كنت مروحه البيت

لمحة نيوز

مهندس ديكور. كانوا بيتكلموا عن الفرش والمطبخ والألوان.
وقفت بعيد أراقب، لحد ما سمعته بيقول للمهندس
عايز كل حاجة تخلص قبل عيد جوازنا العاشر... مراتي تستحق تعيش في مكان يريحها بعد السنين اللي تعبت فيها.
وقفت مكاني وكأني اتجمدت.
بعدها بدقائق، لمحني.
اتفاجأ بوجودي، وجري ناحيتي وهو بيقول كنتي هنا؟ كنت نفسي أفاجئك... الشقة دي بقالى سنتين بقسطها من غير ما أقولك، وكل الطلبات اللي شوفتيها كانت علشان نجهزها. كنت عايز أول ما ندخلها تحسي إن كل تعبك راح.
دموعي نزلت من غير ما أتكلم.
مد إيده وطلع من جيبه مفتاح جديد، وحطه في كفي وقال بابتسامة
البيت ده باسمك. لأنك طول السنين دي كنتي سندي، وعمرك ما اشتكيتي.
بصيت حواليّا، وافتكرت كل لحظة شك عديت بيها من امبارح.
وقتها فهمت إن الحقيقة ساعات بتكون مختلفة تمامًا عن اللي بيتخيله عقلنا، وإن سوء الظن ممكن يهدم أجمل الحكايات لو استعجلنا الحكم قبل ما نعرف الحقيقة ابتسمت وأنا ببص للمفتاح، لكن جوايا كان لسه فيه وجع.
قلتله بصوت مكسور طب ليه يا أشرف؟ ليه سيبتني أوصل لمرحلة إني أشك فيك؟ ليه كنت سايبني شايلة مصاريف البيت لوحدي، وأنا فاكرة إنك مش معاك؟
نزل رأسه للأرض، وسكت شوية، وبعدها قال أنا غلطت... كنت فاكر إن المفاجأة تستاهل التضحية، لكن ماخدتش بالي إنك كنتي بتتكسري كل يوم. كل جنيه كنت بحوشه للشقة، كان المفروض أوفر منه جزء يخليكي مرتاحة.
دخلنا الشقة.
كانت لسه تحت التشطيب، لكن كل ركن فيها معمول على ذوقي.
المطبخ بنفس اللون اللي كنت واقفة قدامه في معرض الأثاث واتفرجت عليه من سنتين، ولما سألني البائع قلت غالي علينا.
والصالون بنفس التصميم اللي كنت محتفظة بصورته على موبايلي.
حتى البلكونة كانت مزروعة بنفس الورود اللي بحبها.
لفيت أبص له وأنا مذهولة.
ابتسم
وقال كنت كل ما تقولي نفسي في حاجة، أسجلها من غير ما تحسي.
قعدت على أقرب كرسي ودموعي نزلت.
لكن المرة دي دموع ارتياح.
رجعنا البيت القديم، ومن يومها أشرف بدأ يشاركني كل حاجة.
أصر إنه يتحمل مصاريف البيت كاملة لحد ما ننقل.
وقال مش هينفع بعد النهارده تشيلي الحمل لوحدك.
بعد شهرين، انتهت التشطيبات.
وفي يوم نقل العفش، وقفنا قدام باب الشقة الجديدة.
ناولني المفتاح وقال افتحي بيتك بنفسك.
فتحت الباب، ودخلنا وإحساس جديد بيملاني.
كان بيتنا... وبداية مختلفة.
لكن وأنا بلف في الشقة، لاحظت باب صغير في آخر الطرقة عليه قفل إلكتروني.
بصيت لأشرف باستغراب وقلت هو فيه إيه جوه الأوضة دي؟
ابتسم ابتسامة غامضة، وقال دي آخر مفاجأة... ولما تشوفيها هتعرفي إن كل التعب اللي فات كان له سبب بصيت له باستغراب، وقلت آخر مفاجأة؟ بعد كل اللي حصل، مفيش عندي قدرة أستحمل مفاجآت تاني.
ضحك بهدوء، وكتب الرقم السري على لوحة القفل، وبعدها فتح الباب وهو بيقول اتفضلي.
دخلت الأوضة... واتسمرت مكاني.
الأوضة كانت عبارة عن مكتب صغير، فيه مكتبة كبيرة مليانة كتب، ومكتب خشب أنيق، وكرسي مريح، وجهاز كمبيوتر جديد، وعلى الحيطة لوحة مكتوب عليها
أحلامك لسه ما انتهتش.
بصيت له وأنا مش فاهمة.
قال فاكرة يوم ما قولتي إن نفسك تكملي دراستك وتفتحي مشروع صغير، بس الظروف خلتك تنسي أحلامك؟
هزيت رأسي وأنا بفتكر اليوم ده.
قال أنا ما نسيتوش. الأوضة دي معمولة علشانك. سواء حبيتي تكملي تعليمك، أو تشتغلي من البيت، أو تبدئي مشروعك... المكان ده هيبقى بداية حلمك.
مد لي ملف كان على المكتب.
فتحته، لقيت كل الأوراق الخاصة بدورة تدريبية كنت نفسي ألتحق بيها، ومعاها خطة لمشروع صغير باسمي، وجزء من المبلغ اللازم للبداية كان متحوش بالفعل.
ماقدرتش أتمالك نفسي.

