طرد مراته قدام العاملين
مراته قدام العاملين... وهو ماكانش يعرف إنها صاحبة المستشفى
داخل العناية المركزة، كان الهدوء مسيطر على المكان، لحد ما صوت عمر المنياوي قطع الصمت.
شد كارنيه الشغل من على يونيفورم مراته مريم، وقال قدام الدكاترة والممرضين
إنتِ مرفودة من النهارده... ومش عايز أشوفك في المستشفى دي تاني.
الكل اتجمد في مكانه.
الكارنيه وقع على الأرض، لكن محدش اتحرك يرفعه.
مريم فضلت واقفة، بصاله بهدوء، من غير ما تنطق بكلمة.
تسع سنين جواز... وفي لحظة واحدة انتهوا بالإهانة قدام الناس كلها.
أم عمر، مدام سعاد، كانت واقفة عند الباب، وقالت بصوت عالي
الإدارة لازم تبقى بالحزم، ومفيش حد أكبر من النظام.
عمر هز راسه وقال
القرار اتاخد، والأمن هيوصلها للباب.
مريم انحنت، رفعت الكارنيه، وحطته في شنطتها.
لفت على المرضى اللي كانت بتراعيهم، واطمنت على كل واحد فيهم، وبعدها خرجت من غير دمعة واحدة.
وقفت في الجراج، وهي بتحاول تستوعب اللي حصل.
فتحت شنطتها، ولقت ظرف قديم عليه اسمها.
كان أبوها ادهولها قبل وفاته، وقال لها
افتحيه لما تعرفي حقيقة الناس اللي حواليكي.
فتحت الظرف.
كان فيه رقم تليفون ورسالة قصيرة
اتصلي بالأستاذ فؤاد مراد... ومتوقعيش على أي ورقة.
اتصلت فورًا.
رد عليها المحامي وقال أول ما عرف اسمها
أنا مستني مكالمتك من سنين يا دكتورة مريم.
استغربت وقالت
أنا ممرضة.
ابتسم وقال
بالنسبة لوالدك... كنتِ دايمًا الدكتورة.
وطلب منها تيجي مكتبه الصبح.
تاني يوم، دخلت مريم مكتب الأستاذ فؤاد.
فتح خزنة حديدية، وطلع ملف كبير.
وقال
والدك سلمني الملف ده قبل وفاته، ووصاني ما أفتحهولكيش إلا في اليوم اللي تحتاجيه.
فتحت الملف.
وكانت أول مفاجأة...
وثائق بتثبت إن والدها كان الشريك المؤسس لمستشفى الرحمة الدولي.
وإنه نقل كل حصته إليها قبل وفاته.
بصت للمحامي بذهول.
يعني... أنا مالكة المستشفى؟
رد بثقة
أيوه... وإنتِ صاحبة أكبر نسبة أسهم، ورئيسة مجلس الإدارة القانونية.
مريم
لكنها ما فكرتش في الانتقام.
قالت بهدوء
أنا هرجع... بس علشان أصلح الظلم، وأحافظ على حق المرضى والعاملين.
ابتسم المحامي وقال
وده بالضبط السبب اللي خلا والدك يثق فيكي.
وفي نفس الوقت، وصل إلى عمر إخطار رسمي بعقد اجتماع عاجل لمجلس الإدارة.
كان واثق إنه هيترأس الاجتماع كعادته.
لكنه ماكانش يعرف إن الاجتماع ده هيكون أول مرة يعرف فيها الحقيقة...
إن الزوجة اللي طردها بنفسه من المستشفى...
هي المالكة الشرعية للمكان كله، وإن قرارها وحده قادر يحدد مستقبله الوظيفي في صباح اليوم التالي، كانت قاعة اجتماعات مستشفى الرحمة هادئة على غير العادة.
كل أعضاء مجلس الإدارة وصلوا قبل الموعد.
