كنت فاكرة

لمحة نيوز

التسجيل المحذوف.
كان تسجيلًا آخر.
وقال أبي بصوت واضح
الشخص الذي يجب أن أخاف منه... ليس محمود.
نظرت للجميع.
وتوقف التسجيل عند الجملة الأكثر صدمة.
ثم ظهر صوت أبي مرة أخرى
لأن الشخص الأخطر... هو الشخص الذي تثق به ابنتي أكثر من أي أحد.
تجمدت في مكاني.
والجميع بدأ ينظر حوله.
لأن السؤال أصبح
من كان يقصده أبي؟
يتبع...تكملة القصة...
ساد صمت مرعب داخل المكتب القديم.
صوت أبي ما زال يرن في أذني
الشخص الأخطر... هو الشخص الذي تثق به ابنتي أكثر من أي أحد.
نظرت حولي.
عمي محمود كان واقفًا بوجه جامد.
عمي سامح متوتر.
أما عادل...
فكان شاحبًا.
قلبي انقبض.
لكن قبل ما أتكلم، رفع عمي سامح يده وقال
استنوا... لازم نسمع التسجيل كامل.
ضغط على الملف مرة أخرى.
خرج صوت أبي
أنا لا أقصد شخصًا يريد المال فقط... أنا أقصد شخصًا يعرف نقاط ضعفي، ويعرف كيف يجعلني أثق به.
ثم توقف التسجيل.
نظرنا لبعضنا.
قال عمي محمود بسخرية
شايفين؟ حتى هو ما قالش اسمي.
لكن عمي سامح رد
لأن التسجيل ناقص.
في تلك اللحظة، لاحظت شيئًا.
الفلاشة التي كان عليها التسجيل لم تكن نفس الفلاشة التي وجدناها.
قلت
مين جاب التسجيل ده؟
سكت الجميع.
ثم نظرنا إلى عمي محمود.
ابتسم وقال
لقيته من زمان.
قلت
يعني كنت عارف بوجوده وسكت؟
لم يرد.
وهنا فهمت أن كل شخص في الغرفة كان يخفي جزءًا من الحقيقة.
قلت بحزم
أنا تعبت من إن الكل يتصرف كأني طفلة لازم تحموها. أنا صاحبة الشركة، وصاحبة الحق... ومن النهارده هسمع كل شيء.
خرجت من المكتب وأنا مصممة أعرف الحقيقة.
لكن قبل ما أخرج، سمعت صوت عادل يناديني
استني.
وقفت.
قال
في حاجة لازم تعرفيها عني.
نظرت له.
إيه كمان؟
أخذ نفسًا طويلًا.
أنا ما كنتش في حياتك بالصدفة.
اتجمدت.
يعني إيه؟
قال
قبل ما نتجوز، والدك كان يعرف عيلتي... وهو اللي طلب مني أقرب منك.
نظرت له بعدم تصديق.
أبويا طلب منك؟
هز رأسه.
كان شايف إني شخص أقدر أحميك.
ضحكت بمرارة.
تحميني؟ ولا تتحكم في حياتي؟
نزل عينيه.
أنا خذلت ثقته.
قبل أن أكمل الكلام، رن هاتف عمي سامح.
نظر للشاشة، ثم تغير وجهه.
قلت
مين؟
قال
المستشفى.
رد بسرعة.
وبعد
ثوانٍ أغلق الهاتف.
كان وجهه مصدومًا.
سألته
في إيه؟
قال
في شخص صحى من الغيبوبة.
تبادلنا النظرات.
ثم أكمل
الشخص ده كان موجود يوم الحادث.
توقفت أنفاسي.
مين؟
نظر إليّ وقال
السائق اللي كان يقود العربية اللي كانت وراءكم يوم الحادث.
اقتربت منه.
هو فاكر إيه؟
قال
قال قبل ما يفقد الوعي جملة واحدة فقط...
سكت.
قلت
إيه هي؟
نظر إلى عادل.
ثم قال
قال عادل كان يعرف إن العربية هتتبعكم.
ساد الصمت.
وشعرت أن كل شيء حولي توقف.
نظرت لعادل...
ولأول مرة منذ سنوات...
لم أعرف هل الشخص الواقف أمامي كان ضحية...
أم جزءًا من الخطة.
يتبع...تكملة القصة...
بصيت لعادل وأنا حاسة إن كل الذكريات بتتجمع قدامي مرة واحدة.
