كنت فاكرة

لمحة نيوز

كنت فاكرة إن الحادثة اللي فقدت فيها نظري هي أكبر ابتلاء في حياتي، لكن اكتشفت بعدها إن أحيانًا الابتلاء بيكون هو الطريق الوحيد اللي يخلينا نشوف الحقيقة.
يوم الحادثة، العربية كانت هتنقلب بينا على الطريق الجبلي. في لحظة خوف، ما فكرتش في نفسي... رميت جسمي ناحية عادل عشان أحميه من الصدمة.
هو خرج من الحادثة بإصابات بسيطة...
أما أنا، فخرجت منها وأنا فاقدة بصري.
في الأيام الأولى، كنت حاسة إن حياتي انتهت. كنت متعودة أعتمد على نفسي في كل حاجة، وفجأة بقيت محتاجة حد يفتحلي الباب، يقرألي الورق، ويساعدني في أبسط التفاصيل.
لكن عادل وقف جنبي.
كان يدخل عليا المستشفى كل يوم، يمسك إيدي ويقولي
إنتِ مش حمل عليا يا حبيبتي... إنتِ مراتي، وأنا واجبي أقف جنبك.
الكلام ده كان بيخليني أبكي من الامتنان.
كنت بدعيله في كل صلاة، وأقول لنفسي ربنا عوضني بجوز يخاف عليا.
ولما رجعت البيت، جابلي نرمين، ممرضة متخصصة، عشان تساعدني في العلاج والحركة، خصوصًا وقت ما يكون هو في المصنع.
كنت شايفة إن عادل بيحاول يعمل المستحيل عشاني.
لكن مع الوقت، بدأت أحس إن في حاجات مش مفهومة بتحصل.
كان بيطلب مني أمضي أوراق كتير بحجة إنها إجراءات تخص المستشفى والمصنع.
كنت بثق فيه ثقة عمياء.
كنت أقوله
اقرأهالي يا عادل، أنا مش شايفة.
فيبتسم ويقول
دي حاجات بسيطة يا حبيبتي، كلها عشان أحافظ على شغلك لحد ما ترجعي.
وكنت أوقع.
لأني كنت فاكرة إن الإنسان اللي أنقذته بحياتي، مستحيل يضرني.
بعد شهور، سمعت بالصدفة الدكتور بيقول لأخويا
في احتمال كبير إن النظر يرجع بالتدريج بعد العملية.
قررت أعمل العملية من غير ما أقول لعادل.
كنت عايزة أفاجئه.
وفعلًا، بعد العملية بأيام، بدأت أشوف النور... ثم الأشكال... ثم التفاصيل.
لكن بدل ما أفرح فقط...
بدأت ألاحظ أشياء لم أكن أراها من قبل.
لاحظت إن عادل بقى متوتر لما

