كل مااعمل بقلم زهرة الربيع
وصوت عيال وجري في الشقة.
وأنا داخلة بالمحشي، سمعت واحدة من قرايبهم تقول لحماتي
بصراحة يا أم مصطفى... باين إن ولاء بتتعب معاكي أوي.
ابتسمت حماتي، وبصتلي من آخر السفرة.
وقالت بصوت عالي قدام الكل
ولاء دي نعمة من ربنا. والله لو كانت بنتي من دمي ما كانتش هتعمل معايا أكتر من اللي عملته.
سكتت السفرة كلها.
أنا حسيت إن عيني دمعت.
لكن اللي أثر فيَّ أكتر...
إنها قامت من مكانها، وجت وقفت جنبي.
وقالت وهي ماسكة إيدي
عارفين البنت دي كانت كل يوم تفضل تفكر ليه بقول الأكل مالح؟
ضحكوا وقالوا
أيوه... وبعدين؟
ابتسمت وقالت
المشكلة عمرها ما كانت في الأكل... المشكلة كانت في قلبي.
الكل سكت.
ثم كملت
كنت فاكرة إني لو فضلت أعيش مع الذكريات، هفضل قريبة من أبو مصطفى. لكن هي علمتني إن الإنسان يقدر يحفظ الذكرى... وفي نفس الوقت يعيش ويضحك.
بعد الغدا، وأنا بغسل الأطباق، لقيتها داخلة عليا.
قالت
سيبيهم.
قلت
لا يا ماما، هخلصهم.
ابتسمت وقالت
فاكرة أول يوم اتجرح صباعك؟
ضحكت وقلت
طبعًا.
قالت وهي بتاخد الإسفنجة من إيدي
وقتها قلتلك إن العروسة مش جاية تخدم.
ثم حطت إيدها على كتفي وقالت
ودلوقتي بقولك... البنت مش جاية تشيل البيت لوحدها.
وفي اللحظة دي...
دخل مصطفى المطبخ، بص لنا، وضحك وقال
واضح إنكم اتفقتوا عليا.
حماتي ردت بسرعة
طبعًا.
قلت
من النهارده، إنت اللي هتغسل المواعين.
ضحكنا كلنا...
ولأول مرة...
كانت ضحكة البيت طالعة من القلب، من غير دموع، ومن غير وجع، ومن غير كلمة مالح عدّى حوالي سنة...
وفي صباح يوم هادئ، صحيت على ريحة أكل طالعة من المطبخ.
استغربت.
الساعة كانت ستة إلا ربع.
قمت بسرعة.
لقيت حماتي لابسة المريلة، وواقفة قدام البوتاجاز.
قلت بخضة
يا ماما! ليه تعبتي نفسك؟
لفت ناحيتي وهي مبتسمة.
وقالت
النهارده عيد جوازكم... ينفع أسيب بنتي تدخل المطبخ؟
حضنتها من ضهرها وأنا بضحك.
قلت
بس أنا كنت هعمل الفطار.
قالت وهي بتقلب الطاسة
مرة واحدة في السنة... سيبيها لحماتك.
ضحكنا.
وبعد شوية صحي مصطفى.
أول ما دخل المطبخ، وقف يبص لنا.
وقال
أنا حلمت ولا إيه؟
حماتي ردت وهي بتحط له طبق الفول
لا... دي معجزة.
قعدنا نفطر سوا.
وفجأة، حطت قدامي صندوقًا صغيرًا ملفوفًا بورق هدايا.
قلت باستغراب
إيه ده؟
قالت
افتحيه.
فتحته...
لقيت نفس الأسبوع الدهب اللي كانت لبستهولي يوم الفرح.
اتخضيت وقلت
يا ماما... ده غالي.
قالت وهي تهز راسها
لما ادتهولك أول مرة، كنت بديه لعروسة ابني.
سكتت لحظة.
