طرد مراته قدام العاملين
أول مستشفى ميداني عمله وقت السيول من أكتر من ثلاثين سنة. الحقيبة دي كانت عندي أمانة.
فتحتها مريم.
وجدت عشرات الصور القديمة.
في كل صورة كان والدها واقف وسط المرضى، يعالجهم بنفسه، ويبتسم لهم.
لكن أكثر ما لفت انتباهها كان دفترًا صغيرًا.
على أول صفحة كتب والدها
لو بقى العلاج تجارة... يبقى الطب فقد روحه.
قلبت الصفحات.
كان الدفتر مليئًا بأفكار لتطوير المستشفيات، وكيف تكون الخدمة الطبية متاحة للفقراء قبل الأغنياء.
تنهدت مريم وقالت
بابا كان بيفكر في كل ده من زمان...
ابتسم الرجل العجوز.
وكان دايمًا يقول أنا مش هعيش كفاية أشوف الحلم ده، لكن بنتي هتكمله.
أغلقت مريم الدفتر وهي تشعر بالفخر.
وفي الأسبوع التالي، أعلنت عن إنشاء مؤسسة خيرية تحمل اسم مؤسسة حسن الشافعي للرعاية الطبية، هدفها إنشاء وحدات علاج مجانية في القرى والمناطق الأكثر احتياجًا.
وعندما سألها أحد الصحفيين
ليه لسه بتتعبي نفسك بعد كل النجاح ده؟
ابتسمت وقالت
لأن النجاح الحقيقي مش إن الناس تعرف اسمك... النجاح الحقيقي إن دعوة مريض تفضل تسبق اسمك في كل مكان.
وهكذا، استمرت رحلة مريم، لا تبحث عن مجد شخصي، بل عن أثر يبقى حتى بعد رحيلها، تمامًا كما فعل والدها. بعد عامين...
كانت مؤسسة حسن الشافعي قد افتتحت خمس وحدات طبية مجانية في القرى، وأصبح اسم مريم معروفًا في كل مكان بسبب أعمالها الإنسانية.
وفي مساء أحد الأيام، وبينما كانت تستعد لمغادرة مكتبها، دخل عليها الأستاذ فؤاد يحمل ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر.
قال وهو يبتسم
دي آخر أمانة عندي من والدك.
نظرت إليه باستغراب.
آخر أمانة؟
هز رأسه.
قال لي ما تديهاش لمريم إلا لما أتأكد إنها نجحت من غير ما تنسى أصلها.
فتحت الظرف ببطء.
كان بداخله مفتاح قديم، ومعه ورقة صغيرة.
مكتوب فيها
المفتاح ده يفتح أول عيادة بدأت منها حلمنا.
في اليوم التالي، ذهبت مريم مع فؤاد إلى حي قديم في القاهرة.
توقفا أمام مبنى صغير جدًا، بابه الخشبي ما زال كما هو.
فتحت الباب بالمفتاح.
دخلت وهي تنظر حولها.
كانت غرفة كشف بسيطة، ومكتب خشبي، وسماعة
قال فؤاد
من هنا بدأ كل شيء. والدك كان بيعالج أي مريض يدخل، حتى لو معهوش جنيه واحد.
وقفت مريم في منتصف الغرفة، وشعرت وكأنها تسمع صوت والدها.
ابتسمت وقالت
المكان ده لازم يعيش من جديد.
وبعد أشهر من الترميم، افتتحت العيادة من جديد، لكن هذه المرة تحت اسم
عيادة الأمل الخيرية.
كان الكشف والعلاج فيها مجانيين بالكامل لغير القادرين.
وفي يوم الافتتاح، وقفت مريم أمام الباب، ثم رفعت رأسها إلى السماء وقالت
يا رب أقدر أكمل الرسالة للنهاية.
دخل أول مريض إلى العيادة، وكان رجلًا بسيطًا يحمل طفلته الصغيرة.
استقبلته مريم بنفسها، وجلست تطمئنه قبل أن يبدأ الطبيب الكشف.
