جدى هو الى ربانى
المحتويات
عند والدي من أكتر من 15 سنة، وقال ما يتفتحش إلا بعد وفاة عم حسن.
فتحت الصندوق ببطء.
كان فيه ساعة يد قديمة، وصورة لبابا وماما يوم فرحهم، ومعاها خطاب صغير.
فتحت الخطاب، وبدأت أقرأ
يا مريم... لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى ربنا اختار إني أسيب الدنيا. فيه حاجة أخفيتها عنك طول عمرك، مش عشان أخدعك... لكن عشان أحميكي.
بعد وفاة باباكي ومامتك، ناس حاولوا يستغلوا الحادث ويستولوا على قطعة الأرض الصغيرة اللي كانت باسم أبوكي. دخلنا في قضايا سنين، ولحد آخر يوم في عمري كنت بحارب علشان حقك يرجع.
جريت على المحامي أسأله.
ابتسم وقال القضية انتهت قبل وفاة جدك بأيام، لكنه طلب ما تعرفيش غير بعد ما تكبري.
وسلمني ملفًا رسميًا.
كانت الأرض رجعت باسمي بالفعل.
لكن اللي هزني بجد، إن الأرض دي كانت جنب مدرسة.
وقتها افتكرت وصية جدي ساعدي الناس.
بعت الأرض، واستخدمت جزءًا من ثمنها في بناء مركز صغير لتعليم الأطفال الأيتام مجانًا.
وعلقت على مدخل المركز لافتة كتب عليها
بيت عم حسن... هنا يبدأ الأمل.
وفي يوم الافتتاح، وقف طفل صغير ماسك إيدي وقال
هو عم حسن ده كان مين؟
ابتسمت، وبصيت للسماء، وقلت
كان راجل بسيط... لكنه علمني إن أعظم ميراث ممكن يسيبه الإنسان، مش الفلوس... إنما الرحمة، والكرامة، وحب الخير. مرت خمس سنوات...
كبر بيت عم حسن، وبقى بيستقبل عشرات الأطفال كل يوم. كان المكان مليان ضحك وحياة، وكل طفل يدخل يحس إنه لقى بيت حقيقي.
وفي صباح يوم شتوي، وقفت قدام صورة جدي المعلقة على الحائط، وقلت بابتسامة
شايف يا جدو؟ حلمك كبر.
في نفس اللحظة، دخل المحامي، وكان معاه راجل كبير في السن.
بمجرد ما شفته، حسيت إني أعرف ملامحه.
الراجل قرب مني وقال أنا كنت صاحب جدك من أكتر من أربعين
قعدنا نتكلم، وفجأة طلع من جيبه ظرفًا أصفر قديم.
قال عم حسن اداهولي، وقال لو في يوم مريم حققت حلمها ووقفت على رجليها، أسلمهولها.
فتحت الظرف.
كان فيه خطاب أخير.
يا مريم... لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مطمن إنك بقيتي أقوى من أي ظروف. يمكن أنا علمتك أزاي تعيشي، لكن إنتي علمتيني معنى إن التعب عمره ما بيروح هدر.
أوعي تقفلي باب بيتك في وش محتاج، وأوعي تنامي وفي قلبك زعل من حد. سامحي، واعملي الخير، وسيبي الباقي على ربنا.
طويت الرسالة وأنا أبكي، لكن لأول مرة كانت دموعي ممزوجة بابتسامة.
خرجت من المكتب، ولقيت أطفال المركز مستنييني.
واحدة منهم جريت عليا وقالت
ماما مريم... ممكن تحكي لنا حكاية عم حسن؟
ضحكت، وقعدت وسطهم، وبدأت أحكي.
كل يوم كنت أحكي لهم قصة جديدة عنه، لحد ما بقوا يحسوا إنهم يعرفوه، رغم إنهم عمرهم ما شافوه.
وبعد سنوات، لما كبرتُ في العمر، وقفت أمام نفس البيت الذي رباني فيه جدي، وكان مليئًا بالأطفال الذين أصبحوا شبابًا ناجحين.
ابتسمت وأنا أبص لصورته وقلت
كنت فاكرة إنك سيبتني لوحدي... لكن الحقيقة إنك فضلت معايا في كل خطوة.
وانتهت الحكاية، لكن سيرة عم حسن فضلت عايشة في كل طفل اتعلم، وكل محتاج اتساعد، وكل قلب اتغير بسبب الخير اللي زرعه رجل بسيط... اسمه حسن بعد سنوات طويلة، أصبح بيت عم حسن من أكبر دور رعاية الأيتام في المحافظة، وأصبح اسمه معروفًا في كل مكان.
وفي يوم الاحتفال بمرور عشرين سنة على افتتاحه، وقف أحد الشباب على المسرح وقال
أنا اسمي يوسف... دخلت بيت عم حسن وأنا عندي سبع سنين، وماكنش ليا حد في الدنيا. النهارده أنا دكتور، وكل ده بفضل المكان ده.
بعده طلعت بنت صغيرة كانت بتدرس في كلية الهندسة، وقالت
أنا كمان كنت هنا... ولولا
وقفت أسمعهم ودموعي بتنزل.
