانق الأبناء والأحفاد.
وفي نهاية الحفل، خرج أشرف وسارة إلى الحديقة، وجلسا في هدوء تحت السماء.
قالت سارة لو حد سألني إيه أغلى حاجة كسبتها في حياتي... هقول راجل كان كل يوم يختار يبني بيتنا من جديد.
ابتسم أشرف وقال وأنا هقول زوجة صبرت، وساندت، ولما عرفت الحقيقة، سامحت.
تشابكت أيديهما، ونظرا
إلى أولادهما وأحفادهما وهم يملؤون المكان
ضحكًا وحياة.
وأدركا أن البيوت لا تبقى بسبب الجدران، ولا بسبب المال...
بل تبقى لأن فيها قلوبًا عرفت معنى الرحمة، والصدق، والمودة.
تمت بحمد الله.

تم نسخ الرابط