بعد ماخسرت ابني

لمحة نيوز

بيقول بنبرة هادية بشكل مخيف
يا مدام أميرة...
أنا عارف إنك جوة...
ومحتاج أكلمك... لأن فيه حقيقة عن موت ابنك...
لازم تعرفيها قبل ما يفوت الأوان فضلت أبص للرسالة وأنا مش قادرة أتنفس.
إيدي كانت بتترعش لدرجة إن الموبايل وقع مني على الأرض.
أمينة جريت ناحيتي وقالت بقلق
مالك؟ فيه إيه؟
ناولتها الموبايل.
قرأت الرسالة... ووشها اصفر.
همست
بلاش يا أبلة... دي شكلها لعبة خطيرة.
قعدت على الكنبة وأنا حاطة إيدي على صدري.
عقلي كان بيقول إن ده مستحيل...
لكن قلبي...
قلبي كان متعلق بأي أمل، حتى لو كان واحد في المليون.
وفجأة افتكرت حاجة.
في يوم الولادة...
بعد ما قالولي إن يونس توفى...
الدكتورة أصرت تديني حقنة مهدئة.
وبعدها...
كل اللي فاكراه بقى ضباب.
وجوه ناس داخلة طالعة.
أصوات بعيدة.
وورقة خلوني أمضي عليها وأنا مش شايفة قدامي.
قمت فجأة.
قلت بحزم
أنا لازم أعرف الحقيقة.
أمينة حاولت تمنعني.
طب استني... يمكن نبلغ الشرطة.
هزيت راسي.
أبلغهم بإيه؟ برسالة من رقم مجهول؟ هيقولوا إني منهارة بسبب اللي حصل.
بصيت للمفتاح اللي كان على الترابيزة.
كان مكتوب عليه رقم صغير جدًا...
17.
لبست بسرعة، وخدت شنطتي.
لكن قبل ما أخرج...
لفت نظري حاجة غريبة.
من شباك الصالة...
عربية سودا كانت واقفة الناحية التانية من الشارع.
موتورها داير...
وزجاجها كله فاميه.
أول ما بصيت ناحيتها...
العربية تحركت ببطء...
ومشيت.
قلبي انقبض.
نزلت أنا وأمينة ومعانا حسين.
ركبنا تاكسي بدل عربيتي.
كنت حاسة إن حد بيراقبني.
طول الطريق كنت ببص في المراية.
وفي كل مرة...
كنت أشوف نفس العربية السودة على مسافة.
من غير ما تقرب...
ومن غير ما تبعد.
لما وصلنا محطة القطار القديمة...
اتفاجئت إن المكان شبه مهجور.
المحلات مقفولة.
والتراب مغطي كل حاجة.
دخلنا ناحية خزائن الأمانات القديمة.
فضلت أعد الأرقام...
13...
14...
15...
16...
وأخيرًا...
17.
وقفت قدامها.
طلعت المفتاح.
لكن قبل ما أدخله...
سمعنا صوت خطوات جاية من آخر الممر.
خطوات بطيئة...
منتظمة...
وكأن
صاحبها متأكد إنه هيلحقنا.
لفيت بسرعة.
كان فيه راجل لابس بدلة رمادي...
وشه مستخبي تحت كاب.
وقف بعيد شوية وقال بهدوء مخيف
لو فتحتي الخزنة...
هتعرفي الحقيقة.
لكن في اللحظة اللي هتشوفي اللي جواها...
هيبقى مستحيل ترجعي تعيشي حياتك زي الأول.
وبعدين ابتسم ابتسامة غريبة...
وقال
لأن اللي جوا الخزنة... مش مجرد أوراق.
ده دليل يثبت إن حد في المستشفى بدّل طفلين... في نفس الليلة اللي اتولد فيها يونس اتسمرت مكاني...
الكلمة الأخيرة فضلت ترن في وداني.
حقيقة عن موت ابنك...
بصيت لأمينة، لقيتها حضنت حسين جامد، وشفايفها بتترعش.
همست
بالله عليكي... ماتفتحيش.
الخبط وقف فجأة.
وساد صمت تقيل...
الصمت اللي بيبقى أخوف من أي صوت.
قربت من عين الباب، لكن قبل ما أبص...
