كل مااعمل بقلم زهرة الربيع
المحتويات
هي تكون جاهزة.
عدّى يوم...
واتنين...
وثلاثة.
والحياة رجعت لطبيعتها.
وأنا رجعت أطبخ كل يوم، لكن المرة دي من غير ما أفكر في موضوع الملح.
الغريب...
إن حماتي بطلت تقول الجملة.
لأول مرة من شهور.
كانت تاكل في هدوء، وتكتفي تقول
تسلم إيدك.
ورغم إن الكلمة دي كانت تفرحني، إلا إني كنت حاسة إن في حاجة اتغيرت جواها.
وفي ليلة...
صحيت على صوت حركة في الصالة.
خرجت بهدوء.
لقيت نور الأباجورة الصغير منور.
وحماتي قاعدة لوحدها.
قدامها علبة الخشب.
كانت فاتحة الظرف الأول.
أما الظرف التاني...
فكان محطوط جنبها.
لسه مقفول.
فضلت تبص له وقت طويل.
تمد إيدها ناحيته...
وترجعها.
كأنها خايفة تعرف اللي جواه.
في اللحظة دي، سمعتها تهمس لنفسها
لو فتحته... يمكن أحس إنه ودعني بجد.
وساعتها فهمت...
إنها مش كانت خايفة من اللي مكتوب.
كانت خايفة من اللحظة اللي هتحس فيها إن آخر رسالة منه اتقرت... وإن مفيش حاجة تانية مستنياه منه بعد كده.
وفي صباح اليوم التالي...
وأنا رايحة الشغل...
نادَت عليا لأول مرة بصوت مختلف.
وقالت
ولاء... ممكن لما ترجعي النهارده... نقعد أنا وانتي لوحدنا شوية؟
بصيت في عينيها.
كان واضح إنها أخدت قرار...
قرار هيغيّر كل حاجة.
لكنها لسه ما قالتش إيه هو رجعت من الشغل ذلك اليوم وأنا قلبي بيدق بسرعة.
أول ما دخلت، لقيت مصطفى بيغير هدومه وقال
أمي قالتلي إنها عايزة تقعد معاكي لوحدك... وأنا هنزل أجيب كام حاجة من السوبر ماركت وأتمشى شوية.
هزيت راسي وأنا مستغربة.
بعد ما خرج، سمعت صوتها من البلكونة
تعالي يا ولاء.
قعدت جنبها.
كانت عاملة كبايتين ينسون، والجو هادي.
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت
إنتي زعلانة مني؟
ابتسمت بسرعة وقلت
لا والله يا طنط.
بصتلي في عيني وقالت
متكدبيش... أنا ست كبيرة، وبعرف الزعل من العين.
نزلت عيني في الأرض.
قالت وهي ماسكة إيدي
عارفة أنا ليه كنت بقول كل يوم إن الأكل مالح؟
نفسي اتقطع وأنا مستنية الإجابة.
لكنها قالت بهدوء
مش علشان الأكل.
ثم سكتت.
كأنها بتجمع شجاعتها.
وأضافت
في أول كام شهر بعد وفاة أبو مصطفى، كنت كل ما آكل لوحدي أحس إن السفرة فاضية...
دموعها نزلت من غير ما تحاول تمنعها.
كان دايمًا يقول وهو بيضحك الأكل مالح حبتين... وأنا أرد عليه وأقوله كُل واسكت بقى.
ابتسمت وسط دموعها.
لما جيتوا سكنتوا معايا، كنت فاكرة الإحساس ده هيروح... لكنه ما راحش.
أنا كنت سامعة في صمت.
قالت
كل يوم وقت الضهر، البيت بيكون ساكت... وإنتوا في الشغل... فأقعد قدام الطبَق وأفتكره.
ثم ضغطت على إيدي وقالت
ولما كنت أقولك الأكل مالح... ما كنتش بكلمك إنتي يا بنتي.
شهقت وأنا بصيتلها.
قالت
كنت برد على صوته اللي لسه بسمعه في ودني.
دموعي نزلت غصب عني.
قالت بسرعة وهي تمسحها
وأقسم بالله عمري ما قصدت أجرحك... ولا مرة دوقت أكلك وقلت إنه وحش.
ثم قامت من مكانها.
دخلت أوضتها.
ورجعت وهي شايلة الظرف التاني.