كلامه يوم الحادث... خوفه... اهتمامه... وكل اللحظات اللي كنت فاكرة إنها دليل حب...
فجأة بقت أسئلة.
قلت بصوت هادي لكنه مليان وجع
عادل... السائق قال إنك كنت تعرف إن العربية هتتبعنا. يعني إيه؟
فتح فمه عشان يرد، لكن الكلمات خانته.
قال أخيرًا
أنا كنت عارف إن في تهديد... بس مش بالشكل اللي في دماغك.
ضحكت بمرارة.
كل مرة عندك جزء من الحقيقة وتسيبني أكتشف الباقي لوحدي.
اقترب خطوة وقال
اسمعيني قبل ما تحكمي.
رفعت إيدي.
أنا سمعت كفاية أسرار.
لكن عمي سامح تدخل
لازم نسمعه. لأن لو كلامه صحيح، يبقى في شخص تاني كان بيحاول يوقعكم.
نظرت لعادل.
اتكلم.
جلس عادل ببطء وقال
قبل الحادث بأسبوع، أبوكي اتصل بيا.
اتسعت عيني.
أبويا؟
هز رأسه.
كان قلقان. قال لي إنه اكتشف إن حد بيحاول يوصل لملفات الشركة، وإن في ناس عايزة تضغط عليك بعد وفاته.
سألته
وليه ما قالش لي؟
رد
لأنه كان خايف عليك. قال لي أنت الوحيد اللي ممكن تكون قريب منها وتحميها لو حصل أي شيء.
سكت قليلًا.
ثم أكمل
في يوم الحادث، وصلتني رسالة من رقم مجهول بتحذرني إنك في خطر. حاولت أتأكد، لكن الوقت كان قليل.
قلت بغضب
وليه ما قلتليش كل ده بعد الحادث؟
خفض رأسه.
لأن بعد الحادث، لما فقدتي نظرك، بدأوا يضغطوا عليا. كانوا عارفين إني لو تكلمت ممكن يأذوكي.
نظرت إليه.
مين هم؟
قبل أن يجيب...
انطلق صوت هاتف عمي محمود.
نظر إلى الشاشة.
كان هناك اتصال من
رقم مجهول.
رفض المكالمة.
لكن بعدها بثوانٍ وصلت رسالة.
قرأها...
وتغير وجهه.
قلت
في إيه؟
لم يرد.
أخذت الهاتف من يده.
كانت الرسالة
اللعبة خلصت. لو فتحتوا الملف الأخير... هتخسروا كل حاجة.
نظرت إلى عمي محمود.
إيه الملف الأخير؟
ظل صامتًا.
وهنا انفجر عمي سامح
كفاية يا محمود! لحد إمتى هتفضل تخبي؟
نظر إليه محمود بغضب.
إنت آخر واحد يتكلم عن الأسرار.
تجمدنا.
قلت
يعني إيه؟
قال محمود
اسألي عمك سامح عن سبب اختفائه عشر سنين.
التفتُّ إلى عمي سامح.
وجهه تغير.
لأول مرة رأيته خائفًا.
قلت
عمي... هو بيقول إيه؟
جلس ببطء وقال
لأني كنت بحاول أحميك.
من مين؟
نظر إليّ.
ثم قال
من الحقيقة.
شعرت بقشعريرة.
أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا.
وقال
أبوك ترك لي أمانة... وقال لي ما أديهاش لك إلا لما تكوني مستعدة.
أخذت المفتاح.
كان نفس شكل المفتاح الموجود في الصندوق القديم.
قال عمي سامح
ده يفتح مكان واحد فقط.
سألته
فين؟
نظر ناحية المصنع القديم.
وقال
في المكتب اللي أبوكي قفله قبل وفاته بيوم.
تبادلنا النظرات.
لأن هذا المكتب...
لم يدخله أحد منذ أكثر من عشر سنوات.
وفي تلك اللحظة...
وصلت رسالة جديدة على هاتفي.
من رقم مجهول.
فتحتها...
وكان فيها صورة.
صورة لي وأنا خارجة من مكتب المحامي.
وتحتها جملة واحدة
إحنا شايفينك من زمان... والدور الجاي عليك.
رفعت عيني عن الهاتف.
وعرفت أن المعركة الحقيقية بدأت الآن.
يتبع...نهاية القصة...
في تلك الليلة، لم أنم.
كنت جالسة أمام نافذة غرفتي، أنظر للمدينة التي بدأت أراها من جديد بعد سنوات من الظلام.