ثم ابتسمت وأضافت
النهارده... أنا بديه لبنتي.
ما قدرتش أتمالك نفسي.
قمت حضنتها وأنا بعيط.
ومصطفى كان واقف يبص لنا، وعينه هي كمان دمعت.
لكن وهو بيقعد على السفرة، داق لقمة من الفول...
وبص لأمه بخبث.
وقال
بصراحة يا أمي...
أنا وحماتي بصينا له في نفس اللحظة.
ابتسم وقال وهو يغمز
...حاسس إنه ناقصه رشة ملح.
سكتنا ثانية...
وبعدين حماتي ضربته بخفة على كتفه بالمعلقة، وقالت وهي تضحك من قلبها
امشي يا ولد... هتخليني أرجع للعادة القديمة!
وانفجر البيت كله بالضحك...
ضحكة عرفت ساعتها إن بعض الذكريات، لما يمر عليها الوقت، بتتحول من دموع... إلى ابتسامات تحفظ أصحابها بالدعاء والمحبة مرت ثلاث سنوات أخرى...
وكان البيت اتغيّر تمامًا.
النباتات اللي حماتي زرعتها في البلكونة كبرت.
وصور العيلة على الحيطة زادت.
وأكتر صورة كانت بتلفت نظر أي حد يدخل البيت...
صورة كبيرة لأبو مصطفى، وهو بيضحك بنفس الابتسامة اللي في الصورة القديمة.
لكن المرة دي...
الصورة حواليها إطار خشب، وتحته جملة صغيرة كتبتها حماتي بنفسها
الدعاء يوصّل... والحب ما بيموتش.
في كل مناسبة، كنا نقف قدام الصورة، نقرأ له الفاتحة، ونكمل يومنا.
ما بقيناش نبكي كل مرة.
بقينا نفتكره بالخير.
وفي يوم، رجعت من الشغل، لقيت حماتي قاعدة ماسكة ألبوم صور.
قالت
تعالي يا ولاء... عايزة أوريكي حاجة.
قعدت جنبها.
فتحت أول صفحة.
كانت صور فرحها هي وأبو مصطفى.
بعدها صور مصطفى وهو طفل.
ثم طلعت صورة فرحي أنا ومصطفى.
ابتسمت وقالت
شايفة؟
قلت
إيه؟
قالت
زمان كنت بفتح الألبوم ده عشان أعيط.
وقلبت الصفحة الأخيرة.
كانت صورة لينا إحنا التلاتة، واخدين سيلفي في المطبخ وإحنا بنعمل محشي.
وقالت وهي تضحك
دلوقتي بقيت بفتحه عشان أضحك.
ابتسمت وأنا ببص للصورة.
وفجأة قالت
عارفة يا ولاء... أنا اكتشفت حاجة.
قلت
إيه هي؟
قالت
الوحدة مش معناها إن الإنسان يقعد لوحده... الوحدة إن يبقى حواليه ناس بتحبه وهو قافل قلبه.
ثم مسكت إيدي وأضافت
إنتي فتحتي قلبي من غير ما تاخدي بالك.
وفي تلك اللحظة...
رن جرس الباب.
فتح مصطفى.
كان ساعي البريد.
معاه ظرف صغير.
مكتوب عليه اسم حماتي.
فتحت الظرف باستغراب.
طلع منه كارت بسيط.
من غير اسم مرسل.
لكن فيه جملة واحدة
شكراً لأنك خليتِ ابننا يلاقي بيتًا مليئًا بالرحمة.
بصينا لبعض في حيرة.
ما كناش عارفين مين اللي بعته.
لكن حماتي ضمت الكارت لصدرها، وابتسمت.
وقالت بهدوء
مش مهم مين كتبه...
ثم بصتلي وقالت
المهم إنه حقيقي.
وأنا وقتها عرفت...
إن أجمل البيوت مش هي اللي مافيهاش مشاكل...