سمعت خطوات الراجل وهو بيبعد.
استنيت دقيقة...
اتنين...
خمسة.
ولما فتحت الباب بحذر، ملقتش حد.
بس كان فيه ظرف أبيض على الأرض.
من غير اسم.
ولا عنوان.
ولا حتى طابع بريد.
شيلته بإيدي، ولحظتها حسيت بحاجة تقيلة جواه.
قفلت الباب بسرعة.
أمينة بصتلي وقالت
ارميه... أنا قلبي مش مطمن.
لكن فضولي كان أقوى من خوفي.
فتحت الظرف...
وقع منه ظرف أصغر، وصورة، ومفتاح نحاس قديم.
مديت إيدي للصورة الأول.
وأول ما بصيت فيها...
شهقت.
الصورة كانت ليا...
وأنا خارجة من مستشفى الولادة.
لكن الغريب...
إني كنت واقفة بتكلم مع راجل عمري ما شوفته قبل كده.
فضلت أبص للصورة وأنا بحاول أفتكر.
مفيش.
ولا أي ذكرى.
كأن اليوم ده اتشال من دماغي.
قلبت الصورة من الضهر...
لقيت مكتوب بخط إيد
اسألي نفسك... ليه خرجتي من المستشفى ساعتين قبل ميعاد خروجك الرسمي؟
وقعت الصورة من إيدي.
أنا...
ما خرجتش قبل معادي.
أنا فاكرة كويس.
ولا...
يمكن مش فاكرة؟
فتحت الظرف الصغير بسرعة.
كان جواه ورقة واحدة.
مكتوب فيها
لو عايزة تعرفي الحقيقة... افتحي الخزنة رقم 17 في محطة القطار القديمة... والمفتاح معاك. لكن أوعي تثقي في أي حد... حتى أقرب الناس ليكي.
في اللحظة دي...
رن موبايلي.
رقم غريب.
ترددت ثواني...
وبعدين
رديت.
جالي صوت راجل كبير في السن، بيتكلم بهدوء
مدام أميرة؟
أيوه... مين معايا؟
سكت لحظة...
وبعدين قال
لو الظرف وصلك... يبقى للأسف هما عرفوا مكانك.
اتجمدت.
قلت بسرعة
هما مين؟
رد بصوت منخفض
الناس اللي كانوا مستعدين يعملوا أي حاجة... عشان السر اللي اتدفن يوم وفاة ابنك.
وقبل ما أسأله أي سؤال...
سمعته بيصرخ فجأة
لأ... ابعدوا عني!
وبعدين...
انقطع الخط.
وفي نفس الثانية...
وصلت رسالة على موبايلي من رقم مجهول، مكتوب فيها
لو روحتي للخزنة... هتشوفي حاجة هتخليكي تشكي إن ابنك مات أصلًا اتجمدت في مكاني.
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
بصيت للراجل وأنا بقول بصوت متقطع
إنت... إنت بتقول إيه؟
رفع إيده بهدوء وقال
متسأليش دلوقتي... افتحي الخزنة الأول.
بصيت للمفتاح في إيدي.
وبعدين بصيت لأمينة.
كانت شايلة حسين، ومش فاهمة حاجة، لكن الخوف كان واضح في عينيها.
دخلت المفتاح...
لفيته.
صدر صوت تك.
وسحبت باب الخزنة ببطء.
جواها كان فيه صندوق معدني صغير.
طلعته وحطيته على الأرض.
فتحته...
لقيت ملف بني قديم، وفلاشة، وأسورة مستشفى للأطفال.
إيدي راحت للأسورة تلقائيًا.
كان عليها اسم بخط أسود باهت.
ذكر مجهول الهوية.
شهقت.
ليه مجهول الهوية؟
ابني كان اسمه مكتوب من قبل ما يتولد.
قلبت الملف بسرعة.
أول ورقة كانت عبارة عن نسخة من سجل حضّانة الأطفال في المستشفى.
وفيه سطر معمول عليه علامة بالقلم الأحمر.
الساعة ٢١٧ فجرًا...
نقل طفل إلى العناية المركزة.
والسطر اللي بعده مباشرة
وفاة طفل حديث الولادة.
لكن...
أرقام الأساور في السجل...