حطته قدامي وقالت
أنا مش قادرة أفتحه لوحدي.
بصيت للمظروف...
كان لسه مقفول بالشمع الأحمر من سنين.
مدت إيدهالي وهي بتتنهد وقالت
افتحيه يا ولاء...
وتوقفت أنفاسي وأنا بدأت أفك طرف المظروف ببطء... منتظرين جميعًا ما تركه أبو مصطفى في آخر كلماته إيدي كانت بترتعش وأنا بفك الشمع القديم.
الظرف كان أصفر من الزمن، وكأنه مستني اللحظة دي من سنين.
بصيت لحماتي.
قالت وهي تغمض عينيها
اقري... أنا مش هقدر.
سحبت الورقة من جوه برفق.
كانت مكتوبة بخط أبو مصطفى.
وأول سطر كان
إلى أم مصطفى... لو وصلِك الجواب ده، يبقى أنا عند رب كريم، وأنتِ لسه بتحاولي تعيشي.
بدأ صوتي يتهز وأنا بكمل القراءة.
عارف إنك هتزعلي، وعارف إنك هتفتقدي هزارنا على السفرة. وعارف كمان إن أول جملة هتيجي على لسانك كل ما تاكلي لوحدك هتبقى الأكل مالح حبتين.
حماتي غطت وشها بإيديها، ودموعها نزلت بغزارة.
كملت
بس أوعي تفضلي عايشة مع الذكرى أكتر ما تعيشي مع الناس اللي حواليكي. لو ربنا رزق مصطفى بزوجة طيبة، اعتبريها بنتك، وما تخليش هزارنا القديم يبقى سبب يوجع قلبها.
أنا ما قدرتش أكمل للحظة.
حماتي كانت بتبكي بصمت.
رجعت أبص في الورقة.
وكان فيه سطر أخير مكتوب بخط أكبر
ولو في يوم لقيتِ نفسك بتقولي الأكل مالح... افتكري إن المشكلة مش في الأكل، المشكلة إنك وحشتِك
في اللحظة دي...
حماتي انفجرت في البكاء.
قامت من مكانها، وجت حضنتني حضن طويل.
وهي بتقول بين شهقاتها
سامحيني يا ولاء... والله ما كنت أقصد أوجعك.
وأنا حضنتها بقوة وقلت
مفيش حاجة يا ماما... من النهارده هنقعد ناكل سوا كل ما نقدر.
في نفس اللحظة، فتح مصطفى باب الشقة.
وقف مكانه أول ما شافنا بنعيط وإحنا حضنين بعض.
ابتسم، لكنه هو كمان دمعت عينه.
اقترب بهدوء، وحضننا إحنا الاتنين.
ولأول مرة من وقت طويل...
حسينا إن البيت رجع دافي من جديد من اليوم ده... اتغيرت حاجات كتير في البيت.
مش تغيير كبير يلفت نظر الناس.
لكن التغييرات الصغيرة... اللي بتفرق في القلب.
بقيت وأنا في الشغل، كل يوم الساعة واحدة إلا ربع، أبعت لحماتي رسالة صوتية.
يا ماما... الأكل في التلاجة، بس أوعي تاكلي لوحدك. افتحي الفيديو.
أول مرة عملت كده، ضحكت وقالت
فيديو إيه يا بنتي؟
قلت لها
اعملي مكالمة فيديو معايا خمس دقايق، لحد ما أبدأ الاجتماع.
وبقت عادة.
هي تسخن الأكل...
وأنا أقعد قدام شاشة الموبايل في مكتب الشركة.
آكل لقمتين من سندوتشي...
وهي تاكل من الطبق اللي في البيت.
ولو مديري دخل فجأة، أقفل المكالمة بسرعة، وهي تضحك وتقول
روحي شوفي شغلك يا بنتي.
وبقت تضحك بجد...
الضحكة اللي ما كناش سمعناها من شهور.
أما مصطفى، فقرر يعمل حاجة تانية.
كل خميس، مهما كان مشغول، يرجع بدري.
ويقول
النهارده غدا عائلي... ممنوع حد يعتذر.
نجتمع حوالين السفرة.
لا موبايلات.
ولا تلفزيون.
ولا شغل.
مجرد أكل وكلام وضحك.
وفي أول خميس...
وأنا بحط الصينية على السفرة، قلبي كان بيدق.
