بعد ماخسرت ابني

لمحة نيوز

تحت!
لو ما فتحتش خلال دقيقة...
هننسف الباب كله!
حمدي غمض عينه للحظة...
وبعدين بصلي وقال
كنت ناوي أحكي كل حاجة النهارده...
لكن قبل ما تعرفي الحقيقة...
لازم تعرفي حاجة أخطر...
الناس اللي فوق... مش جايين عشان الملف... هم جايين عشان حسين.
ثم التفت ببطء ناحية أمينة...
وقال بصوت خافت أربكنا جميعًا
لأن حسين... هو الطفل اللي كانوا فاكرين إنه اختفى من المستشفى في نفس الليلة أمينة شهقت ورجعت خطوة لورا، وضمت حسين لصدرها بقوة.
صرخت وهي بتبكي
إنت بتقول إيه؟! ده ابني... أنا اللي ربيته من يوم ما اتولد!
هز حمدي راسه بأسف.
أنا مقولتش إنه مش ابنك... أنا بقول إن اللي حصل يومها كان أكبر من مجرد خطأ.
بصيت له وأنا حاسة إن دماغي هتنفجر.
اتكلم واضح!
أخذ نفسًا عميقًا وقال
في الليلة دي... كان فيه أربع أطفال اتولدوا في نفس الساعة تقريبًا. وانقطعت الكهرباء في قسم الحضانات أقل من دقيقتين... لكن الدقيقتين دول كانوا كفاية يغيروا مصير ناس كتير.
وقبل ما يكمل...
دوّى انفجار خفيف فوقينا.
اتنفض السقف، ووقع تراب على كتافنا.
صوت الباب الحديد بدأ يتلوى.
حمدي بص حوالينا بسرعة، وجري ناحية دولاب حديد قديم في آخر الممر.
فتحه، وطلع منه حقيبة جلد سوداء.
ناولها ليا وقال
خديها... ومتفتحيهاش هنا.
قلت بارتباك
فيها إيه؟
رد بسرعة
كل اللي قدرت أخبيه طول السنين... صور، تسجيلات، وأهم حاجة... دفتر العمليات الأصلي.
قلبي وقع.
يعني الحقيقة كلها هنا؟
هز راسه.
جزء كبير منها... لكن فيه ورقة واحدة ناقصة.
فين؟
بص في عيني مباشرة وقال
مع الدكتور اللي أعلن وفاة يونس.
وقبل ما أسأله اسمه...
اتكسر الباب الحديد فجأة.
دخل شعاع نور قوي، وظهر ظل تلات رجالة.
أول واحد منهم رفع صوته وقال
انتهت اللعبة يا حمدي.
ابتسم حمدي ابتسامة غريبة...
وبصلي بسرعة.
أول ما أقول اجري... متبصيش وراكي مهما سمعتي.
وفجأة رمى صندوق خشب كان جنب الحائط على
الأرض.
انفجر منه دخان أبيض كثيف ملأ المكان كله.
وسط الدخان، سمعنا صريخ... وخبط... وصوت إطلاق نار.
وحمدي صرخ بأعلى صوته
اجري يا أميرة... دلوقتي!
مسكت إيد أمينة، وجريت بأقصى سرعة في ممر ضيق خلفي.
كنا بنجري من غير ما نبص ورا.
لحد ما وصلنا لباب صغير بيطلع على شارع جانبي مهجور.
خرجنا نلهث...
لكن أول ما رفعت عيني...
حسيت إن قلبي وقف.
لأن العربية السودا اللي كانت بتراقبني من الصبح...
كانت واقفة قدام الباب مباشرة.
وبجانبها...
كان أحمد، جوزي، نازل منها بهدوء.
رفع عينه ناحيتي...
وقال بصوت بارد
سامحيني يا أميرة... بس كان لازم تفضلي بعيدة عن الحقيقة.
وتجمدت مكاني...
لأن واضح جدًا إن أحمد... كان يعرف كل حاجة من البداية اتسعت عيني وأنا ببص لأحمد.