مش مطابقة.
رقم الطفل اللي دخل العناية...
غير رقم الطفل اللي اتسجلت وفاته.
همست لنفسي
إزاي؟
وفي آخر الملف كانت فيه ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط اليد
لو وصل الملف لأميرة... يبقى أنا فشلت أحمي الحقيقة. فيه شخص واحد بس يعرف اللي حصل كامل... الممرضة سعاد.
وفجأة...
جالنا صوت تصفيق.
رفعنا راسنا.
الراجل اللي كان واقف في آخر الممر بقى أقرب.
كان بيبتسم.
وقال
ممتاز... وصلتي للمرحلة اللي كنت مستنيها.
صرخت
فيه
إنت مين؟!
رد بهدوء
أنا مش عدوك...
لكن في ناس جاية دلوقتي تاخد الملف.
وكأن كلماته كانت إشارة...
سمعنا صوت عربية فراملها صرخت برا المحطة.
وبعدها...
أصوات رجالة بتجري.
الراجل بص ناحية الباب وقال بسرعة
اسمعيني كويس...
خدي الفلاشة واهربي.
وسيبي الملف هنا.
هما بيدوروا على الملف...
لكن اللي عليه الحقيقة الكاملة موجود على الفلاشة.
مد إيده ليديني الفلاشة...
لكن قبل ما ألمسها...
دوّى صوت طلقة في المكان.
وانكسر زجاج الشباك الخلفي للخزنة.
وأول حاجة وقعت على الأرض...
كانت الفلاشة... واتزحلقت تحت دولاب الخزائن القديم، بينما أصوات الخطوات كانت بتقرب بسرعة شديدة...انحنيت بسرعة أحاول أوصل للفلاشة.
لكن قبل ما ألمسها...
شدني الراجل من دراعي بعنف وهو بيهمس
سيبيها دلوقتي... لو انحنيتي هتبقي هدف سهل.
وفي نفس اللحظة...
دخل تلات رجالة من باب المحطة.
وشوشهم كانت متغطية بكمامات وكابات.
واحد منهم صاح
فتشوا المكان... الفلاشة لازم تترجع!
أمينة ضمت حسين لصدرها، وكانت بتكتم نفسه بإيديها عشان ما يعيطش.
الراجل بصلي وقال بسرعة
امشي ورايا... من غير صوت.
دخلنا ممر ضيق بين الخزائن القديمة.
كنا بنمشي على أطراف صوابعنا.
وفجأة...
سمعنا صوت طفل بيعيط.
رجالة الكمامات لفوا كلهم ناحية الصوت.
بصيت لأمينة بخضة.
لكن حسين...
كان نايم.
يبقى صوت مين ده؟
الراجل ابتسم لأول مرة وقال
الحمد لله... لسه شغالة.
استغربت.
وقبل ما أسأله...
ضغط على زر صغير مستخبي في الحيطة.
وفجأة اشتغل تسجيل صوتي لطفل رضيع بيعيط من آخر الممر.
الرجالة كلهم جروا ناحية الصوت.
استغلينا اللحظة وجرينا في الاتجاه العكس.
وصلنا لباب حديد قديم.
فتحه بمفتاح كان معاه.
ونزلنا على سلم ضيق تحت الأرض.
أول ما قفل الباب فوقينا...
تنفست بصعوبة وقلت
إنت مين؟ وإزاي تعرف كل ده؟
خلع الكاب لأول مرة.
كان راجل في أواخر الستينات...
وشه مليان تجاعيد، لكن عينيه كان فيهم حزن غريب.
قال
اسمي حمدي... واشتغلت أكتر من تلاتين سنة مسؤول أرشيف في المستشفى اللي اتولد فيها يونس.

قلبي دق بعنف.
كمل كلامه وهو بيبص في الأرض
وأنا... كنت شاهد على اللي حصل الليلة دي.
صرخت
يبقى قول! ابني حصله إيه؟
رفع عينه ناحيتي...
لكن قبل ما ينطق...
سمعنا صوت خبط قوي على الباب الحديد اللي فوق.
مرة...
واتنين...
وتلاتة...
وبعدين صوت راجل بيزعق
حمدي! إحنا عارفين إنك
تم نسخ الرابط