كنت مروحه البيت

لمحة نيوز

تترك أثرًا طيبًا في حياة الآخرين. تمت القصة بعد خمس سنوات...
في صباح هادئ، كنت قاعدة في البلكونة بشرب قهوتي، وأشرف بيقلب في الجرنال.
رن جرس الباب.
فتحت، لقيت شاب في أوائل العشرينات، لابس بدلة شيك، وفي إيده بوكيه ورد.
قال باحترام حضرتك مدام سارة؟
قلت أيوة.
ناولني الورد وقال أنا جيت أشكرك.
استغربت وسألته إحنا نعرف بعض؟
ابتسم وقال يمكن حضرتك متعرفنيش... لكن من خمس سنين، أنا وأمي كنا أول ناس ساعدتهم الجمعية اللي حضرتكم عملتوها.
فضل يحكي وهو متأثر
أبويا مات، وكنا هنترمي في الشارع. الجمعية دفعت لنا الإيجار، وساعدتني أكمل تعليمي. النهارده أنا بقيت مهندس، وأول مرتب كبير قبضته، قررت أرجع للمكان اللي غير حياتي.
كان أشرف واقف بيسمع، وعينه لمعت بالدموع.
طلع الشاب ظرف من جيبه وقال دي أول تبرع مني للجمعية... عشان تساعدوا أسرة تانية زي ما ساعدتونا.
أشرف رفض في الأول، لكن الشاب أصر.
وقال الخير لازم يكمل.
بعد ما مشي، بصيت لأشرف وقلت
فاكر لما كنت زعلان إن تعبك راح في التشطيبات والأقساط؟
ابتسم وقال
دلوقتي عرفت إن أحسن استثمار عملناه... كان في الناس.
في المساء، قعدنا في البلكونة نفسها.
الشمس كانت بتغيب، والجو هادي.
مسكت إيده وقلت
عارف... لو الزمن رجع بيا، وبرضه لقيت العنوان ده على موبايلك... هسألك الأول قبل ما أسيب الشك يدخل بينا.
ابتسم وربت على إيدي وقال
وأنا لو الزمن رجع بيا، عمري ما هخبي عنك حاجة. لأن الثقة أغلى من أي مفاجأة.
فضلنا قاعدين نبص للسماء، وكل واحد فينا حاسس بالامتنان للرحلة الطويلة اللي عدينا بيها.
فالحياة علمتنا إن الحب الحقيقي مش في الهدايا الكبيرة، ولا البيوت الفخمة، لكنه في الصدق، والمشاركة، والرحمة... وإن أي بيت يبنيه الاتنين مع بعض، يفضل أقوى من أي قصر.
النهاية بعد
مرور عشرة أعوام...
كان البيت مليان ضحك.
أحفاد إخواتنا بيجروا في كل مكان، والجمعية بقت مؤسسة كبيرة بتساعد مئات الأسر كل سنة، والشركة كبرت وبقى ليها فروع في أكتر من محافظة.
وفي ليلة هادئة، كنا أنا وأشرف قاعدين في نفس البلكونة اللي شهدت كل لحظاتنا.
قلت له وأنا بابتسم فاكر أول يوم دخلت موبايلك عشان أطلب أكل؟
ضحك وقال أيوه... أكتر طلب أكل قلب حياتنا.
ضحكنا إحنا الاتنين.
وفجأة قال تعالي.
طلع من جيبه علبة صغيرة.
بصيت له وقلت وأنا بضحك إيه؟ لسه عندك مفاجآت؟
قال آخر واحدة... أوعدك.
فتحت العلبة، لقيت فيها خاتم جوازنا الأول.
الخاتم اللي اضطر يبيعه بعد أول سنة جواز، لما والده تعب ومكنش معاه فلوس العلاج.
فضلت أبص له وأنا مش قادرة أتكلم.
قال فضلت أدور عليه سنين... ولما لقيته اشتريته تاني.
لبسته في صباعي، وأنا دموعي نازلة.
قلت عارف... الخاتم ده عمره ما كان قيمته في الدهب.
ابتسم وقال قيمته إنه شهد بداية رحلة عمر.
وفي اللحظة دي، دخل أولاد إخواتنا يجروا علينا.
واحد منهم قال يلا يا جدو... يلا يا تيتة... الصورة الجماعية.
وقفنا وسط كل الناس.
العيلة كلها كانت متجمعة.
اتصورت الصورة، لكن قبل ما المصور يدوس على الزر، بصيت لأشرف.
ابتسملي نفس الابتسامة اللي وقعني فيها من سنين.
وقتها همست في ودنه الحمد لله... إن أول شك دخل قلبي، خرج منه يقين إن ربنا بيعوض الصابرين بأجمل مما يتخيلوا.
ضغط المصور على زر الكاميرا.
واتحبست اللحظة في صورة...
صورة لرحلة بدأت بطلب أكل، وكادت تنتهي بسوء ظن، لكنها انتهت ببيت مليان حب، وشركة ناجحة، وجمعية بتصنع الأمل، وقلوب عرفت أن الصراحة والثقة هما أساس أي حياة سعيدة.
تمت بحمد الله بعد الصورة بدقائق، رن جرس الباب.
فتحت، لقيت ساعي بريد ماسك ظرف قديم، لونه اصفر من الزمن.
قال
الجواب ده كان متحول بين أكتر من عنوان، وأخيرًا وصل.