لكن هذه المرة، لم يكن خوفي من فقدان النظر...
كان خوفي من أن أكتشف أن كل من حولي كانوا مجرد وجوه تخفي حقيقتها.
في الصباح، قررت أن أذهب إلى المكتب القديم في المصنع.
كنت أريد أن أفتح المكان الذي أغلقه أبي قبل وفاته.
ذهب معي عادل، وعمي سامح، والمحامي.
لم يكن هناك كلام كثير.
الجميع كان ينتظر الحقيقة.
أدخلت المفتاح في الباب القديم.
دار بصعوبة...
وكأن المكان نفسه كان يحتفظ بسر لا يريد إخراجه.
دخلنا.
كان المكتب كما تركه أبي.
المكتب الخشبي...
الكتب القديمة...
وصورة عائلية
على الحائط.
لكن خلف الصورة، وجدنا خزنة صغيرة.
فتحها المحامي بالمفتاح.
في الداخل كان هناك ملف واحد فقط.
وعليه كلمة واحدة
الحقيقة.
فتحت الملف.
وجدنا أوراقًا وتقارير ورسائل.
لكن المفاجأة الأكبر كانت رسالة بخط أبي.
بدأت أقرأ
يا ابنتي...
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى حد حاول يخليكي تصدقي إن أقرب الناس ليكي هم أعداؤك.
لكن الحقيقة إن الخطأ الأكبر اللي عملته إني حاولت أحمي الكل بالصمت.
توقفت لحظة.
ثم أكملت
عادل لم يكن عدوك... لكنه كان ضعيفًا، وخاف في الوقت الخطأ.
نظرت لعادل.
كانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
تابعت القراءة
أما محمود... فقد حاول السيطرة على الشركة، لكنه لم يكن العقل المدبر.
تجمد الجميع.
ثم جاءت الجملة التي غيرت كل شيء
الشخص الذي خان ثقتي لم يكن من العائلة...
كان شخصًا عمل معي سنوات، ويعرف كل أسرار الشركة.
نظر المحامي إلى الأوراق بسرعة.
ثم قال
مدير الحسابات السابق...
كان نفس الرجل الذي اختفى بعد وفاة أبي.
الرجل الذي ظن الجميع أنه استقال وسافر.
لكن الأوراق أثبتت أنه كان يزوّر حسابات الشركة، ويحاول نقل ملكيات بطريقة سرية.
أما الحادثة...
فلم تكن مدبرة لإيذائي.
كان الهدف الحقيقي هو الضغط على أبي قبل وفاته، لكنه توفي قبل أن يكشف الحقيقة.
وفي يوم الحادث، كنت أنا الضحية التي دفعت الثمن بدلًا منه.
بعد أيام، تم القبض على المدير السابق بعد ظهور الأدلة.
واعترف بكل شيء.
أما عمي محمود، فخسر مكانته بعد أن حاول إخفاء بعض الحقائق لحماية نفسه.
وعمي سامح عاد للعمل معنا، لكن هذه المرة بدون أسرار.
أما عادل...
فوقف أمامي يومًا وقال
أنا عارف إن اللي بينا اتكسر. يمكن مش هنرجع زي زمان... لكن أتمنى تسامحيني على خوفي وصمتي.
نظرت إليه طويلًا.
قلت
أنا سامحتك... لكن التسامح مش معناه إن
كل شيء يرجع زي الأول.
هز رأسه.
فاهم.
وانتهى طريقنا بهدوء.
لا كره...
ولا انتقام.
فقط كل واحد تحمل نتيجة اختياراته.
بعد عام...
كنت واقفة في المصنع أمام العمال.
المكان الذي ظن الجميع أنه سيضيع بعد موت أبي.
لكنه عاد أقوى.
ابتسمت وأنا أنظر إلى صورة أبي.
وقلت
كنت فاكرة إن فقدان عيني كان أكبر
خسارة في حياتي...
لكن الحقيقة إنني كنت أحتاج أفقد الرؤية فترة... عشان أتعلم أشوف الناس على حقيقتهم.
دخلت الشمس من نافذة المكتب.
لم أغمض عيني.
لم أخف من النور.
لأنني عرفت أخيرًا...
أن أصعب لحظات حياتنا أحيانًا لا تأتي لتكسرنا...
بل لتكشف لنا القوة التي لم نكن نعرف أنها بداخلنا.
تمت.

تم نسخ الرابط