حماتى عندها شقه فاضيه مفروشه

لمحة نيوز

اللي كانوا موجودين.
حضنتها ليان وقالت
هفضل فاكرة كلامك طول عمري.
بعد انتهاء الفرح، وقفت رغدة مع يوسف في البلكونة.
قالت
الحمد لله... ربنا عوضني فوق ما كنت أتخيل.
رد يوسف
والأجمل إننا كبرنا مع بعض.
وفي الصباح التالي، كان البيت هادئًا لأول مرة بعد الفرح.
ابتسمت رغدة وهي تنظر إلى الصور المعلقة على الحائط، من أول يوم دخلوا فيه الشقة، حتى يوم زفاف ابنتهم.
وقالت بهدوء
كل صورة هنا بتحكي حكاية... وكل حكاية فيها نعمة تستحق الحمد.
وأغلقا ألبوم الذكريات، بينما بدأت صفحة جديدة في حياة أولادهما، كما بدأت صفحتهما يومًا ما في ذلك البيت الذي كان أعظم مفاجأة في حياتهما.
تمت القصة بعد مرور سنوات طويلة، كان يوسف ورغدة قاعدين في الجنينة قدام البيت، يشربوا الشاي وقت الغروب.
يوسف ابتسم وقال
فاكرة أول يوم ساعدتي أمي تنظف الشقة؟
ضحكت رغدة وقالت
كنت برجع كل يوم مكسرة من التعب، وأقول لنفسي يا بخت اللي هيسكن هنا.
قال يوسف وهو يضحك
ولا كنتِ تعرفي إنك إنتِ اللي هتسكنيها.
في تلك اللحظة، دخل آدم وهو ماسك مفتاح شقة جديدة.
قال
بابا... ماما... أخيرًا اشتريت أول شقة في حياتي.
فرح يوسف وربت على كتف ابنه وقال
مبروك يا بطل.
ثم التفت إلى رغدة وقال
فاكرة إحساسك أول ما استلمتي المفتاح؟
ابتسمت وقالت
مستحيل أنساه.
أخذت المفتاح من آدم، وقبل أن تعيده إليه قالت
فيه شرط.
ابتسم آدم وقال
إيه هو؟
قالت
أول ما تجهز شقتك، خلي مراتك تختار كل حاجة بنفسها، وخليها تحس إن البيت بيتها من أول يوم.
ضحك الجميع، وقال آدم
وعد.
بعد أشهر، تزوج آدم، وكانت رغدة تساعد زوجته في اختيار الأثاث، لكنها كانت كلما سألتها عن شيء تقول
إنتِ صاحبة البيت... اختاري اللي يريح قلبك.
ابتسمت زوجة آدم وقالت
واضح إن عندك تجربة كبيرة.
ردت رغدة وهي تبتسم
أيوه... وتجربة علمتني إن أجمل هدية ممكن يديهالنا حد، إنه يخلينا
نحس إن لينا مكان نرجع له.
وفي نهاية اليوم، وقفت رغدة أمام باب شقتها، لمست المفتاح القديم الذي ما زالت تحتفظ به، وقالت
الحمد لله على كل تأخير ظننته حرمانًا، ثم اكتشفت أنه كان أجمل تدبير من رب العالمين.
وهنا تنتهي الحكاية، لكن يبقى أثرها في كل بيت يُبنى بالمحبة والاحترام بعد سنوات، كان أحفاد رغدة متجمعين حواليها في ليلة شتوية، وكل واحد فيهم بيقول
تيتا... احكيلنا حكاية.
ضحكت وقالت
كل مرة تطلبوا نفس الحكاية!
قالوا بصوت واحد
عشان بنحبها.
بدأت تحكي
من سنين طويلة، كنت بساعد جدتكم الكبيرة أنضف شقة، وكنت فاكرة إنها لشخص غريب...
قاطعها أصغر حفيد وقال
وبعدين طلع البيت بتاعك!
ضحكت وقالت
أيوه... لكن العبرة مش في البيت.
سألها حفيدها
أمال في إيه؟
قالت وهي تنظر إلى يوسف الجالس يقرأ الجريدة
إن الإنسان ما يستعجلش الحكم على الناس، ولا ييأس لما يشوف غيره عنده حاجة وهو لسه محروم منها. يمكن ربنا بيجهزله حاجة أحسن.
رفع يوسف عينيه من الجريدة وقال ضاحكًا
وبرضه لازم يصبر على مفاجآت أمه.
ضحك الجميع، حتى حماتها التي كانت تجلس على الكرسي الهزاز قالت
لحد النهارده كل ما أفتكر وش رغدة وهي داخلة الشقة... أضحك.
ردت رغدة وهي تبتسم
وأنا كل ما أفتكرها، أحمد ربنا.
في تلك الليلة، قبل أن ينام الأحفاد، قالت لهم
أوعوا تبصوا لنعمة غيركم وتتمنوها، اجتهدوا واسعوا، وسيبوا الباقي على ربنا.
كبر الأحفاد وهم يرددون هذه الكلمات، وأصبحت حكاية الشقة اللي نظفتها بإيدي تُحكى في كل مناسبة عائلية، ليس لأنها كانت عن شقة جميلة، بل لأنها كانت عن الصبر، وحسن الظن، والعائلة التي اجتمعت على المحبة.
النهاية الأخيرة. بعد أيام من الاحتفال، كانت رغدة بترتب ألبوم الصور، ولقيت ظرفًا قديمًا مكتوب عليه بخط حماتها
يفتح بعد أربعين سنة.
استغربت وقالت يوسف... إيه ده؟
ابتسم وقال أنا كمان أول مرة أشوفه.