بصيت لحماتي وقلت بخوف
دوقي الأول.
أخدت لقمة.
مضغتها بهدوء.
أنا ومصطفى بصينا لبعض.
ثم بصتلنا هي...
وسابت ثواني طويلة من غير ما تتكلم.
مصطفى ابتسم وقال وهو بيهزر
ها يا أمي... الحكم.
بصتلي...
ولأول مرة من يوم دخلت البيت ده...
ابتسمت ابتسامة واسعة وقالت
تسلم إيدك يا ولاء.
حسيت إن الكلمة دي عوضتني عن كل الأيام اللي فاتت.
لكن بعد ثانية...
رفعت حاجبها وهي بتضحك بخبث وقالت
بس...
أنا ومصطفى
قالت وهي بتضحك لأول مرة من قلبها
...لو أبو مصطفى كان عايش، كان أكيد قال الأكل مالح حبتين.
انفجرنا كلنا في الضحك.
المرة دي...
الجملة ما كانتش وجع.
بقت ذكرى جميلة...
بتخلّي واحد غايب حاضر بالدعاء والابتسامة، مش بالحزن والدموع بعدها بأسبوع...
كنت واقفة في المطبخ بعمل محشي.
حماتي دخلت عليا وهي شايلة كرسي صغير.
قلت لها بسرعة
يا ماما، سيبيه... أنا هخلص.
ابتسمت وقالت
لا... النهارده دوري.
قعدت جنبي، وبدأت تلف ورق العنب.
بصيت لإيديها.
كانت بتلفه بسرعة وإتقان، كأنها رجعت عشرين سنة لورا.
قلت وأنا بضحك
واضح إن عندي معلمة.
ردت بابتسامة
وأنا عندي بنت.
الكلمة دي وقفتني.
ما قالتش مرات ابني...
ولا يا ولاء.
قالت
بنت.
في نفس اليوم، وأنا بنضف درج المطبخ، لقيت ورقة مطوية.
كانت قائمة مكتوبة بخط حماتي.
العنوان كان
الأكلات اللي ولاء بتحبها.
فتحتها باستغراب.
لقيت مكتوب
مكرونة بالبشاميل.
ورق عنب.
صينية بطاطس بالفراخ.
رز بلبن.
مهلبية.
وفي آخر الورقة جملة صغيرة
لما أقدر أقف في المطبخ تاني... هعملهم لها كلهم.
ما حسيتش بنفسي غير وأنا بمسح دموعي.
في اللحظة دي دخلت حماتي.
شافت الورقة في إيدي.
اتكسفت وقالت
آه... كنت كاتباها من زمان.
قلت وأنا باحضنها
هو أنا اللي كنت فاكرة إني الوحيدة اللي بحاول أرضيكي...
ابتسمت وقالت
وهو أنا كنت فاكرة إنك الوحيدة اللي بتتعبي عشاني؟
وفي المساء...
رجع مصطفى من الشغل ومعاه كيس حلويات.
قال وهو بيحط العلبة على السفرة
النهارده عندي اقتراح.
أنا وحماتي بصينا له.
قال
إيه رأيكم من الأسبوع الجاي، كل جمعة نستضيف حد من العيلة على الغدا؟
حماتي استغربت
ليه؟
ابتسم وقال
عشان البيت اللي فيه سفرة متجمعة... عمر الوحدة ما تعرفله طريق.
بصت له بفخر.
ثم بصتلي.
وقالت بهدوء
أبوك... لو كان عايش... كان هيبقى مبسوط أوي وهو شايف البيت كده.
وساد الصمت للحظات...
لكنه كان صمتًا مريحًا هذه المرة.
صمت بيتٍ عاد إليه الدفء، بعدما فهم الجميع أن بعض الكلمات لا تكون شكوى... بل تكون حنينًا لا يعرف صاحبه كيف يعبّر عنه مرت الشهور...
وبدأت حماتي ترجع للحياة
بقت تنزل تتمشى بعد العصر مع جارتها.
وترجع وهي شايلة كيس خضار صغير، وتقول لي
لقيت الكوسة طازة، قولت أجيبها عشان تعملي المحشي اللي مصطفى بيحبه.
وفي يوم جمعة، كنا مستضيفين إخوات مصطفى وأولاد خالته.
السفرة كانت مليانة.
ضحك
متابعة القراءة