أتكلم عن أوراق المصنع.
ولاحظت إن نرمين نفسها كانت مترددة كل ما أسألها عن بعض الملفات.
وفي يوم عيد جوازنا، قررت أعمل المفاجأة.
لبست النظارة السوداء، ومسكت العصا، وفضلت أمثل إني لسه مش شايفة.
دخلت الصالة.
كان عادل مجهز عشاء بسيط، وداعي أخوه ومراته.
قعد جنبي وهو بيقول قدامهم
ربنا يعينك يا حبيبتي، عارف إن الفترة دي كانت صعبة عليكي.
ابتسمت وقلت
كفاية إنك كنت جنبي.
لكن وأنا بتكلم، كنت شايفة نظرة القلق في عينيه.
مش نظرة شخص فرحان برجوع مراته...
نظرة شخص خايف من حاجة.
بعد العشاء، لاحظت إن عادل دخل مكتبه بسرعة لما وصله اتصال.
مشيت وراه بهدوء.
وقفت عند الباب.
سمعته بيتكلم
أنا عارف إن الموضوع اتأخر... بس هي مضت خلاص. التوكيل هيسهل إدارة كل حاجة.
تجمدت مكاني.
سمعت الطرف الآخر يسأله
ومتأكد إنها مش هتكتشف؟
رد عادل
هي لسه فاكرة إني بساعدها.
رجعت غرفتي وأنا مصدومة.
لم يكن الأمر خيانة حب...
كان أسوأ بالنسبة لي.
كان خيانة ثقة.
في اليوم التالي، ذهبت مع أخي إلى المحامي.
وهناك اكتشفت الحقيقة.
الأوراق التي وقعت عليها لم تكن مجرد إجراءات علاج.
كانت توكيلات واسعة لإدارة أملاكي وحساباتي.
لكن المفاجأة الأكبر...
أن المحامي أخرج ملفًا قديمًا وقال
في حاجة لازم تعرفيها. والدك كان متوقع إن يحصل نزاع على إدارة الشركة بعد وفاته، وترك تعليمات خاصة.
فتحت الملف بيد مرتعشة.
كان هناك خطاب من أبي.
كتب فيه
يا بنتي، لا تخافي من خسارة المال... خافي فقط من أن تعطي ثقتك لمن لا يستحقها.
أغلقت الخطاب ودموعي نزلت.
لأول مرة فهمت...
أبي لم يترك لي ثروة فقط.
ترك لي حماية.
في المساء، عدت إلى البيت.
دخلت الصالة وأنا بدون النظارة السوداء.
نظر إليّ عادل واتسعت عيناه.
قلت بهدوء
أنا بشوف يا عادل.
تجمد.
ثم قلت
وشفت كمان الأوراق اللي مضيت عليها.
جلس على الكرسي بصمت.
حاول يشرح
أنا كنت
بحاول أحمي الشركة... المصنع كان داخل على أزمة.
قلت
ولو كنت صريح معايا، كنت ساعدتك. لكنك اخترت تستغل اللحظة اللي كنت فيها ضعيفة.
لم يرد.
أكملت
أنا لا أتهمك إنك ما وقفتش جنبي... أنا ألومك لأنك وقفت جنبي بيد، وخبيت عني الحقيقة باليد الثانية.
في الأيام التالية، بدأت رحلة طويلة لاستعادة السيطرة على عملي.
لم يكن الأمر سهلًا.
اكتشفت أخطاء إدارية كثيرة، وقرارات اتخذت بدون الرجوع لي.
لكنني لم أبحث عن الانتقام.
كنت أبحث عن الحقيقة فقط.
وبعد شهور من التحقيق والمراجعة، عاد المصنع لي، وعاد اسمي لي.
أما عادل...
فلم أختر أن أحطمه.
تركته يتحمل نتيجة قراراته.
وفي يوم افتتاح خط الإنتاج الجديد، وقفت أمام صورة أبي في المصنع.
قلت
كنت فاكرة إن فقدان نظري هو اللي أخذ مني حياتي... لكن الحقيقة إنه كان اللحظة اللي فتحت عيني فيها على كل شيء.
ومن يومها...
لم أخف من الظلام مرة أخرى.
لأنني عرفت أن أقسى لحظة في حياتي...
كانت هي بداية قوتي تكملة القصة...
لكن ما كنتش أعرف إن اللي اكتشفته عن عادل كان مجرد بداية...
لأن بعد أسبوع واحد من إلغاء التوكيل، حصل شيء قلب كل حساباتي.
كنت في مكتبي في المصنع، براجع ملفات قديمة، لما دخل عليّ المحامي وهو ماسك ظرف بني في إيده.
ملامحه كانت مختلفة.
قلتله بقلق
في إيه؟
حط الظرف قدامي وقال
ده وصلنا النهارده... ومكتوب عليه اسمك.
فتحت الظرف ببطء.
كان جواه صورة من عقد قديم جدًا... عقد شراكة في المصنع.
لكن الاسم الموجود بجانب اسم والدي خلاني أتجمد.
كان اسم شخص أنا أعرفه كويس...
عادل.
رفعت عيني للمحامي وقلت
إزاي؟ عادل عمره ما كان شريك مع أبويا.
رد بهدوء
وده اللي لازم نعرفه.
بدأنا نراجع الأوراق.
اكتشفنا إن قبل وفاته بأشهر، والدي كان داخل في مشروع توسعة كبير، وكان محتاج شخص يثق فيه يساعده في الإدارة.
لكن الغريب...
إن كل النسخ الأصلية للعقد
اختفت من ملفات الشركة.
ولولا الظرف ده، ما كناش عرفنا إن العقد موجود.
في نفس اليوم، اتصل بيا عادل.
صوته كان هادي بشكل غريب.
قال
لازم نتكلم.
قلت
عن إيه؟
سكت لحظة ثم قال
عن حاجة كنت مخبيها عنك من سنين.
قلبي دق بسرعة.
قلت
إيه هي؟
رد
الحادثة اللي حصلت... مش زي ما إنتِ فاكرة.
سكتُّ.
الكلمة دي خلت جسمي كله يتجمد.
قلت
تقصد إيه؟
قال
قابليني، وهفهمك كل حاجة.
قفلت الهاتف وأنا حاسة إن الماضي كله بيتفتح من جديد.
كنت فاكرة إن مشكلتي مع عادل كانت مجرد أوراق وثقة ضاعت...
لكن دلوقتي بدأت أسأل نفسي
هل الحادثة نفسها كانت مجرد قضاء وقدر؟
ولا كان وراها شيء أنا ما كنتش أعرفه؟
في المساء، قابلته في مكان عام.
كان شكله مختلف.
مش الشخص الواثق اللي كان بيحاول يسيطر على كل شيء.
كان رجلًا خائفًا.
حط قدامي ملف صغير وقال
أنا غلطت في حاجات كتير... لكن في حاجة لازم تعرفيها.
فتحت الملف.
وجدت صورًا وتقارير قديمة من يوم الحادث.
وفي آخر صفحة...
كان فيه اسم شخص آخر.
شخص كان قريب من العائلة.
رفعت عيني لعادل وقلت
إيه علاقة الشخص ده باللي حصل؟
أخذ نفسًا عميقًا وقال
لأن يوم الحادث... العربية ما كانتش لوحدها على الطريق.
سكت.
ثم أكمل
كان فيه حد بيتابعنا قبلها بأيام.
شعرت بقشعريرة.
قلت
وليه ما قلتليش؟
خفض عينيه وقال
لأني خفت... وخفت أكتر لما اكتشفت إن الشخص ده كان عارف كل حاجة عن أملاك والدك.
في اللحظة دي فهمت...
الموضوع لم يعد مجرد زوج أخطأ.
هناك شخص آخر كان يحرك الخيوط من الخلف.
وفجأة...
رن هاتف عادل.
نظر إلى الشاشة، وتغير وجهه.
قلت
مين؟
لم يرد.
أمسكت الهاتف من يده.
كان هناك اسم ظاهر على الشاشة.
اسم جعل الدم يتجمد في عروقي...
عمي محمود...
عمّي الذي كان الجميع يعتبره أقرب شخص لوالدي بعد وفاته.
رفعت عيني لعادل.
وقلت
هو كان يعرف؟
لكن قبل أن يجيب...
وصلت رسالة جديدة على هاتفه
قلتلك
ما تفتحش الملف... دلوقتي أنت وهي هتندموا.
في تلك اللحظة...
عرفت أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.
لأن اللي حاولوا يخسروني بصري...
كانوا يحاولون الآن أن يخسروني كل شيء.
يتبع...تكملة القصة...
فضلت
تم نسخ الرابط