طرد مراته قدام العاملين

لمحة نيوز

إلى مستشار إداري لمدة ستة أشهر، وبعدها يُعاد تقييمك.
استغرب عمر.
يعني... مش هتفصليني؟
ردت
لو كنت هعمل زي اللي اتعمل معايا، يبقى ما اتعلمتش أي حاجة.
أخذ القرار، وقال بصوت مكسور
شكرًا.
بعد عدة أشهر، أثبت عمر التزامه، وبدأ يستعيد ثقة زملائه بالعمل الجاد، لا بالكلام.
أما مريم، فكانت كل يوم تؤكد للجميع أن القيادة الحقيقية ليست في القوة، بل في العدل والرحمة.
وفي الذكرى السنوية لوفاة والدها، أطلقت المستشفى منحة حسن الشافعي لدعم طلاب الطب والتمريض غير القادرين على استكمال تعليمهم.
وقفت أمام الحضور وقالت
أبويا علمني إن الإنسان يسيب أثر، مش مجرد اسم. وأتمنى إن كل طالب تساعده المنحة دي يكمل حلمه، وما يضطرش يسيبه بسبب ظروف الحياة، زي ما حصل معايا.
صفق الجميع بحرارة.
وفي تلك اللحظة، شعرت مريم أن رسالة والدها قد اكتملت، وأن المستشفى لم تعد مجرد مبنى... بل أصبحت بيتًا للرحمة، يحمل القيم التي عاش من أجلها بعد سنتين...
كانت مستشفى الرحمة قد أصبحت نموذجًا يُحتذى به في الإدارة والخدمة الطبية.
وفي أحد الأيام، كانت مريم تراجع بعض الملفات، عندما دخل عليها الأستاذ فؤاد وقال مبتسمًا
في ضيف مستني حضرتك بره.
خرجت مريم، فوجدت رجلًا مسنًا يستند إلى عصاه.
أول ما شافها، ابتسم وقال
فاكراني يا دكتورة؟
ابتسمت هي أيضًا.
عم حسين!
كان هو نفس المريض الذي عدلت له بطانيته يوم خرجت مطرودة من المستشفى.
قال وهو يمد لها باقة ورد بسيطة
اليوم ده عمري ما هنساها. كنتِ إنتِ الوحيدة اللي فكرتي في راحتي، رغم إنك كنتِ خارجة مكسورة.
تأثرت مريم، وأخذت الورد منه.
قال عم حسين
ربنا جبر بخاطرك، لأنك جبّرت بخاطر ناس كتير.
وفي مساء اليوم نفسه، أقيم احتفال كبير بمناسبة مرور خمسين عامًا على تأسيس المستشفى.
امتلأت القاعة بالأطباء والممرضين والموظفين والمرضى السابقين.
وعندما صعدت مريم إلى المنصة، لم تتحدث
عن نفسها.
قالت فقط
أي نجاح حققناه كان بفضل فريق كامل بيشتغل بإخلاص. وأنا واحدة منهم، مش أكثر.
ثم أشارت إلى صورة كبيرة لوالدها معلقة على المسرح.
الفضل الأول بعد ربنا يرجع لأبويا، اللي علمني إن الأمانة أهم من أي منصب.
وقف الحضور وصفقوا طويلًا.
وفي نهاية الحفل، تم تغيير الاسم الرسمي للمستشفى إلى
مستشفى حسن الشافعي للرحمة والرعاية الطبية
نظرت مريم إلى اللوحة الجديدة، واغرورقت عيناها بالدموع.
ابتسمت وهي تهمس
الحمد لله... الوعد اتنفذ يا بابا.
تمت بعد انتهاء الاحتفال، وبينما كان الجميع يستعد للمغادرة، استوقف أحد الصحفيين مريم وسألها
دكتورة مريم، بعد كل اللي مريتي بيه، إيه أكتر درس اتعلمتيه؟
ابتسمت وقالت
إن المنصب ممكن يدي الإنسان سلطة... لكن الأخلاق هي اللي بتديله احترام.
وفي اللحظة دي، صفق كل الموجودين.
بعد أيام قليلة، وصل للمستشفى خطاب من وزارة الصحة.
كان يفيد باختيار مستشفى حسن الشافعي ضمن أفضل المستشفيات في مصر من حيث جودة الرعاية وسلامة المرضى.
الفرحة عمت المكان.
الممرضون احتفلوا.
والأطباء شعروا إن تعبهم أخيرًا اتقدر.
أما مريم، فجمعت كل العاملين في بهو المستشفى وقالت
النجاح ده مش بتاعي... النجاح ده بتاع كل شخص اشتغل بإخلاص، سواء كان طبيب أو ممرض أو عامل نظافة أو موظف استقبال.
كل واحد فيكم شريك في النجاح ده.
بعد انتهاء اللقاء، كانت مريم ماشية في الممر، فشافت ممرضة جديدة بتواسي طفلة صغيرة كانت خايفة قبل دخول العمليات.
ابتسمت وهي تراقب المشهد من بعيد.
افتكرت نفسها من سنين، وهي مجرد ممرضة بتحاول تخفف خوف المرضى.
وقتها أدركت إن المناصب اتغيرت...
لكن قلبها عمره ما اتغير.
وفي آخر اليوم، دخلت مكتبها.
فتحت درج المكتب.
أخرجت الظرف الكريمي القديم، ولمست رسالة والدها.
ثم رفعت عينيها إلى صورته المعلقة على الحائط وقالت
كل قرار باخده، بسأل نفسي يا ترى لو بابا
موجود، كان هيرضى عنه؟
ثم أغلقت الدرج، وأطفأت نور المكتب، وخرجت تطمئن بنفسها على آخر مريض في العناية المركزة قبل أن تغادر المستشفى.
لأنها كانت تؤمن دائمًا...
أن أعظم منصب يمكن أن يصل إليه الإنسان، هو أن يكون سببًا في راحة الآخرين. بعد عدة أشهر...
في صباح يوم هادئ، كانت مريم تراجع ملفات التوسعات الجديدة للمستشفى، عندما دخل عليها الأستاذ فؤاد وهو يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
قال
وأنا برتب أوراق والدك في المخزن القديم، لقيت الصندوق ده. كان عليه ورقة مكتوب فيها يفتح بعد ما تحقق حلم مريم.
فتحت مريم الصندوق بحذر.
كان بداخله ساعة يد قديمة، ومفكرة جلدية، ورسالة بخط والدها.
أخذت الرسالة وبدأت تقرأ
يا مريم... لو الرسالة دي وصلت لإيدك، يبقى أنا مطمن إنك قدرتي تحافظي على الأمانة. أنا ما سيبتلكيش مستشفى ولا أسهم علشان تبقي أغنى. سيبتلك مسؤولية، لأنك الوحيدة اللي كنت واثق إنك هتحطي المريض قبل أي مكسب. لو في يوم حسيتِ إن المنصب أكبر منك، انزلي امشي بين المرضى... هتفتكري ليه بدأنا الطريق.
دموع مريم نزلت على الورقة.
قفلت الرسالة وحضنتها.
ثم قامت من مكانها، وبدل ما تكمل شغلها، نزلت بالفعل إلى قسم الأطفال.
هناك وجدت طفلًا صغيرًا يرسم على ورقة بيضاء.
ابتسم لها وقال
هو إنتِ المديرة؟
ضحكت وقالت
أيوه.
سألها ببراءة
يعني المستشفى دي بتاعتك؟
جلست بجواره وقالت
لا يا حبيبي... المستشفى دي بتاعة كل مريض يدخلها وهو محتاج الأمل.
ابتسم الطفل وأعطاها الرسمة.
كانت عبارة عن بيت كبير، وفوقه شمس، ومكتوب تحته بخط طفولي
مستشفى الرحمة... المكان اللي الناس بتخف فيه.
احتفظت مريم بالرسمة داخل مكتبها، بجوار رسالة والدها.
وقالت في نفسها
دي أغلى شهادة نجاح ممكن أخدها.
ومن يومها، ظلت كل صباح تبدأ يومها برسالتين...
رسالة والدها التي تذكرها بالأمانة...
ورسمة الطفل التي تذكرها بسبب هذه الأمانة.