فتحت الظرف، ولقت رسالة بخط حماتها، وكانت بتقول
يا رغدة... لما تقري الرسالة دي، أكون أنا عشت عمري كله وأنا مطمنة إن ابني اختار الزوجة الصح. يمكن زمان استغربتي ليه كنت شديدة معاكي ساعات، لكن الحقيقة إني كنت بشوف فيكي بنتي قبل ما أشوفك مرات ابني. كنت عايزة أسيبلك بيت تعيشي فيه مرتاحة، وأسيبلك ذكرى حلوة تفتكريها بعد ما أمشي. لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا حققت أمنيتي... إنكم فضلتم عيلة واحدة، وإيدكم في إيد بعض.
ما إن انتهت رغدة من القراءة حتى غلبتها دموعها.
قال يوسف بصوت متهدج أمي كانت بتحبك أكتر مما كانت بتعرف تعبر.
احتضنت رغدة الرسالة وقالت ربنا يرحمها... سابتلنا أغلى ميراث.
وفي اليوم التالي، جمعت أولادها وأحفادها، وقرأت لهم الرسالة.
قالت ليان هنحتفظ بيها يا ماما.
ورد آدم وهتفضل تنتقل من جيل لجيل.
وضعت رغدة الرسالة داخل إطار زجاجي بجوار مفتاح الشقة القديم، وعلقت الاثنين في مدخل البيت.
وكل من كان يدخل المنزل، كان يقرأ أول سطر من الرسالة، ثم ينظر إلى المفتاح، فيعرف أن هذا البيت لم يُبنَ بالأموال فقط، بل بسنوات من التعب، والصبر، والمحبة.
وهكذا بقيت الحكاية حية، تُروى للأبناء والأحفاد، حتى بعد أن صار أصحابها مجرد ذكريات جميلة لا تُنسى. بعد سنوات أخرى، كان يوسف ورغدة بيحتفلوا بعيد جوازهم الأربعين وسط أولادهم وأحفادهم.
فجأة، دخل يوسف وهو ماسك علبة صغيرة ملفوفة بشريط ذهبي.
ابتسمت رغدة وقالت
لسه بتعمل مفاجآت بعد العمر ده كله؟
قال وهو يضحك
المفاجآت هي اللي خلت حياتنا حلوة.
فتحت العلبة، فلقت فيها مفتاحًا قديمًا متلمعًا.
استغربت وقالت
هو ده مش مفتاح الشقة الأول؟
قال يوسف
أيوه... عملتله إطار من الزجاج عشان يفضل ذكرى لأول حلم جمعنا.
دمعت عيناها، وقالت
المفتاح ده أغلى عندي من أي دهب.
في نهاية السهرة، طلب منهم الأحفاد يتصوروا صورة جماعية.
وقف
الجميع أمام باب الشقة، نفس الباب الذي دخلته رغدة يومًا وهي تظن أنه بيت شخص غريب.
التقط المصور الصورة، وقال مبتسمًا
ابتسموا.
نظر يوسف إلى رغدة وقال
الحمد لله... بدأنا بشقة صغيرة وحلم كبير، وربنا كبر النعمة.
أمسكت رغدة بيده وقالت
وأجمل نعمة كانت إننا فضلنا سند لبعض.
صفق الجميع، وامتلأ البيت بالضحكات، بينما عُلقت الصورة الجديدة بجوار أول صورة التقطوها يوم استلموا الشقة.
وأصبحت تلك الصورة آخر صفحة في ألبوم العائلة... صفحة تحكي أن الصبر، والحب، والرضا، قد يحولون أبسط الأحلام إلى أجمل واقع.
تمت بحمد الله. بعد مرور أعوام، كانت ليان ترتب غرفة والدتها، وبعدما فتحت أحد الأدراج وجدت دفترًا قديمًا مغطى بقماش أبيض.
قالت ماما... هو الدفتر ده بتاع إيه؟
ابتسمت رغدة وقالت ده يومياتي... كنت بكتب فيه وأنا لوحدي وقت ما كان أبوكي مسافر.
فتحت ليان أول صفحة، فوجدت مكتوبًا
النهارده رجعت من عند شقة حماتي، وكل ما بشوفها بدعي ربنا يرزقني ببيت واسع، حتى لو بعد سنين.
ثم قلبت الصفحة التالية، فوجدت
يمكن حلمي كبير، لكن ربنا أكبر من أي حلم.
لم تتمالك ليان نفسها، واحتضنت أمها وهي تقول يا ماما... إنتِ عمرك ما فقدتي الأمل.
ابتسمت رغدة وقالت لأن اليأس عمره ما بنى بيت، لكن الصبر بيبني عمر كامل.
جلس يوسف بجوارهما وقال عارفة يا ليان... أمك عمرها ما اشتكت من الغربة ولا من ضيق الحال، وكانت دايمًا تقول المهم نكون مع بعض.
في تلك الليلة، قررت ليان تجمع كل الصور والرسائل واليوميات في كتاب واحد، وأطلقت عليه اسم
حكاية مفتاح.
طبعوا منه نسخًا لكل أفراد العائلة، وكل نسخة كان في أول صفحة منها عبارة كتبتها رغدة بخط يدها
قد يتأخر الفرج... لكنه حين يأتي، يُنسيك كل سنوات الانتظار.
وأصبح هذا الكتاب أغلى تذكار في العائلة، يقرأه الأبناء والأحفاد كلما مروا بظروف صعبة، فيتذكرون أن الصبر،
مع السعي والدعاء، قد يفتح أبوابًا لم يكونوا يتخيلونها.
وهكذا بقيت الحكاية تعيش في القلوب، حتى بعدما مر عليها عشرات السنين.

تم نسخ الرابط