الكلمات خرجت مني بالعافية
أحمد... إنت؟!
كان واقف هادي بشكل يخوف.
لا ارتباك...
ولا صدمة...
ولا حتى فرحة إنه لقاني.
بص للحقيبة اللي في إيدي قبل ما يبصلي.
وقال بنبرة ثابتة
اديني الشنطة يا أميرة... وتعالي معايا. كل حاجة هتخلص.
حضنت الشنطة لصدرى أكتر.
إنت عرفت مكاني إزاي؟
ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها مكانتش مريحة.
من أول ما خرجتي من البيت.
حسيت برعشة سرت في جسمي.
يعني... كنت بتراقبني؟
سكت.
والسكوت كان كفاية يجاوب.
أمينة شدّتني من دراعي وهمست
بلاش تديها له... أرجوكي.
أحمد بص لأمينة لأول مرة.
ولما وقعت عينه على حسين...
اتغير لون وشه.
التغيير كان سريع... لكنه واضح.
كأنه شاف حد يعرفه.
أو...
كأنه شاف شبح.
همس من غير ما يحس
مستحيل...
قربت منه خطوة.
إيه اللي مستحيل؟
رفع عينه بسرعة، وكأنه ندم إنه اتكلم.
ولا حاجة.
لكن فات الأوان.
أنا شفت نظرة عينيه.
كانت نظرة واحد اتعرف على شخص عمره ما كان متوقع يشوفه.
وفجأة...
فتح باب العربية.
ونزل منها راجل كبير في السن، لابس بدلة شيك، وشعره كله أبيض.
أول ما شافني قال
مدام أميرة... أنا آسف جدًا على كل اللي مريتي
بيه.
بصيتله باستغراب.
حضرتك مين؟
رد بهدوء
اسمي الدكتور نبيل...
...وكنت مدير المستشفى ليلة ولادة ابنك.
اتجمدت.
قبل ما أنطق...
كمل كلامه
وأنا جاي النهارده... أعترف بخطيئة فضلت مستخبي منها أكتر من عشرين سنة.
بصيتله بعدم استيعاب.
عشرين سنة؟!
ارتبك بسرعة، وحط إيده على جبينه.
ثم قال
أقصد... سنين طويلة.
الكلمة خرجت منه غلط...
لكنها كانت كافية تخلي قلبي يدق بعنف.
لأن يونس...
مات من تلات أسابيع بس.
إزاي لسانه قال عشرين سنة؟
وفي اللحظة دي...
بصيت لأحمد.
لقيته شاحب جدًا...
وبيحاول يمنع الدكتور نبيل من الكلام.
فهمست لنفسي
هما مخبيين إيه... وليه كل واحد فيهم بيغلط في الكلام كأنه حافظ قصة مش قصته؟
وفي نفس اللحظة...
صدر صوت رنين من داخل الحقيبة الجلدية.
استغربت.
فتحتها بسرعة.
كان فيه هاتف قديم جدًا... شغال لوحده.
وعلى شاشته ظهرت رسالة واحدة فقط
لا تصدقي أحمد... ولا الدكتور نبيل... لأن واحد منهم هو اللي أمر بإخفاء الحقيقة... والتاني هو اللي نفذها.
وانطفأت الشاشة قبل ما أعرف...
مين الآمر... ومين المنفذ فضلت ماسكة التليفون بإيد بتترعش.
بصيت لأحمد...
وبعدين للدكتور نبيل.
الاتنين كانوا باصين للحقيبة.
وكأنهم عارفين بالضبط إيه اللي جواها.
أحمد أخد نفس طويل وقال
أميرة... لو سمعتي كلام أي حد غيري، هتندمي طول عمرك.
صرخت فيه
من إمتى وإنت بتكدب عليا؟!
رفع عينه وقال بحزن
من اليوم اللي اضطريت أحميكي فيه.
ضحكت بمرارة.