أجمل البيوت هي اللي أهلها يختاروا يفهموا بعض، قبل ما يحكموا على بعض مرّت أيام قليلة بعد الخطاب الغريب...
وفي مساء هادئ، كنا قاعدين نشرب شاي في البلكونة.
حماتي كانت ساكتة، وباصّة للشارع.
وفجأة قالت
ولاء... فاكرة أول مرة قلّتلك الأكل مالح؟
ضحكت وقلت
أنسى دي؟ كنت همشي أشتري جهاز يحلل الملح في الأكل.
ضحكت هي كمان، وقالت
أنا كنت شايفة تعبك... وكل مرة أقول لنفسي بكرة هقولها الحقيقة.
سألتها
طيب ليه ما قلتيهاش؟
تنهدت وقالت
لأن الإنسان ساعات بيبقى مستحي من حزنه.
الكلمة دي فضلت ترن في ودني.
مستحي من حزنه.
كملت وهي تبص للسما
كنت حاسة إن الناس هتقول الست دي مش عارفة تنسى جوزها... فكنت أخبي وجعي في جملة صغيرة.
وفي اللحظة دي، مصطفى دخل البلكونة.
وقال وهو ماسك ورقة
يا جماعة... عندي خبر.
بصينا له.
ابتسم وقال
الشركة وافقت إني أشتغل من البيت يومين في الأسبوع.
حماتي فرحت وقالت
بجد؟
هز راسه.
قلت لنفسي... بدل ما ماما تفضل لوحدها، أقعد أشتغل من هنا.
بصتله بعين مليانة امتنان، وقالت
أنا مش عايزة أعطلك عن شغلك.
رد وهو يقبل رأسها
ولا تعطيل ولا حاجة... أنا اللي وحشتني القعدة معاكي.
أنا كنت ببص لهم، وحاسة إن ربنا عوضها عن سنين الوحدة.
لكن وأنا بقوم ألم الأكواب...
سمعت حماتي تناديني.
ولاء.
لفيت.
قالت بابتسامة
بكرة اعملي محشي.
ضحكت وقلت
حاضر.
غمزت لي وقالت
بس... متنسيش.
ابتسمت وسألتها
أنسى إيه؟
ضحكت من قلبها، وقالت
حطي ملح... المرة دي بقى حطيه عادي.
ضحكنا كلنا.
وكانت أول مرة تتقال فيها كلمة ملح في البيت...
وتبقى سبب للضحك، مش للوجع بعد الموقف ده، الحياة بقت أبسط.
لكن في يوم، وأنا برتب الدولاب في أوضة حماتي، لقيتها بتنادي عليا.
ولاء... تعالى هنا.
دخلت لقيتها قاعدة على السرير، وحاطة قدامها صندوق خشب صغير.
الصندوق ده... أول مرة أشوفه.
قالت
افتحيه.
فتحته بهدوء.
كان مليان ربطات شعر قديمة، وساعة يد، ونظارة، ومفتاح سيارة، وقلم حبر.
استغربت.
قلت
دول بتوع بابا مصطفى؟
هزت رأسها.
ثم قالت وهي تبتسم
كل حاجة دي ليها حكاية.
مسكت القلم وقالت
ده أول قلم اشتريناه بعد الجواز... كتب بيه أول مرتب.
ومسكت الساعة.
ودي آخر ساعة كان لابسها.
ثم مدت إيدها وأخرجت منديلًا أبيض صغيرًا، مطويًا بعناية.
وقالت
وعارفة ده إيه؟
هززت رأسي.
ابتسمت وقالت
ده المنديل اللي كان
ضحكت وقلت
هو كمان كان بيساعد؟
ردت وهي تضحك
كان يبوظ أكتر ما يساعد.
ضحكنا سوا.
ثم سكتت فجأة.
وقالت
عارفة يا ولاء... أنا احتفظت بالحاجات دي سنين، وخايفة بعد ما أمشي محدش يعرف قيمتها.