استغربت، لأن المرسل كان مكتوب عليه اسم والد أشرف... اللي توفى من سنين.
بصيت لأشرف، وكان مستغرب زيي.
فتح الظرف بحذر.
كان فيه جواب بخط إيد والده.
قرأ بصوت متأثر
يا أشرف... لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا خلاص مشيت من الدنيا. لو ربنا رزقك بزوجة صالحة تقف جنبك وقت الشدة، أوعى تفرط فيها، لأن الرزق مش فلوس ولا بيوت... الرزق الحقيقي هو الإنسان اللي يهون عليك الدنيا.
وقف أشرف عن القراءة، وصوته اتكسر.
كمل بعد لحظات
أنا ضيعت سنين من عمري بدور على المال، واكتشفت متأخر إن أغلى حاجة كانت الأسرة. حافظ على بيتك مهما كانت الظروف.
خلص القراءة، وساد صمت طويل.
أنا مسكت إيده، وهو قال كان نفسي يسمع بنفسه إننا قدرنا نحقق كل اللي كان بيحلم بيه.
بعد أيام، قررنا نحط الرسالة في برواز، وعلقناها في مدخل الشركة.
تحتها كتبنا جملة واحدة
النجاح الحقيقي يبدأ من بيت متماسك.
وكل موظف جديد كان يدخل الشركة، يقف يقرأ الرسالة.
وبقت جزءًا من ثقافة المكان.
ومرت السنوات...
وفي يوم، كنت أنا وأشرف قاعدين في الحديقة، بنتفرج على الأطفال وهم بيلعبوا.
قلت له لو حد سألنا إيه سر السعادة... هنقول إيه؟
ابتسم وقال إن كل يوم تختار شريك حياتك من جديد... بالحب، والاحترام، والثقة.
ابتسمت وأنا أسندت رأسي على كتفه.
وفي تلك اللحظة، شعرت أن أجمل قصة في حياتنا لم تكن الشقة الجديدة، ولا الشركة، ولا النجاح...
بل أننا، رغم كل الصعوبات، لم نفقد بعضنا أبدًا.
النهاية الحقيقية بعد عشرين سنة...
وقفت قدام المراية، لمست أول شعرة بيضا ظهرت في راسي، وابتسمت.
خرجت لقيت أشرف مستنيني في الجنينة، ماسك فنجانين قهوة، زي عادته كل صباح.
قال وهو بيناولني الفنجان لسه بتشربيها من غير سكر؟
ضحكت وقلت بعد
العمر ده كله... لسه بتسأل؟
رد وهو بيضحك بحب أسمع إجابتك.
قعدنا ساكتين شوية، نتفرج على شروق الشمس.
وفجأة دخل علينا حفيد أختي وهو بيجري، وقال
تيتة... عمو أشرف... فيه بنت برا بتقول إنها عايزة تشوفكم.
خرجنا.
كانت بنت صغيرة في أوائل العشرينات، باين عليها التعب.
قالت وهي ماسكة ملف أنا جاية الجمعية... بس الحقيقة كنت عايزة أشوفكم قبل أي حاجة.
دخلت وقعدت.
قالت أنا اتربيت في دار أيتام، والجمعية كانت بتصرف على تعليمي من غير ما أعرف مين المتبرع.
وسكتت لحظة.
النهارده اتخرجت دكتورة... وأول مرتب ليا جبت منه تبرع صغير.
مدت الظرف وهي بتبكي.
قلت لها احتفظي بفلوسك... ابدأي بيها حياتك.
هزت رأسها وقالت لا... لأن الخير اللي وصلني لازم يوصل لغيري.
بصيت لأشرف.
لقينا نفسنا بنبتسم من غير كلام.
بعد ما خرجت، قال لي
شايفة؟
قلت إيه؟
قال زمان كنا فاكرين إن البيت الجديد هو أكبر إنجاز... لكن أثر الخير هو اللي فضل بعد كل السنين.
في المساء، فتحت درج مكتبي القديم.
لقيت ورقة صغيرة كنت كاتباها يوم ما شفت العنوان الغريب على موبايله.
كان مكتوب فيها
لو طلع بيخدعني... هسيبه وأبدأ من جديد.
قلبت الورقة، وكتبت تحتها
ولو طلع صادق... هتعلم إني ما أحكمش قبل ما أعرف الحقيقة.
قفلت الدرج، وأنا حاسة براحة عمرها ما زارت قلبي قبل كده.
لأن الحياة علمتني درسًا لن أنساه أبدًا
أحيانًا الحقيقة لا تحتاج إلى سرعة في الحكم... بل تحتاج إلى صبر، وحوار، وثقة.
تمت القصة في صباح اليوم التالي، وبينما كنت أرتب مكتبة البيت، سقط ألبوم صور قديم من فوق الرف.
فتحته بالصدفة...
أول صورة كانت لينا يوم كتب الكتاب، وإحنا لابسين أبسط هدوم، لكن الضحكة كانت مالية وشوشنا.
قعدت أتأمل الصور واحدة واحدة، لحد ما دخل أشرف.
ابتسم وقال لسه محتفظة بالألبوم؟

قلت ده عمر كامل... إزاي أفرط فيه؟
قعد جنبي، وفضلنا نقلب الصفحات.
كل صورة كانت بتحكي حكاية... صورة لأول بيت. وصورة لأول مرتب
تم نسخ الرابط