كل واحد فيهم كان حكاية جديدة، وكل حكاية كانت دعوة في ميزان جدي.
وفي نهاية الحفل، طلبوا مني أطلع أتكلم.
وقفت قدام الميكروفون، وبصيت لصورة جدي الكبيرة المعلقة خلف المسرح.
وقلت
الناس فاكرة إن جدي سابلي فلوس وورشة وأرض... لكن الحقيقة إن أعظم حاجة ورثهالي كانت قلبه.
علمني إن الكرم مش معناه إن معاك كتير... الكرم إن تدي وإنت محتاج.
وعلمني إن الإنسان الحقيقي بيسيبه أثر، مش ضجة.
سكتت لحظة، ثم ابتسمت وقلت
ولو الزمن رجع بيا، ورجعت طفلة تزعل كل ما يسمعها جدي يقول معناش فلوس... وأقوله شكرًا... لأنك علمتني إن أغلى ثروة في الدنيا هي الإنسان.
وقف كل الحضور يصفقون.
رفعت عيني للسماء وهمست
الله يرحمك يا جدو... كنت صادق في كل حاجة، حتى الكذبة الوحيدة اللي قلتها كانت عشان مستقبلي.
وفي تلك الليلة، شعرت لأول مرة أن الحزن الذي رافقني منذ رحيله قد تحول إلى سلام... وأن الإنسان قد يرحل بجسده، لكن أعماله الطيبة تظل حية في قلوب الناس ما دام هناك من يكمل طريقه.
تمت. بعد انتهاء الحفل، كانت مريم تستعد للمغادرة، لكن موظفة الاستقبال اقتربت منها وقالت
فيه راجل كبير مستني حضرتك من الصبح، ورافض يمشي غير لما يشوفك.
خرجت إليه.
كان رجلًا تجاوز الثمانين، يمسك عصا خشبية، وملامحه مرهقة.
ما إن رآها حتى امتلأت عيناه بالدموع.
قال بصوت متقطع
إنتِ مريم... حفيدة حسن؟
هزت رأسها.
أخرج من جيبه كيسًا قماشيًا صغيرًا، وقال
أنا كنت السبب في إن جدك يعيش سنين من غير ما يعرف الراحة.
نظرت إليه باستغراب.
أكمل
من ثلاثين سنة، شركتي أعلنت إفلاسها، وكنت مديون بمبلغ كبير. كل الناس سابتني... إلا جدك. باع قطعة الأرض الوحيدة اللي كانت باسمه،
شهقت مريم.
قال الرجل
لما حاولت أردله الفلوس، رفض. وقال لي لو ربنا كرمك يومًا، ساعد حد غيري.
ثم وضع أمامها حقيبة جلدية.
قال
دي قيمة الدين بعد ما حسبت كل السنين، وزيادة كمان. أنا فضلت أدور عليكي بعد وفاته علشان أسدد الأمانة.
فتحت الحقيبة.
كانت مليئة بالأوراق الرسمية وشيك بمبلغ كبير.
أغلقتها برفق، ثم أعادتها إليه.
قالت بابتسامة هادئة
لو جدي كان موجود، عمره ما كان هيقبل الفلوس لنفسه.
سألها الرجل
أمال نعمل بيها إيه؟
قالت
نبني بيها مبنى جديد في بيت عم حسن... يكون فيه مستشفى صغير للأطفال، ويبقى ثوابه ليه.
ابتسم الرجل لأول مرة منذ سنوات، وقال
دلوقتي عرفت إنك فعلًا حفيدة حسن.
وبعد عام، افتُتح المبنى الجديد.
وعُلقت على مدخله لوحة رخامية كُتب عليها
هذا المكان بُني وفاءً لرجل علّم الناس أن الخير لا يموت.
وفي يوم الافتتاح، وقفت مريم أمام صورة جدها، وابتسمت وهي تقول
كنت فاكرة إنك سيبتلي ميراثًا... لكن الحقيقة إنك سيبتلي رسالة، وأنا هفضل أكملها طول عمري. مرت سنوات أخرى...
وأصبحت مريم في الأربعين من عمرها، لكن كان هناك شيء لم يتغير أبدًا.
كل يوم خميس، قبل غروب الشمس، كانت تذهب إلى قبر جدها حاملة باقة من الياسمين، تجلس بجواره ساعة كاملة، وتحكي له كل ما حدث في أسبوعها، وكأنه ما زال يسمعها.
وفي أحد الأيام، كانت تستعد للمغادرة، فاقترب منها طفل صغير لا يتجاوز العاشرة.
قال لها حضرتك مريم؟
ابتسمت وقالت أيوه.
ناولها الطفل ظرفًا وقال جدي قال لي أسلمهولك لو شفتك هنا.
فتحت الظرف، فوجدت ورقة صفراء قديمة، كُتب في أعلاها
دين أخير لعم حسن.
كان الخطاب من رجل كتب
من خمسين سنة، أنقذني حسن من الغرق وهو شاب. يومها قال لي لو
متابعة القراءة