كل مااعمل بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

البيت عشان يفهم إيه اللي بيحصل بالظبط. وأول ما شفنا اللي حصل الظهرية في التسجيل.. ما قدرتش أمسك دموعي!!!!!
زهرة_الربيع
صلي على حبيي اللهفتح مصطفى تسجيل الكاميرات وهو متوقع يشوف حاجة بسيطة... يمكن أمه قامت ورشت ملح من نفسها من غير ما تحس، أو يمكن خلطت بين العلب.
قدّم الفيديو لوقت الظهر.
ظهر باب أوضة حماته وهو بيتفتح بالراحة.
خرجت تمشي خطوة... وخطوة... لحد ما وصلت للمطبخ.
أنا مسكت نفسى وقلت أهو... أكيد هتفتح بطرمان الملح.
لكن...
لا.
عدّت من جنب الدولاب اللي فيه الملح من غير حتى ما تبص له.
فتحت التلاجة، طلعت علبة الأكل، وحطتها في الميكرويف.
دقيقة... واتنين...
طلعتها، وقعدت على السفرة لوحدها.
مصطفى قرب من الشاشة وقال بصي كويس...
حماته مسكت أول لقمة...
رفعتها لفمها...
لكن قبل ما تاكلها بثواني، حصل شيء غريب جدًا.
حطت اللقمة تاني في الطبق...
وبصت على الكرسي المقابل ليها...
الكرسي الفاضي.
فضلت باصة له حوالي نص دقيقة كاملة... وكأن حد قاعد قدامها.
بعدها ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت بصوت واطي جدًا لدرجة إن الكاميرا بالعافية التقطته
لو كنت هنا... كنت قلتلي كالعادة إن الأكل ناقصه رشة ملح.
أنا ومصطفى بصينا لبعض من غير ما نفهم.
هي بتكلم مين؟
رجّع التسجيل تاني، ورفع الصوت لأقصى درجة.
المرة دي سمعناها بوضوح وهي بتضحك ضحكة مكسورة وتقول
الله يرحمك... حتى بعد ما سبتني بسنين، لسه بسمع صوتك.
سكتت شوية...
ومسحت دمعة نزلت على خدها.
بعدها أخدت أول لقمة...
ومضغتها ببطء...
وبعدين هزت رأسها لوحدها وقالت
أيوه... برضه مالح.
مصطفى اتجمد مكانه.
وشه اتغير مرة واحدة.
همس بصوت مرتعش
دي... دي نفس الجملة اللي كان بابا بيقولها كل يوم على السفرة.
أنا بصيت له باستغراب.
قال وهو عينه على الشاشة
أبويا عمره ما كان يشتكي من أكلها... كان بيهزر معاها كل يوم ويقول الأكل مالح حبتين يا أم مصطفى... وهي كانت تضحك وتقوله يعني كل يوم مالح؟... ومن يومها بقت جملة بينهم.
لسه بنستوعب الكلام...
لكن الفيديو ما خلصش.
لأن بعد ما خلصت أكل...
حماتي قامت بهدوء...
واتجهت ناحية المطبخ.
فتحت درج صغير جدًا... عمرنا ما فكرنا نفتحه.

طلعت منه ظرفًا قديمًا أصفر اللون...
حضنته على صدرها...
وقعدت على الكرسي تبكي بصمت...
ثم فتحته، وأخرجت منه صورة قديمة...
وأول ما رفعتها قدامها...
شهقت أنا من اللي شفته.
لكن مصطفى...
وقع الريموت من إيده، وقال بصوت مخنوق
مستحيل...!مصطفى جرى على الشاشة ووقف الصورة.
إيده كانت بتترعش وهو بيقرب الصورة أكتر.
أنا بصيت... لقيت الصورة قديمة جدًا، ألوانها باهتة.
أبوه كان قاعد على السفرة، قدامه طبق أكل، وبيضحك من قلبه.
أما حماتي فكانت واقفة وراه، ماسكة المغرفة، وباصاله بنفس الضحكة.
وفي أسفل الصورة، بخط إيد قديم، مكتوب
لو الأكل بقى مظبوط... يبقى البيت ناقص ضحك.
مصطفى ابتلع ريقه وقال دي خط إيد أبويا...
كمّلنا الفيديو.
حماتي فضلت ماسكة الصورة شوية، وبعدها حطتها على السفرة قدامها، وكأنها بتأكل مع حد.