قلت له أنا كنت فاكرة إنك نسيتني... لكن واضح إنك كنت بتخطط لمستقبلي.
رد بهدوء يمكن أخطأت لما خبيت عليك، لكن عمري ما نسيت تعبك. كنت عايز أشوفك ناجحة، مش بس مرتاحة.
في اللحظة دي حسيت إن البيت الجديد مش مجرد شقة.
كان بداية حياة جديدة، مبنية على المشاركة بدل التحمل، وعلى الصراحة بدل الأسرار.
وبعد سنة...
افتتحنا المشروع الصغير اللي حلمت بيه سنين، وكبر مع الوقت، وبقى مصدر رزق لينا ولعدد من البنات اللي كانوا بيدوروا على فرصة شغل.
وكل ما حد كان يسألني إيه أجمل ركن في بيتك؟
كنت أبتسم وأقول
الأوضة الصغيرة اللي فكرّتني إن الأحلام ممكن تتأجل... لكنها عمرها ما بتموت بعد مرور ثلاث سنوات...
المشروع اللي بدأ من أوضة صغيرة في آخر الطرقة، بقى شركة معروفة، وبقى عندنا فريق شغال معانا، وكل واحد فيهم ليه حكاية تشبه حكايتي.
في يوم، كنت قاعدة في مكتبي، دخل أشرف وهو شايل ظرف أبيض.
ابتسم وقال فاكرة أول مرة مسكتي موبايلي علشان تطلبي أكل؟
ضحكت وأنا هزيت راسي.
قال الظرف ده بقى المفاجأة الأخيرة بجد.
فتحته، ولقيت عقد ملكية قطعة أرض صغيرة.
بصيت له باستغراب.
قال دي هنبني عليها مقر الشركة الجديد.
ابتسمت وقلت إحنا بدأنا من أوضة... ودلوقتي هنبني شركة كاملة؟
رد وهو بيضحك لأنك عمرك ما استسلمتي.
وفي يوم افتتاح المقر الجديد، وقفت قدام الموظفين ألقي كلمة.
قلت زمان كنت فاكرة إن السعادة معناها بيت كبير أو فلوس كتير... لكن اكتشفت إن السعادة الحقيقية إن يكون فيه حد يقدرك، ويسندك، ويشاركك المسؤولية.
صفق الجميع بحرارة.
وبعد الحفل، وإحنا راجعين، وقفنا قدام بيتنا الأول.
البيت الصغير اللي شهد أصعب أيامنا.
قلت لأشرف فاكر قد إيه كنا بنتخانق على مصاريف البيت؟
ابتسم وقال وفاكر إنك كنتي دايمًا تقولي ربنا كبير.
ابتسمت وأنا
ببص للبيت للمرة الأخيرة.
وقتها عرفت إن أصعب الأيام، لو عدت بالصبر والتفاهم، ممكن تبقى هي السبب في أجمل بداية.
تمت بعد انتهاء الحفل، كان كل واحد بيروح بيته، لكن أشرف شد إيدي وقال
تعالي... فيه مكان نفسي أروحله معاكي.
ركبنا العربية، وبعد نص ساعة وقف قدام عمارة قديمة.
بصيت له باستغراب.
قال انزلي.
أول ما نزلت، عرفت المكان.
دي أول عمارة سكنّا فيها بعد الجواز، أوضة وصالة صغيرة، وكان الإيجار وقتها بالعافية.
طلعنا السلم، وخبط على باب الشقة.
فتح الباب راجل كبير، أول ما شاف أشرف ابتسم وقال أهلًا يا ابني.
دخلنا، وفجأة لقيت الشقة متجددة بالكامل.
قال أشرف اشتريتها من سنة.
استغربت وقلت اشتريتها؟ ليه؟
بص حواليه وقال علشان عمري ما أنسى البداية. هنا كنا بنحلم وإحنا معانا أقل القليل.
لفيت في الشقة، وكل ركن فيها رجعلي ذكريات.
ركن كنا بنحط فيه مرتبة على الأرض.
وشباك كنا نقعد قدامه لما الكهربا تقطع.
ومطبخ صغير كنت أطبخ فيه بأبسط الإمكانيات.
ابتسمت رغم دموعي.
قال أشرف عارفة أنا هعمل إيه في الشقة دي؟
هزيت راسي.
قال هنحولها لجمعية خيرية صغيرة تساعد أي عروس يتيمة أو أسرة جديدة تبدأ حياتها. كل شهر هنجهز بيت لأسرة محتاجة.
بصيت له وأنا مش مصدقة.
قلت يعني المكان اللي بدأنا فيه هيبقى بداية لناس تانية؟
قال بالضبط.
وبالفعل، بعد شهور قليلة، بقت الشقة تستقبل كل شهر أسرة جديدة، يقدموا لهم أثاثًا وأجهزة وأدوات منزلية تساعدهم يبدأوا حياتهم بكرامة.
ومع مرور السنين، كبرت المبادرة، وبقى ليها متبرعين كتير.
وفي يوم، وأنا واقفة أتفرج على أول عروس بتستلم مفتاح شقتها، افتكرت اليوم اللي كنت واقفة فيه قدام شاشة موبايل أشرف، والشك كان مالي قلبي.
ابتسمت بيني وبين نفسي، وقلت
الحمد لله... لو كنت استعجلت وظلمته، كان
زماني خسرت إنسانًا كان كل حلمه يسعدني.
ثم خرجنا من المكان وإحنا مطمئنين، لأن أجمل النهايات هي التي
تم نسخ الرابط