جدى هو الى ربانى
جدّي هو اللي رباني بعد ما أبويا وأمي ماتوا.
بعد عزاه بأسبوعين بس اكتشفت إنه كان بيكدب عليا طول حياتي!
أنا اسمي مريم وعندي 18 سنة. لما كان عندي 6 سنين، بابا وماما خرجوا في ليلة مطرة في نوفمبر ورجعوش تاني.. سواق سكران خبطهم وماتوا في وقتها.
في الوقت اللي كان الكبار فيه بيوشوشوا وبيتكلموا عن الملاجئ ومن يربيني، في شخص واحد وقف ومترددش لحظة..
جدي عم حسن.
كان عنده 65 سنة، هلكان وتعبان، وضهره وركبه مأثرين عليه. بس خبط بإيده على الترابيزة وقال بعزم ما فيه البنت هتيجي معايا، والموضوع قُضي الأمر فيه.
ومن اليوم ده، بقى هو كل دنيتي.
سابلي أوضته الكبيرة، وأخد هو الأوضة الصغيرة.
اتعلم إزاي يعملي ضفاير في شعري من اليوتيوب.
كان بيحضرلي اللانش بوكس، وييجي كل اجتماعات أولياء الأمور في المدرسة، ويقعد على الكراسي الصغيرة بتاعة مكملين كي جي وكأن ده الطبيعي في الدنيا.
مكانش معانا كتير.. مفيش خروجات وسفر، مفيش أكل من بره، ومفيش هدايا من غير مناسبة. لو في يوم طلبت أي حاجة زيادة، رده كان دايماً واحد، حنين بس قاطع معناش فلوس للحاجة دي يا بنتي.
كنت بكره الجملة دي أوي!
في الوقت اللي البنات اللي في سني بيلبسوا فيه على الموضة، كنت بلبس لبس قديم ومستعمل.
هما معاهم تليفونات جديدة، وأنا معايا تليفون شاشته مكسورة.
روايات_مشيره_محمد
كنت زعلانة منه ومغلولة عشان دايماً بيقول لأ.. مغلولة لدرجة إني كنت بعيط في المخدة بليل.
بس بعد كده، جدي تعب جامد.. الراجل اللي كان شايل دنيتي كلها على كتافه، فجأة مابقاش قادر يطلع السلم من غير ما ينهج وروحه تروح. وبسرعة كدة، دنيتي بدأت تتهز.. ولما مات.. دنيتي وقفت تماماً.
بطلت آكل.. وبطلت أنام.. لحد ما في يوم، تليفوني رن من
جدك مكانش الشخص اللي إنتي فاكراه.. إحنا لازم نتكلم!
روايات_مشيره_محمد
اكتب تم في الكومنتات لو عايز تكملة القصة.
لايك وسيبلي كومنت وهرد عليكم باللينكتكملة القصة
فضلت ماسكة التليفون بإيدي وأنا مش قادرة أتكلم.
قلت بصوت مرتعش حضرتك مين؟
الراجل رد بهدوء أنا المحامي الخاص بجدك... وسيبلي وصية لازم أنفذها بعد وفاته بأسبوعين.
رحتله وأنا قلبي بيدق بقوة، وكل الأفكار الوحشة بتلف في دماغي. أول ما دخلت المكتب، حط قدامي ظرف بني قديم مكتوب عليه بخط جدي
لمريم... ما تفتحيش الجواب ده إلا بعد ما أموت.
دموعي نزلت قبل حتى ما أفتحه.
بدأت أقرأ...
يا مريم... لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا خلاص مشيت. وأول حاجة لازم تعرفيها... أنا فعلاً كنت بكدب عليكي طول السنين دي.
وقفت مكاني، وإيدي بدأت ترتعش.
كل مرة كنت أقولك معناش فلوس، ماكنتش الحقيقة كاملة.
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
كمل الجواب
كان معايا فلوس... لكن مش كتير زي ما يمكن تتخيلي. كنت مخبي جزء منها في حساب باسمك. كل جنيه وفرته كان عشان يوم تكبري وتكملي تعليمك وتبدأي حياتك من غير ما تحتاجي تمدي إيدك لحد.
بكيت أكتر.
افتكرت كل مرة طلبت منه هدوم جديدة أو تليفون، وكل مرة كنت بزعل منه وأقفل باب أوضتي.
المحامي فتح ملف وقال جدك كان بيودع مبلغ صغير كل شهر من معاشه. عمره ما سحب منه جنيه.
ناولني كشف الحساب.
كان فيه مبلغ كبير بالنسبة لواحدة في سني... يكفي مصاريف الجامعة، وشقة صغيرة أبدأ بيها حياتي.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
المحامي قال في حاجة تانية لازم تعرفيها.
طلع صندوق خشب صغير.
جواه ألبوم صور، وخطابات بين جدي وبابا.
عرفت وقتها إن بابا
لو جرالي حاجة... أوعى تحسس مريم إنها يتيمة. خليها تحس إنها أغلى بنت في الدنيا.
انهرت من العياط.