في تلك اللحظة، أدركت أن أعظم ما ورثته من والدها لم يكن المستشفى، ولا الأسهم، ولا الأموال...
بل القلب الذي علّمها أن خدمة الناس هي أغلى ميراث يمكن أن يتركه أب لابنته.
النهاية. بعد مرور عشرة أعوام...
في صباح يوم مشمس، توقفت سيارة أمام مستشفى حسن الشافعي.
نزل منها شاب في الثلاثين من عمره، ومعه طفل صغير يمسك بيده.
دخل إلى مكتب الاستقبال وسأل
ممكن أقابل الدكتورة مريم؟
أخبره الموظف أنها في جولتها اليومية.
انتظر حتى عادت.
أول ما رأته، شعرت أن ملامحه مألوفة.
ابتسم الشاب وقال
يمكن حضرتك مش فاكراني... أنا يوسف.
حاولت تتذكر.
ثم اتسعت عيناها.
يوسف... ابن عم حسين؟
هز رأسه مبتسمًا.
أيوه. زمان حضرتك كنتِ أول واحدة وقفت جنب والدي وهو في العناية، ولما خرج من المستشفى فضل طول عمره يدعي لك.
وأشار إلى الطفل الصغير.
وده ابني... سميته حسن على اسم والد حضرتك.
تأثرت مريم كثيرًا.
انحنت وربتت على رأس الطفل.
وقالت
ربنا يجعله من الصالحين.
أخرج يوسف من حقيبته دفترًا قديمًا.
وقال
أبويا قبل ما يتوفى كتب وصية صغيرة. قال لي لو شفت الدكتورة مريم، قول لها إن المعروف اللي عملته ما ماتش... فضل عايش في ولادي وأحفادي.
لم تستطع مريم أن تمنع دموعها.
وفي المساء، وقفت وحدها في حديقة المستشفى.
كانت تنظر إلى المبنى الذي بدأ حكايته بظلم كبير، وانتهى برسالة
رفعت رأسها إلى السماء وهمست
الحمد لله... كل تعب عدى، لكن الخير هو اللي فضل.
وفي تلك اللحظة، خرج عشرات الأطباء والممرضين من المستشفى بعد انتهاء نوبتهم.
كل واحد منهم كان يحمل في قلبه درسًا تعلمه من مريم
أن الإنسان قد يخسر منصبًا أو مالًا... لكنه إذا تمسك بالأخلاق والعدل، فسيربح احترام الناس إلى آخر عمره.
وهكذا بقي اسم مريم حسن الشافعي ليس لأنها كانت مالكة مستشفى...
بل لأنها كانت صاحبة قلبٍ لم يتغير مهما تغيرت الأيام. بعد خمسة عشر عامًا...
كانت مريم قد تجاوزت الستين من عمرها، لكن كل صباح كانت تدخل المستشفى بنفس الابتسامة التي عرفها بها الجميع.
وفي أحد الأيام، طلبت عقد اجتماع مع جميع العاملين.
امتلأت القاعة بالأطباء والممرضين والإداريين والعمال.
وقف الجميع ينتظرون كلمتها.
ابتسمت وقالت
النهارده عندي إعلان مهم... قررت أتقاعد من رئاسة مجلس الإدارة.
ساد الهمس في القاعة.
وقف أحد الأطباء وقال
مستحيل يا دكتورة... المستشفى دي قامت على إيد حضرتك.
ابتسمت بهدوء.
لا... المستشفى دي قامت على إيد ناس كتير. وأنا دوري إني أسلم الأمانة للي يقدر يكملها.
ثم أعلنت تشكيل مجلس إدارة جديد من أصحاب الكفاءة والخبرة، دون أن يكون لأي فرد منهم ميزة بسبب قرابة أو معرفة.
وأضافت
العدل اللي بنطالب بيه لازم يبدأ مننا.
وقف الجميع يصفقون طويلًا.
وقبل أن تغادر القاعة، استوقفتها ممرضة شابة وقالت
ممكن أسألك سؤال؟
ابتسمت مريم.
اتفضلي.