عمر دخل بثقة، صافح الموجودين، وقعد على كرسيه المعتاد في صدر القاعة.
بص حواليه وقال
نبدأ الاجتماع.
رد عليه أحد الأعضاء بهدوء
هنستنى رئيسة مجلس الإدارة.
استغرب عمر.
رئيسة مجلس الإدارة؟!
قبل ما حد يرد، باب القاعة اتفتح.
دخلت مريم.
لكن المرة دي ما كانتش لابسة يونيفورم التمريض.
كانت لابسة بدلة رسمية بسيطة، وماسكة الملف الأزرق.
كل الموجودين وقفوا احترامًا.
حتى الأستاذ فؤاد وقف وقال
صباح الخير يا دكتورة مريم.
عمر اتجمد مكانه.
بص لها وبعدين بص للحاضرين.
إيه اللي بيحصل هنا؟
فتح فؤاد الملف، وحط أمام كل عضو نسخة من المستندات.
وقال
طبقًا لوصية المرحوم حسن الشافعي، وبناءً على عقود الملكية الموثقة، أصبحت الدكتورة مريم حسن الشافعي المالكة لأغلبية أسهم مستشفى الرحمة، والرئيسة القانونية لمجلس الإدارة.
ساد الصمت.
عمر خطف الأوراق بسرعة، وبدأ يقلب فيها بعصبية.
كل ختم.
وكل توقيع.
وكل توثيق.
كان صحيحًا.
رفع رأسه وقال بانفعال
أكيد في غلط!
رد فؤاد بهدوء
المستندات مسجلة منذ سنوات، وتم تفعيلها وفقًا لوصية والدها بعد تحقق الشرط الذي حدده.
سأل أحد الأعضاء
وما هو الشرط؟
أجاب فؤاد
أن يأتي اليوم الذي تتعرض فيه مريم للظلم أو يُستغل إخلاصها،
نظر الجميع إلى مريم.
أما هي فكانت هادئة تمامًا.
ثم قالت
أنا مش جاية أذل حد، ولا أنتقم من حد.
أنا جاية أحافظ على المستشفى اللي أبويا تعب عشان يبنيها، وعلى الناس اللي بتخدم المرضى بإخلاص.
ثم نظرت إلى عمر وقالت
أما بخصوص قرار فصلي...
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
فهو قرار باطل من الأساس، لأنه صدر من شخص لا يملك سلطة فصلي قانونيًا.
انخفضت عينا عمر لأول مرة.
وشعر أن القاعة كلها أصبحت تنظر إليه بطريقة مختلفة.
لكن مريم لم تطلب طرده، ولم ترفع صوتها.
قالت بهدوء
هنراجع كل القرارات الإدارية اللي اتخذت في الفترة الأخيرة، ولو كانت في مصلحة المستشفى هتستمر، ولو فيها ظلم أو مخالفة هتتلغي، لأن العدالة أهم من أي خلاف شخصي.
ساد القاعة تصفيق هادئ من أعضاء المجلس، بينما أدرك عمر أن اليوم الذي بدأه وهو يظن نفسه صاحب القرار... انتهى وهو يكتشف أن السلطة الحقيقية كانت أمامه طوال السنوات الماضية بعد انتهاء الاجتماع، خرج أعضاء مجلس الإدارة يتحدثون فيما بينهم.
كان الجميع مندهشًا من هدوء مريم.
واحد من الأعضاء قال لفؤاد
أي حد مكانها كان أول قرار هيطرد عمر.
ابتسم فؤاد وقال
علشان كده والدها اختارها هي.
عمر فضل قاعد في القاعة لوحده.
قدامه قرار الفصل اللي كان وقعه بنفسه.
ولأول مرة حس بثقل اللي عمله.
بعد دقائق، دخلت مريم.
وقف عمر بسرعة وقال
مريم... استني.
وقفت عند الباب.
اتفضل.