وهكذا استمرت الحكاية، ليس بانتصار شخص على آخر، بل بانتصار الرحمة والعدل والإنسانية. بعد مرور خمس سنوات...
تحولت مستشفى حسن الشافعي إلى واحدة من أهم المستشفيات التعليمية في مصر.
وفي أحد الأيام، دخلت مريم إلى مكتبها، فوجدت فتاة في أوائل العشرينات تنتظرها.
وقفت الفتاة وقالت بتوتر
حضرتك دكتورة مريم؟
ابتسمت مريم.
اتفضلي يا بنتي.
قالت الفتاة وهي تحاول تمنع دموعها
أنا اسمي سارة... ومن خمس سنين كنت الطفلة اللي حضرتك دفعتِ تكاليف عمليتها من غير ما تعرفي اسمي.
مريم حاولت تتذكر.
لكن سارة أخرجت صورة قديمة.
كانت لمريم وهي واقفة أمام غرفة العمليات تطمئن أمها.
قالت سارة
أنا خفيت... وكبرت... ودخلت كلية التمريض. وجيت أقدم هنا.
ابتسمت مريم واتأثرت.
ليه اخترتي التمريض؟
ردت سارة
لأن أول شخص خلاني أحب المستشفى كان ممرضة... مش مدير ولا صاحب منصب.
سكتت لحظة ثم قالت
كنتِ إنتِ.
دمعت عينا مريم.
ثم قامت من مكانها، وصافحتها.
وقالت
أهلاً بيكي في بيتك.
وبعد شهور، كانت سارة واحدة من أكثر الممرضات اجتهادًا.
وفي أول يوم لها داخل العناية المركزة، وقفت مريم تراقبها من بعيد.
شافتها بتعدل بطانية مريض مسن، وتبتسم له بنفس الطريقة التي كانت تفعلها هي قديمًا.
ابتسمت مريم وقالت لنفسها
الخير لما يتزرع... عمره ما بيضيع.
وفي تلك اللحظة، شعرت أن أعظم إنجاز لم يكن امتلاك المستشفى، ولا رئاسة مجلس الإدارة...
بل أنها استطاعت أن تترك أثرًا طيبًا في قلوب الناس، فينتقل هذا الأثر من جيل إلى جيل.
وهكذا استمرت الحكاية، لأن الرحمة لا تنتهي، بل تنتقل من قلب إلى قلب. بعد سنوات...
في أحد الصباحات، كانت مريم تتجول في أروقة المستشفى كعادتها، عندما استوقفها موظف الاستقبال وقال
يا دكتورة، في راجل كبير برة مصمم يقابلك، وبيقول إنه يعرف والد حضرتك.
خرجت مريم بسرعة.
وجدت رجلًا تجاوز الثمانين من عمره، يمسك حقيبة
جلدية قديمة.
أول ما شافها، ابتسم وقال
إنتِ نسخة من أبوكي.
رحبت به وأدخلته مكتبها.
وضع الحقيبة على المكتب وقال
أنا كنت شريك والدك في
تم نسخ الرابط