أنا مسكت إيدها بسرعة.
قلت
بعد الشر عليكي.
ابتسمت وقالت
دي سنة الحياة يا بنتي.
ثم دفعت الصندوق ناحيتي.
أنا عايزاكي تحتفظي بيه.
اتصدمت.
قلت
أنا؟
قالت
أيوه.
سكتت لحظة، ثم أضافت
لأنك الوحيدة اللي هتحافظي عليه بنفس الحب.
في نفس اللحظة، دخل مصطفى.
بص للصندوق، وبص لأمه.
وقال باستغراب
إيه ده؟
ابتسمت وقالت
ده تاريخ بيتنا... وبسلمه لأمينة عليه.
أنا بصيت لمصطفى.
لقيت عينه لمعت، لكنه ابتسم وقال
اختيارك صح يا أمي.
وأنا حضنت الصندوق بهدوء...
وحسيت إن الثقة اللي ادهالي حماتي، كانت أغلى بكتير من أي دهب أو هدية.
لأنها كانت بتقول لي من غير كلام
إنتِ بقيتي فعلًا واحدة مننا بعد عدة أشهر...
كان اليوم يوافق ذكرى وفاة أبو مصطفى.
من بدري صحيت، لقيت حماتي لابسة نفس الطرحة اللي كانت بتحب تلبسها في المناسبات.
قالت لي بابتسامة هادئة
النهارده عايزة أعمل حاجة.
قلت اللي تؤمري بيه يا ماما.
قالت هنطبخ الأكل اللي كان بيحبه.
دخلنا المطبخ إحنا التلاتة.
هي تعجن، وأنا أقطع الخضار، ومصطفى يشوي اللحمة.
والبيت كله مليان ريحة الأكل... والضحك.
بعد الغدا، قرأنا الفاتحة على روحه.
ولما الضيوف مشيوا، دخلت حماتي أوضة أبو مصطفى لأول مرة من سنين وهي مبتسمة، مش باكية.
طلعت صورته الكبيرة، ومسحت التراب عنها برفق، وقالت
اطمن... ابنك بخير، ومراته بنت أصول، وأنا بقيت بخير.
ثم علقت الصورة في الصالة بدل ما تفضل مقفولة في الأوضة.
التفتت ناحيتي ومدت إيدها.
وقالت
تعالي
يا ولاء.
مسكت إيدي.
وحطتها في إيد مصطفى.
وقالت وهي تبتسم والدموع في عينيها
أنا كنت خايفة أمشي من الدنيا وسيبكم متفرقين... لكن دلوقتي قلبي مرتاح.
اعترض مصطفى بسرعة
بعد الشر عليكي يا أمي، ربنا يديكي الصحة.
ضحكت وقالت
لكل عمر نهاية يا حبيبي... المهم الإنسان يسيب وراه محبة.
ثم فتحت الدرج، وأخرجت بطرمان الملح.
حطته على السفرة، وقالت وهي تضحك
البطرمان ده كان شاهد على أكبر سوء تفاهم في حياتنا.
ضحكنا كلنا.
ثم أخذت رشة صغيرة جدًا، ورشتها على طبقها.
داقت لقمة...
وأغمضت عينيها للحظة.
وبعدين بصتلي، وقالت الجملة اللي عمري ما هنساها
النهارده... الأكل مظبوط يا بنتي.
ما قدرتش أمنع دموعي.
حضنتها
ومصطفى حضننا إحنا الاتنين.
وفي اللحظة دي، حسيت إن البيت كله اتشافى من جرح قديم.
ومن يومها...
كل ما كنا نقعد على السفرة، كان بطرمان الملح موجود في النص.
مش علشان نزود الملح...
لكن علشان يفضل يذكرنا إن أوقات كتير، المشكلة ما بتكونش في الكلام اللي بيتقال...
المشكلة بتكون في الوجع اللي مستخبي وراه.
تمت.