كل مرة جدي كان يقول معناش فلوس، كان في الحقيقة بيختار يحرم نفسه قبل ما يحرمني من مستقبلي.
كان بيلبس نفس الجاكيت عشر سنين.
وكان يصلح نظارته بدل ما يشتري واحدة جديدة.
وكان يرفض يركب تاكسي ويوفر الأجرة عشان يحطها في حسابي.
رجعت البيت، ودخلت أوضته.
لقيت في الدولاب علبة صغيرة.
جواها ورقة أخيرة مكتوب فيها
سامحيني لو زعلتك في يوم... كنت خايف أسيبك للدنيا من غير سند. يمكن كنت كدبت في كلمة، لكن عمري ما كدبت في حبي ليكي الجواب وأنا ببكي.
وفي اليوم اللي استلمت فيه أول شهادة تخرج ليا من الجامعة، وقفت قدام قبره، وحطيتها فوق الرخام وقلت
نجحت يا جدو... بالفلوس اللي كنت بتقول إننا معندناش منها.
وقتها فهمت إن بعض الأكاذيب... بتكون أكبر دليل على الحب، لما تكون علشان تحمي مستقبل اللي بتحبه بعد التخرج، بدأت أشتغل في شركة كبيرة، وكان أول مرتب قبضته عملت بيه حاجة واحدة بس...
اشتريت باقة ورد أبيض، ورحت عند قبر جدي.
وقفت قدامه وقلت فاكر يا جدو لما كنت أزعل منك عشان كنت ترفض تجيبلي اللي بطلبه؟ دلوقتي عرفت إنك كنت بتبنيلي حياة كاملة، وأنا كنت فاكرة إنك بتحرمني.
وأنا خارجة من المقابر، رن تليفوني.
كان المحامي.
قال في حاجة كنا مستنيين الوقت المناسب علشان نقولهالك.
استغربت وسألته خير؟
قال جدك كتب في الوصية إن بعد ما تشتغلي وتقدري تقفي على رجلك، نسلمك مفتاح مكان كان مقفول بقاله سنين.
اداني مفتاح نحاس قديم، وقال ده مفتاح الورشة بتاعته.
روحت العنوان.
كانت ورشة نجارة صغيرة جدًا، بابها عليه تراب، ولافتتها القديمة مكتوب عليها ورشة حسن للأثاث.
فتحت الباب.
ريحة الخشب كانت لسه مالية المكان، وكأن جدي لسه شغال فيه.
على الترابيزة لقيت دفتر قديم.
فتحته، ولقيت فيه أسماء عشرات الأسر.
جنب كل اسم مبلغ مكتوب، وفي الآخر كلمة واحدة اتسدد.
سألت المحامي إيه ده؟
ابتسم وقال جدك كان بيساعد ناس كتير من غير ما حد يعرف. كان يصلح لهم الأثاث ببلاش، ويدفع مصاريف مدارس لبعض الأطفال، ويسدد ديون أرامل، وكل ده في السر.
فضلت أبص للدفتر وأنا مذهولة.
أنا اللي كنت فاكرة إننا عايشين على قدنا، اكتشفت إن الراجل ده كان غني بأخلاقه قبل أي حاجة.
وبين صفحات الدفتر، لقيت ظرف صغير باسمي.
فتحته، وكان فيه ورقة مكتوب فيها
لو قدرتي تقري الرسالة دي، يبقى ربنا كرمني وعرفتك الحقيقة. أوعي تخلي الفلوس تغير قلبك، واعرفي إن قيمة الإنسان في اللي يسيبه في قلوب الناس، مش في اللي يسيبه في البنك.
بعد أيام قليلة، علقت نفس اللافتة من جديد، لكن أضفت تحتها سطرًا صغيرًا
ورشة حسن... إصلاح الأثاث، وصندوق لمساعدة غير القادرين.
ومن يومها، بقيت أكمل الطريق اللي بدأه جدي.
كل شخص كان يدخل الورشة ويدعي له، كنت أحس إن جدي لسه عايش... بس في دعوات الناس ومحبتهم بعد شهور، بدأت الورشة ترجع للحياة من جديد.
الناس كانت بتدخل وهي مستغربة.
إنتي حفيدة عم حسن؟
كنت أبتسم وأرد أيوه.
وفجأة كانوا يقعدوا يحكولي مواقف عمري ما سمعتها.
راجل كبير قال جدك دفع مصاريف عملية مراتي، ولما حاولت أرجعله الفلوس رفض وقال لما ربنا يوسع عليك ساعد غيرك.
وسيدة مسنة قالت وهي بتمسح دموعها لولا جدك، كنت أنا وولادي نمنا في الشارع.
كل يوم كنت أكتشف إن الإنسان اللي رَبّاني كان بطل حقيقي، لكنه عمره ما حب يتكلم عن نفسه.
وفي أحد الأيام، دخل شاب في أواخر العشرينات، كان ماسك
قال أنا بدور على حفيدة عم حسن.
قلت أنا.
ناولني الصندوق وقال ده أمانة