كانت كل لقمة تاكلها، تبص للصورة وتبتسم ابتسامة حزينة.
وفجأة قالت
لسه بزعل منك... كل ما أعمل أكلة أسمعك تقول مالح حبتين.
وبعدين سكتت.
وبعد ثواني، خدت نفسًا عميقًا، ومسحت دموعها بسرعة، ولمّت الصورة، ورجعتها الظرف، وقفلت الدرج.
أنا حسيت بغصة في قلبي.
قلت لمصطفى يبقى هي مش بتقولها على الأكل...
لكنه رفع إيده وقال استني... الفيديو لسه فيه كام دقيقة.
رجعنا نبص.
بعد ما رجعت الصورة مكانها، قامت تغسل طبقها.
لكن وهي واقفة عند الحوض، حصل شيء غريب.
وقفت فجأة...
وبصت ناحية باب الشقة.
كأنها سمعت حد بيخبط.
خلعت المريلة بسرعة، ومشت ناحية الباب بخطوات سريعة، وهي بتقول بفرحة
جيت؟
فتحت الباب...
لكن مفيش حد.
فضلت واقفة كام ثانية تبص للممر الفاضي.
وبعدين نزلت راسها، وابتسمت ابتسامة كلها وجع، وقالت لنفسها
نسيت... هو مش هييجي تاني.
قفلت الباب بالراحة...
ورجعت أوضتها.
مصطفى في اللحظة دي حط وشه بين إيديه.
وأول مرة من سنين... شفته بيعيط.
أما أنا، فكنت حاسة إن في حاجة أكبر لسه مستخبية.
لأن قبل ما الفيديو يخلص بثوانٍ...
حماتي خرجت من أوضتها مرة تانية.
راحت مباشرة ناحية المكتبة.
فتحت درجًا صغيرًا جدًا تحت التلفزيون.
وأخرجت دفترًا أسود قديمًا.
قلبت صفحاته بسرعة، ووقفت عند صفحة معينة.
الكاميرا ما كانتش مبيّنة المكتوب.
..
لكن اللي قدرنا نشوفه بوضوح...
إن الصفحة كلها كانت مليانة بنفس الجملة، مكتوبة عشرات المرات بخط إيدها
النهاردة... الأكل مالح حبتين.
وبجانب كل جملة...
كان فيه تاريخ مختلف.
ومصطفى شهق فجأة وهو بيقرب الصورة أكتر، وقال بصوت متقطع
التواريخ دي... مش عشوائية...أنا بصيتله بسرعة وقلت
يعني إيه مش عشوائية؟
مصطفى كان بيقلب في الفيديو ثانية بثانية، وعينه على الدفتر.
قال وهو بيعد التواريخ بإصبعه
بصي... 12 مارس... 7 يوليو... 18 نوفمبر...
سكت لحظة، ثم قال بصوت مخنوق
دي تواريخ مهمة في حياتنا.
أنا استغربت إزاي؟
قال 12 مارس... يوم وفاة بابا. 7 يوليو... عيد جوازهم. 18 نوفمبر... يوم ما نقلناها تعيش معانا.
حسيت بقشعريرة سرت في جسمي.
لكن لسه فيه حاجة مش مفهومة...
ليه كل التواريخ مكتوب جنبها نفس الجملة؟
رجعنا نكمل الفيديو.
حماتي قعدت على الكنبة، وفتحت الدفتر.
كانت تقرأ سطورًا بصوت خافت جدًا، والكاميرا التقطت كلمات متفرقة
قالها وهو بيضحك...
...آخر مرة...
...أوعدني...
مصطفى وقف الفيديو فجأة.
قال لا... أنا لازم أشوف الدفتر ده.
تاني يوم، خرجنا من الشغل بدري.
دخلنا البيت، وكانت حماتي قاعدة في البلكونة بتسقي الزرع.
مصطفى باس إيدها، وقعد جنبها.
قال بهدوء
يا أمي... ممكن أسألك على حاجة؟
ابتسمت وقالت
اسأل يا حبيبي.
قال
الدفتر الأسود اللي في درج المكتبة...
في اللحظة دي...
الابتسامة اختفت من وشها.
بصت له ثواني طويلة، ثم قالت بهدوء
شفتوه؟
أنا حسيت بالذنب وقلت بسرعة
إحنا ما فتحناهوش... بس شفناه في الكاميرا.
سكتت...
وبعدين قامت من مكانها من غير كلمة.
