جدى هو الى ربانى

لمحة نيوز

إن خيره وصل لناس عمره ما شافهم.
أغلقت الرسالة وابتسمت.
أدركت أن المعروف لا ينتهي عند صاحبه، بل يمتد من شخص لآخر، وربما لأجيال كاملة.
عادت إلى بيت عم حسن، وفي المساء جمعت الأطفال وقالت لهم
كل واحد فيكم، لما يكبر، أوعدني بحاجة.
سألوها إيه هي؟
قالت
لما تساعدوا حد، ما تستنوش منه شكر... اطلبوا منه يساعد شخص تاني.
هز الأطفال رؤوسهم بالموافقة.
ابتسمت وهي تنظر إلى صورة جدها المعلقة على الحائط، وشعرت أن الرسالة التي عاش من أجلها أصبحت الآن في أيدٍ كثيرة.
وهكذا، لم يعد بيت عم حسن مجرد مكان للأيتام...
بل أصبح بداية لسلسلة طويلة من الخير، لا أحد يعرف أين ستنتهي، لأن أثر الإنسان الصالح يبقى حيًا، حتى بعد أن يرحل بسنوات طويلة. النهاية. بعد مرور ثلاثين عامًا، أصبحت مريم جدةً هي الأخرى.
وفي إحدى الليالي الممطرة، سمعت طرقًا خفيفًا على باب بيت عم حسن.
فتحت الباب، فوجدت طفلة لا تتجاوز السابعة، ترتجف من البرد وتمسك حقيبة مدرسية صغيرة.
ركعت مريم أمامها وسألتها برفق
اسمك إيه يا حبيبتي؟
قالت الطفلة وهي تبكي
اسمي سارة... ومبقاش ليا حد.
في تلك اللحظة، عادت بمريم الذاكرة عشرات السنين إلى الوراء... إلى الليلة التي فقدت فيها والديها، وإلى اليد التي امتدت إليها دون تردد.
ابتسمت رغم دموعها، ومدت يدها للطفلة وقالت
تعالي... من النهارده، إنتِ في بيتك.
دخلت سارة، وكبرت بين جدران البيت نفسه الذي بناه حب رجل بسيط اسمه حسن.
وعندما بلغت الثامنة عشرة، وقفت مريم تسلمها مفتاحًا نحاسيًا قديمًا.
تعجبت سارة وسألت
المفتاح ده بتاع إيه؟
ابتسمت مريم وقالت
ده كان مفتاح ورشة جدي... احتفظت بيه كل السنين دي.
ثم وضعت في يدها رسالة جديدة.
قالت
كل جيل في العيلة كان بيسيب رسالة للي بعده... ودلوقتي جه دورك.
فتحت سارة الرسالة، وكان مكتوبًا فيها
يا بنتي... يمكن متعرفينيش، لكن الخير عمره ما بيحتاج معرفة. لو المفتاح ده وصل لإيدك، يبقى حد قبلك اختارك يكمل المشوار. أوعي تخلي باب الرحمة يتقفل، لأن في يوم من الأيام، حد فتحه لمريم... ومريم فتحته لغيرها... ودلوقتي الدور عليكي.
أغلقت سارة الرسالة وهي تبكي
نظرت مريم إلى صورة جدها المعلقة على الحائط، وهمست
شايف يا جدو؟... الخير اللي زرعته من أكتر من خمسين سنة، لسه بيكبر.
وفي الخارج، كانت السماء تمطر بهدوء... تمامًا مثل الليلة التي بدأت فيها الحكاية.
لكن هذه المرة، لم تكن نهاية قصة...
بل كانت بداية قصة جديدة،
يحملها قلب آخر، ورسالة أخرى، وكلها بدأت من رجل قال يومًا
البنت هتيجي معايا... والموضوع انتهى. تمت بعد سنوات من تسليم سارة الأمانة، أصبحت هي المديرة الجديدة لبيت عم حسن، بينما اكتفت مريم بالجلوس في الحديقة كل صباح، تراقب الأطفال وهم يجرون ويضحكون.
وفي صباح هادئ، اقترب منها شاب في الثلاثين من عمره يحمل كاميرا.
قال حضرتك مريم؟
ابتسمت وقالت أيوه.
قال أنا صحفي، وبعمل فيلم وثائقي عن عم حسن. كنت فاكر هكتب قصة عن راجل ربّى حفيدته... لكن اكتشفت إني هكتب قصة عن راجل غيّر حياة آلاف البشر.
ابتسمت مريم وقالت الفضل لله... ثم لجدّي.
وبعد أشهر، عُرض الفيلم في إحدى القنوات، وانتشرت قصة عم حسن في كل مكان.
بدأ الناس يتبرعون لبناء بيوت جديدة للأيتام في محافظات مختلفة، وكل بيت كان يحمل لافتة صغيرة مكتوبًا عليها
على خُطى عم حسن.