قال بصوت منخفض
أنا غلطت.
سألته بهدوء
غلطت في إيه؟
سكت لحظات، ثم قال
نسيت إنك كنتي واقفة جنبي من أول يوم. كل نجاح وصلتله كان ليكي فيه فضل.
ردت مريم
الاعتراف بالخطأ شيء كويس... لكن مش بيمحي اللي حصل.
خفض رأسه.
في اليوم التالي، أصدرت مريم أول قراراتها.
كان أول قرار هو إعادة كل موظف اتفصل من غير تحقيق عادل.
وثاني قرار إنشاء صندوق لمساعدة المرضى غير القادرين.
وثالث قرار تخصيص منح تدريب للممرضين والممرضات، لأنهم كانوا أكثر فئة كانت تؤمن
الخبر انتشر بسرعة.
والمستشفى بدأت تستعيد سمعتها.
بعد أسبوع، اجتمع مجلس الإدارة مرة تانية.
قالت مريم
آخر بند في الاجتماع يتعلق بالمدير الإداري.
كل الأنظار اتجهت ناحية عمر.
قالت بهدوء
هيتم تقييم أداء الإدارة من لجنة مستقلة، ولو أثبتت النتائج نجاحها هتكمل، ولو أثبتت تقصيرها هيتم تعيين إدارة جديدة.
ما كانش قرار انتقام.
كان قرار قائم على الكفاءة.
وافق أعضاء المجلس بالإجماع.
عمر هز رأسه وقال
موافق.
كان عارف إن دي أول مرة يتحاسب بنفس المعايير اللي كان بيحاسب بيها غيره.
بعد شهور، أصبحت مستشفى الرحمة من أفضل المستشفيات في المحافظة.
تحسنت الخدمة، واتطورت الأجهزة، وزادت ثقة المرضى.
وفي يوم افتتاح مبنى جديد للعناية المركزة، وقفت مريم أمام صورة كبيرة لوالدها حسن الشافعي معلقة في المدخل.
ابتسمت وقالت بصوت خافت
اطمن يا بابا... الأمانة رجعت لأصحابها، والمستشفى بقت في المكان اللي كنت تتمناه.
وانتهت الحكاية بانتصار العدل، لا بالانتقام، وبقي اسم مريم مرتبطًا بالرحمة والإنصاف، كما أراد والدها منذ البداية بعد مرور سنة...
كانت مستشفى الرحمة مختلفة تمامًا.
الأجهزة اتحدثت، وأقسام جديدة اتفتحت، وعدد المرضى اللي بيتلقوا علاج مجاني زاد بشكل كبير.
وفي صباح هادئ، كانت مريم بتلف على الأقسام بنفسها، تسأل المرضى لو محتاجين أي حاجة، وتطمن على طاقم التمريض.
أحد الممرضين الجدد استغرب وقال
هو صحيح حضرتك رئيسة مجلس الإدارة؟
ابتسمت مريم وقالت
المنصب مش معناه أقعد في المكتب طول اليوم... المستشفى بتنجح بالناس اللي فيها.
في نفس الوقت، كانت لجنة التقييم انتهت من مراجعة أداء الإدارة.
النتيجة وصلت لمكتب مريم.
فتحت الملف، وقعدت تقراه بهدوء.
وبعد دقائق، طلبت عمر يدخل مكتبها.
دخل وهو متوتر.
قعد قدامها وسأل
القرار صدر؟
قالت
أيوه.
مدت له التقرير.
قرأه في صمت.
اللجنة أثبتت إنه ارتكب أخطاء إدارية كبيرة، لكنها كمان أثبتت إنه اجتهد في تصحيحها
رفع عينيه وقال
أنا مستعد أتحمل أي قرار.
قالت مريم
أنا وعدت نفسي إن العدالة هي اللي تحكم.
ثم أخرجت قرارًا رسميًا.
هيتم نقلك من منصب المدير الإداري