دخلت الصالة.
فتحت الدرج.
طلعت الدفتر.
حضنته لصدرها لحظات...
ورجعت قعدت قدامنا.
مررت إيدها على الغلاف وكأنها بتربت على ذكرى عزيزة.
ثم قالت بصوت هادئ
الدفتر ده... محدش شافه من يوم أبو مصطفى مشي.
أنا ومصطفى ما اتكلمناش.
فتحت أول صفحة...
وكان فيها صورة صغيرة قديمة، وبينها وردة يابسة محفوظة من سنين.
ثم قلبت صفحة أخرى...
وقالت
كل مرة كنت أسمعه يقول الأكل مالح حبتين... كنت أرجع آخر اليوم وأكتب التاريخ والجملة... لأنها كانت بتضحكني.
مسحت دمعة نزلت على خدها، وأكملت
ولما
غاب... بقيت أكتبها أنا... علشان أحس إنه لسه قاعد معايا على السفرة.
سكتت لحظة...
ثم أغلقت الدفتر مرة أخرى.
لكن قبل أن تكمله بالكلام...
رن جرس الباب فجأة.
نظرت حماتي ناحية الباب، وتغير لون وجهها.
همست لنفسها
مش معقول...
أما مصطفى، فلما فتح الباب...
اتسعت عيناه في صدمة، وقال
حضرتك؟!وقف مصطفى عند الباب، وعيناه مليانتان بالدهشة.
أنا خرجت من الصالة أشوف مين.
لقيت راجل كبير في السن، شعره أبيض، ماسك شنطة جلد قديمة.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
أنا آسف لو جيت من غير معاد... أنا كنت صاحب والد مصطفى.
أول ما حماتي سمعت صوته...
قامت من مكانها بسرعة، وقالت وهي مش مصدقة
عم فؤاد؟!
ابتسم لها وقال
أيوه يا أم مصطفى... اتأخرت أوي في الزيارة.
قعد معانا في الصالة، وبعد شوية كلام عن الأيام القديمة، فتح الشنطة الجلد.
طلع منها علبة خشب صغيرة.
ناولها لحماتي وقال
دي أمانة عندي من يوم المرحوم.
حماتي إيديها كانت بترتعش وهي بتفتح العلبة.
جواها كانت ساعة يد قديمة، ومظروف أبيض مقفول.
بمجرد ما شافت المظروف، دموعها نزلت من غير ما تتكلم.
عم فؤاد قال بهدوء
الله يرحمه... سلمني الأمانة دي قبل وفاته بأيام، وقال لو مراتي فضلت تفتكرني وتعيش على الذكريات، ادّيهالها في الوقت المناسب... لما تحس إنها تعبت من الوحدة.
أنا ومصطفى بصينا لبعض في صمت.
حماتي كانت ماسكة المظروف، لكنها ما فتحتهوش.
فضلت تبص له كأنه أغلى حاجة في الدنيا.
بعد لحظات، رفعت رأسها وقالت
مش النهارده...
ورجعت حطته في العلبة وقفلتها.
عم فؤاد هز رأسه باحترام وقال
زي ما تحبي.
لكن وأنا بقفل العلبة...
لاحظت حاجة صغيرة جدًا.
كان فيه ظرف تاني تحت المظروف الأول...
مكتوب عليه بخط مختلف
يفتح إذا بدأت تقول إن الأكل مالح كل يوم.
بصيت لمصطفى...
هو كمان شاف الكتابة.
لكن ولا واحد فينا نطق بكلمة.
كل اللي عملناه...
إننا بصينا ناحية حماتي.
واضح إنها لحد اللحظة... ما كانتش تعرف إن فيه ظرفًا ثانيًا مخبأ تحت الأول أنا لمحت الظرف، لكن ما قدرتش أقول أي حاجة.
حسيت إن دي حاجة تخصها هي والمرحوم.
حماتي قفلت العلبة بهدوء، ومسحت دموعها بطرف الطرحة، وقالت لعم فؤاد
جزاك الله
خير... تعبت نفسك.
رد بابتسامة حزينة
دي كانت وصيته.
بعد ما مشي، فضل البيت ساكت بشكل غريب.
لا أنا عارفة أتكلم...
ولا مصطفى.
ولما دخلت حماتي أوضتها، بصيت لمصطفى وقلت
هنقولها على الظرف؟
هز راسه بالنفي.
لأ... لما
تم نسخ الرابط