تحميني؟! سيبتني بعد ما مات ابني، وبعت البيت، وكنت بتراقبني... وبتقول بتحميني؟!
قبل ما يرد...
الدكتور نبيل طلع ظرف أصفر من جيب الجاكيت.
وقال
افتحي ده... وبعدها قرري تثقي بمين.
خدت الظرف بحذر.
كان مختوم بشمع أحمر.
فتحت الشمع...
وطلعت أول ورقة.
كانت نسخة من تقرير وفاة يونس.
لكن فيه حاجة غريبة.
التوقيع الموجود أسفل التقرير...
مش توقيع الدكتورة اللي كانت متابعة حالتي.
كان توقيع
دكتور تاني...
الدكتور شريف عزت.
الاسم ده خلاني أفتكر حاجة.
يوم الولادة...
قبل ما أفقد الوعي، سمعت ممرضة بتقول
هاتوا بسرعة الدكتور شريف... قبل ما أهل الطفل التاني يوصلوا.
ساعتها كنت فاكرة إني بهلوس.
لكن دلوقتي...
الاسم قدامي.
رفعت الورقة بسرعة.
لقيت تحتها صورة للدكتور شريف.
وأول ما شفت وشه...
شهقت.
أنا أعرف الراجل ده.
مش من المستشفى...
لا.
من فرح أخت أحمد.
كان واقف جنب حماتي، وكلهم كانوا بيتصوروا مع بعض.
لفيت ناحية أحمد ببطء.
قلت بصوت مخنوق
الدكتور شريف... قريبك؟
أحمد سكت.
والسكوت كان أخطر من أي اعتراف.
الدكتور نبيل هو اللي رد.
ابن خالة أحمد.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
رجعت خطوة لورا.
يعني... قريبك هو اللي أعلن وفاة ابني؟
أحمد حاول يقرب مني.
اسمعيني الأول.
صرخت
متقربش!
في اللحظة دي...
أمينة كانت ساكتة طول الوقت.
لكن فجأة قالت بصوت مرتعش
استنوا...
كلنا بصينا لها.
كانت بتبص في الصورة.
وبعدين بصت للدكتور نبيل.
وقالت جملة خلت الكل يسكت.
أنا شفت الدكتور ده قبل كده...
من حوالي شهر.
الدكتور نبيل اتفاجئ.
مستحيل... هو مختفي من سنين.
هزت راسها.
لا... جه عند الكوبري اللي بقعد تحته.
وقف قدامي، وبص لحسين، وقال
كبر أهو... بقى شبه أبوه جدًا.
ساد صمت مرعب.
أحمد غمض عينيه.
أما الدكتور نبيل...
فوقع الظرف من إيده.
لأنه أدرك إن الدكتور شريف...
مش مختفي... لكنه كان بيتابع حسين بنفسه طوال الأسابيع الأخيرة.
وفي اللحظة نفسها...
وصلت سيارة إسعاف إلى آخر الشارع.
لكن الغريب...
إنها مكانتش جاية لإنقاذ حد.
لأن أول شخص نزل منها...
كان الدكتور شريف بنفسه...
ولما وقعت عينه على حسين...
ابتسم ابتسامة هادئة وقال
الحمد لله... أخيرًا لقيتك أمينة ضمت حسين لصدرها بكل قوتها، ورجعت لورا وهي بتصرخ
متقربش من ابني!
أما أنا...
ففضلت واقفة مكاني، مش قادرة أحدد مين الكذاب ومين الصادق.
الدكتور شريف وقف على بعد
كام خطوة، ورفع إيديه لفوق وقال بهدوء
أنا مش جاي آخد الطفل... ولو كنت عايز أعمل كده، كان زماني عملته من زمان.
أحمد صرخ فيه بغضب
اسكت! كفاية خراب!
بصله شريف بنظرة حادة وقال
الخراب بدأ يوم وافقت تسكت.
الجملة نزلت على أحمد كأنها صفعة.
خفض عينيه
تم نسخ الرابط