قالت الممرضة
لو رجع بيكي الزمن لليوم اللي اترفدتي فيه قدام الناس... كنتِ تتمني ما يحصلش؟
ابتسمت مريم للحظة، ثم أجابت
وقتها كنت أتمنى ما يحصلش... لكن النهارده عرفت إن ربنا كان بيفتحلي بابًا أكبر. أحيانًا أصعب يوم في حياتنا بيكون بداية أجمل فصل فيها.
ساد الصمت.
ثم ارتفع التصفيق مرة أخرى.
خرجت مريم من باب المستشفى للمرة الأخيرة كرئيسة لمجلس الإدارة.
وقفت أمام اللافتة الكبيرة التي تحمل اسم والدها.
ابتسمت، ولمستها بيدها برفق.
ثم ركبت سيارتها وانطلقت.
لكن في اليوم التالي...
شوهدت من جديد
ليس في مكتب الإدارة.
ولا في قاعة الاجتماعات.
بل في قسم الأطفال، تجلس وسط مجموعة من الصغار، تقرأ لهم قصة، وتضحك معهم.
اقترب منها أحد الأطباء وقال مبتسمًا
هو حضرتك مش تقاعدتي؟
ضحكت وقالت
اتقاعدت من المنصب... لكن عمري ما هتقاعد عن خدمة الناس.
وهكذا، بقيت مريم رمزًا للرحمة والعطاء، وأصبحت قصتها تُروى لكل موظف جديد يدخل المستشفى، ليتعلم أن القوة الحقيقية لا تأتي من الكرسي، بل من الضمير. تمت. النهاية
مرت عشرون سنة...
وفي مساء هادئ، اجتمع كل العاملين في مستشفى حسن الشافعي للاحتفال بمرور خمسين عامًا على تأسيسها.
دخلت مريم القاعة وسط تصفيق طويل.
لم تعد رئيسة مجلس الإدارة، لكنها كانت صاحبة المكانة الأكبر في قلوب الجميع.
تقدمت فتاة صغيرة إلى المسرح، وقدمت لها باقة ورد، وقالت
أنا اتولدت هنا... ومامتي كانت بتقولي إن حضرتك أنقذتي حياتها وحياة ناس كتير.
ابتسمت مريم، واحتضنت الطفلة.
ثم صعد رئيس مجلس الإدارة الجديد إلى المنصة وقال
من النهارده، مجلس الإدارة قرر بالإجماع إنشاء جائزة مريم حسن الشافعي للرحمة الإنسانية، وتُمنح كل سنة لأكثر طبيب أو ممرض أو موظف خدم المرضى بإخلاص.
وقف الحضور جميعًا يصفقون.
أما مريم، فكانت دموعها تنزل في هدوء.
بعد انتهاء الحفل، طلبت أن تدخل العناية المركزة وحدها.
وقفت أمام نفس المكان الذي طُردت منه يومًا أمام الجميع.
لمست الباب بيدها، وابتسمت.
وقالت بصوت خافت
سبحان من
يغيّر الأحوال... خرجت من هنا وأنا مكسورة، ورجعت بعد سنين وأنا مطمنة إن الأمانة في إيد أمينة.
ثم رفعت رأسها إلى السماء وهمست
الحمد لله يا بابا... حفظت الوعد.
وفي صباح اليوم التالي، انتشر خبر وفاتها بهدوء بعد عمر طويل، بعدما أوصت أن تُخصص كل ثروتها لاستكمال علاج المرضى غير القادرين وإنشاء مستشفيات خيرية جديدة.
وفي تنفيذ لوصيتها، لم يُبنَ لها تمثال، ولم تُعلَّق صورها في كل مكان.
اكتفوا بلوحة صغيرة عند مدخل المستشفى كُتب عليها
هنا عاشت امرأة آمنت أن أعظم علاج هو الرحمة، وأن أعظم ميراث يتركه الإنسان هو أثره
وكان كل مريض يدخل من هذا الباب، يقرأ اللوحة، دون أن يعرف تفاصيل قصتها...
لكن الجميع كانوا يشعرون بأثرها في كل ركن من أركان المستشفى.
تمت.