وفي يوم الافتتاح الأول، كانت مريم تجلس على كرسيها المتحرك، بعدما تقدمت بها السن.
أحاط بها عشرات الأطفال الذين أصبحوا شبابًا، ومعهم أبناؤهم.
قال أحدهم
إحنا كلنا ولاد عم حسن.
ضحكت مريم، وقالت
لأ... إحنا كلنا ولاد الخير.
وفي تلك الليلة، عادت إلى غرفتها، وفتحت صندوق الذكريات.
كان فيه أول ضفيرة شعر احتفظ بها جدي، وصورتي وأنا في المدرسة، وأول شهادة نجاح، والمفتاح النحاسي القديم.
الصندوق، وأغمضت عينيها.
وفي الصباح، دخلت سارة لتطمئن عليها.
وجدتها راحلة في هدوء... وعلى وجهها ابتسامة صغيرة، وكأنها رأت جدها مرة أخرى.
نفذت سارة وصيتها، ودُفنت مريم بجوار عم حسن.
ووُضع على شاهد قبرها سطر واحد فقط
هنا ترقد مريم... طفلة ربّاها رجل صالح، فأكملت رسالته حتى آخر يوم من عمرها.
وبقي بيت عم حسن مفتوحًا، يستقبل كل طفل فقد أهله، ويمنحه ما منحه حسن لحفيدته يومًا
بيتًا... وأمانًا... ومستقبلًا.
وهكذا انتهت حياة مريم، لكن الرسالة لم تنتهِ، لأن الخير الحقيقي لا يموت، بل ينتقل من قلب إلى قلب، ومن جيل إلى جيل. النهاية الحقيقية بعد عشرات السنين...
وقف طفل صغير أمام لوحة كبيرة عند مدخل بيت عم حسن، وسأل أمه
هو مين عم حسن؟
ابتسمت الأم وقالت
كان راجل بسيط... لكنه أنقذ حياة بنت صغيرة.
رد الطفل ببراءة
وبعدين؟
قالت وهي تشير إلى الأطفال الذين يملأون المكان
والبنت دي كبرت... وأنقذت حياة آلاف غيرها.
في تلك اللحظة، دق جرس المدرسة التابعة للمؤسسة، وخرج مئات الأطفال يضحكون.
لم يكن أحد منهم يعرف عم حسن، ولا مريم، لكنهم كانوا يعيشون بسبب
قرار اتخذه رجل عجوز قبل عشرات السنين، عندما قال
البنت هتيجي معايا.
وفي مكتب الإدارة، كانت الرسالة الأولى التي كتبها حسن إلى مريم محفوظة داخل إطار زجاجي، يقرأها كل موظف جديد قبل أن يبدأ عمله.
وكان آخر سطر فيها يقول
لو قدرت تخلي حد ينام مطمن، يبقى عشت حياتك صح.
أصبحت تلك الجملة شعار المؤسسة.
ومع مرور الزمن، حملها كل طفل كبر فيها، ثم خرج إلى الدنيا، ليصنع خيرًا جديدًا.
وهكذا لم تعد قصة عم حسن ومريم مجرد حكاية...
بل أصبحت أثرًا لا ينتهي، ورسالة تتوارثها القلوب.
انتهت القصة... لكن الخير الذي بدأت به لن تكون له نهاية. بعد سنوات، قرر مجلس إدارة المؤسسة إنشاء متحف صغير داخل بيت عم حسن يحكي قصة البداية.
لم يكن المتحف مليئًا بالمقتنيات الثمينة، بل بأشياء بسيطة جدًا
مشط خشبي كان عم حسن يستخدمه وهو يسرح شعر مريم.
حقيبة المدرسة القديمة.
اللانش بوكس المعدني الذي كانت تأخذه كل صباح.
المفتاح النحاسي للورشة.
والرسالة الأولى التي كتبها لمريم.
وكان آخر ركن في المتحف عبارة عن كرسي خشبي قديم.
تحته لوحة صغيرة مكتوب عليها
كان عم حسن يجلس هنا كل مساء، ينتظر حفيدته حتى تعود من المدرسة.
الغريب أن أغلب الزوار كانوا يبكون عند هذا الركن أكثر من أي شيء آخر.
لأنهم أدركوا أن الحب الحقيقي لا يظهر في الكلمات الكبيرة، بل في التفاصيل الصغيرة.
وفي يوم الافتتاح، حضر رجل مسن تجاوز التسعين.
ظل يتأمل صورة عم حسن طويلًا، ثم قال
رحمه الله... كنت صاحبه من أيام الشباب.
سأله أحد الموظفين
إيه أكتر حاجة فاكرها عنه؟
ابتسم الرجل وقال
كان دايمًا يقول الفلوس بتخلص... لكن التربية الطيبة بتعيش بعد صاحبها.
ساد الصمت.
ثم بدأ الأطفال الذين يعيشون في المؤسسة يرددون الجملة وراءه، حتى امتلأت القاعة بأصواتهم.
ابتسم الرجل، وأغمض عينيه وهو يقول
دلوقتي... أقدر أمشي وأنا مطمن. الرسالة وصلت.
وبعد رحيله، أضافت إدارة المتحف تلك الجملة إلى جدار كبير عند المدخل، فأصبحت أول ما يراه كل زائر
الفلوس بتخلص... لكن التربية الطيبة بتعيش بعد صاحبها.
ومنذ ذلك اليوم، صار كل طفل يغادر بيت عم حسن يحمل هذه الكلمات في قلبه، قبل أن يحملها في ذاكرته.
وبقي اسم عم حسن لا يُذكر لأنه كان غنيًا، ولا لأنه كان مشهورًا... بل لأنه كان إنسانًا اختار أن يربي قلبًا، فأنبت هذا القلب آلاف القلوب الأخرى. بعد مئة عام...
كان مبنى بيت عم حسن قد تحول إلى مؤسسة كبيرة تضم مدارس ومستشفى
ومكتبة ومركزًا
لتعليم الحرف، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير...
في المدخل، كانت صورة رجل عجوز يبتسم، وتحتها عبارة
من هنا بدأت الحكاية.
وفي أحد الأيام، جاءت مجموعة من طلاب الجامعة لإعداد بحث عن الشخص الذي أسس هذا الصرح.
سأل أحدهم الموظف
فين قبر عم حسن؟
ابتسم الموظف وقال
تعالوا.
اصطحبهم إلى مقبرة صغيرة هادئة، حيث يرقد حسن بجوار مريم.
وقف الجميع في صمت.
ثم قال الموظف
الغريب إن عم حسن ما كانش غني، ولا كان مشهور، ولا كان صاحب منصب... لكنه ربّى إنسانة واحدة صح.
وأضاف وهو يشير إلى المؤسسة الممتدة أمامهم
وأحيانًا... تربية إنسان واحد كويس، بتغيّر مصير آلاف.
ساد الصمت للحظات.
ثم وضعت إحدى الطالبات وردة بيضاء على القبر، وقالت
نفسي أبقى زيهم.
ابتسم الأستاذ المشرف وقال
تقدري... مش لازم يكون معاك ملايين، يكفي يكون عندك قلب.
وفي تلك اللحظة، هبّت نسمة هواء حركت أوراق الأشجار، وكأن المكان كله يهمس بالدعاء.
انصرف الجميع، لكن الوردة البيضاء بقيت فوق قبر حسن ومريم.
ومع غروب الشمس، انعكس الضوء على شاهد القبر، لتظهر الكلمات المنقوشة بوضوح
من أحيا قلبًا بالأمل... عاش إلى الأبد.
وهكذا، بعد قرن كامل، لم يعد أحد يتذكر كم كان في حساب حسن من مال...
لكن الجميع تذكر كم كان في قلبه من رحمة.
ستار. النهاية
في صباح ربيعي هادئ، اجتمع آلاف الأشخاص أمام بيت عم حسن للاحتفال بمرور مئة عام على تأسيسه.
كان بين الحضور أطفال كبروا وأصبحوا أطباء ومهندسين ومعلمين، ومعهم أبناؤهم وأحفادهم.
وقف رئيس المؤسسة على المنصة، وقال
قبل مئة عام، لم تبدأ هذه الحكاية بتبرع كبير، ولا برجل ثري... بدأت بقرار واحد اتخذه رجل عجوز، عندما رفض أن تذهب حفيدته إلى ملجأ، وقال البنت هتيجي معايا.
ساد الصمت، ثم ارتفعت أصوات التصفيق.
بعدها أزيح الستار عن تمثال بسيط لعم حسن، يجلس على كرسي خشبي، وبجواره طفلة صغيرة تمسك بيده.
وتحت التمثال كُتبت عبارة
قد لا تستطيع إنقاذ العالم كله... لكنك تستطيع أن تنقذ عالم شخص واحد.
وفي نهاية الاحتفال، وقف طفل صغير أمام التمثال، ووضع لعبة خشبية عند قدميه، ثم سأل أمه
هو عم حسن هيشوفها؟
ابتسمت الأم وقالت
لو أعمال الخير بتوصل لأصحابها... أكيد شافها.
وفي تلك اللحظة، مر نسيم هادئ بين الأشجار، وتحركت أوراقها كأنها تصفق في صمت.
أما داخل المؤسسة، فكانت الرسالة الأخيرة لعم حسن معلقة في المدخل، يقرأها كل من يدخل
لو ربنا رزقك قلبًا رحيمًا، فقد أعطاك أعظم نعمة. فلا
تبخل بها على أحد.
وهكذا انتهت حكاية مريم وعم حسن...
لكن بقي أثرهما في كل طفل وجد بيتًا، وفي كل إنسان تعلّم أن الرحمة قد تغيّر حياة كاملة.
تمت بحمد الله.

تم نسخ الرابط