الناس كلها

لمحة نيوز

كل ما يدخل دار الرعاية يقف ثواني قدام الدبدوب القديم، يبتسم، ويكمل طريقه.
وفي صباح يوم هادئ، وصلت للدار عربية صغيرة، ونزلت منها طفلة عندها حوالي ثماني سنين، كانت مرعوبة ومش بتتكلم مع حد.
كل العاملين حاولوا يطمنوها، لكنها فضلت ساكتة.
لحد ما آدم قعد على الأرض قدامها، وقال بابتسامة
أنا مش هجبرك تتكلمي... بس لو حبيتي، أنا هسمعك.
رفعت الطفلة عينيها، وبصت للدبدوب الموجود في المدخل، وسألت بصوت خافت
هو ده بتاعك؟
ابتسم آدم وهز رأسه.
أيوه... أنقذ حياة أمي.
استغربت الطفلة.
فحكى لها قصته كلها، من أول صرخته في الشارع لحد ما رجعت أمه.
أول مرة... الطفلة ابتسمت.
وفي آخر اليوم، قالت جملة خلت كل الموجودين يسكتوا
كنت فاكرة إن محدش هيصدقني... بس دلوقتي عرفت إن فيه ناس بتسمع.
نظر كريم، الذي كان يحضر احتفالًا في الدار، إلى آدم بفخر، وقال لإيمان
زمان هو كان الطفل اللي بيدور على حد يسمعه... والنهارده بقى هو الشخص اللي بيسمع غيره.
ابتسمت إيمان وقالت
يمكن دي كانت رسالة ربنا من كل اللي حصل.
خرج الجميع إلى حديقة الدار، وكانت ضحكات الأطفال تملأ المكان.
أما الدبدوب القديم...
فبقي في مكانه، شاهدًا على قصة بدأت بصرخة في شارع مزدحم، وانتهت بأمل غيّر حياة عشرات الأطفال.
لكن آدم لم يكن يعلم... أن الأيام القادمة ستضعه أمام اختبار جديد، أصعب من كل ما مر به من قبل...
يتبع...الجزء التاسع
بعد أسبوع من وصول الطفلة الجديدة، بدأ آدم يلاحظ حاجة غريبة.
كل يوم، قبل المغرب بدقائق، كانت تقف عند سور الدار وتبص للشارع كأنها مستنية حد.
وفي يوم سألها بهدوء
مستنية مين؟
سكتت شوية، وبعدين قالت
بابا... وعدني إنه هيرجع ياخدني.
نظر آدم إلى إيمان، لكنها أشارت له ألا يضغط عليها.
مرت الأيام، والطفلة كانت تكرر نفس المشهد.
إلى أن جاء مساء ممطر، وتوقفت سيارة قديمة أمام الدار.
نزل منها رجل تبدو عليه علامات التعب، وطلب مقابلة إدارة الدار.
دخل المكتب وهو يرتجف وقال
أنا والد
الطفلة... فضلت أدور عليها شهور بعد ما فقدتها، ولسه عرفت إنها هنا.
لكن إيمان لم تتسرع.
طلبت منه كل الأوراق التي تثبت هويته، وأبلغت الجهات المختصة للتأكد من كلامه.
وبعد أيام من الفحص والتحقيق، تأكد الجميع أنه والدها بالفعل، وأنه ظل يبحث عنها في كل مكان بعد أن ضاعت منه أثناء سفر.
كان اللقاء مؤثرًا...
جرت الطفلة نحوه وهي تبكي
بابا... كنت فاكرة إنك نسيتني.
وقال
مستحيل أنساكي... فضلت ألف عليكِ ليل ونهار.
وقف آدم يشاهد المشهد، فابتسم وهو يتذكر اليوم الذي عاد فيه إلى أمه.
اقترب منه كريم وقال
شايف يا آدم؟ الخير لما يبدأ من موقف واحد، ممكن يوصل لناس كتير.
هز آدم رأسه وقال
وأنا اتعلمت إن أول واحد يسمع استغاثة إنسان... ممكن يكون سبب في إنقاذ عمر كامل.
خرج الأب مع ابنته بعد انتهاء الإجراءات القانونية، ولوّحت الطفلة لآدم من نافذة السيارة وهي تبتسم.
ابتسم لها، وشعر أن كل ما مر به من ألم كان له معنى... لأنه جعله سببًا في رسم بداية جديدة لغيره.
يتبع...الجزء العاشر
مرّت عدة أشهر، وأصبح آدم متطوعًا دائمًا في دار الرعاية، يساعد الأطفال في دروسهم ويقضي معهم أغلب وقته.
وفي أحد الأيام، كانت الدار تستعد لإقامة احتفال صغير بمناسبة مرور عشر سنوات على افتتاحها.
وأثناء ترتيب المخزن القديم، وجد آدم صندوقًا خشبيًا عليه اسم والده.
تعجب ونادى أمه.
حضرت إيمان بسرعة، وفتحت الصندوق وهي ترتجف.
كان بداخله صور عائلية، وساعة يد قديمة، ورسائل كتبها والد آدم قبل وفاته.
أخذ آدم إحدى الرسائل وبدأ يقرأ بصوت مرتعش
إذا كنت تقرأ رسالتي يا بني، فاعلم أنني كنت أحلم أن أراك رجلًا شريفًا، لا يترك مظلومًا ولا يتجاهل استغاثة أحد. قد لا أكون بجوارك، لكني واثق أن أمك ستربيك على الخير.
لم تستطع إيمان حبس دموعها.
أما آدم فأغلق الرسالة، ونظر إلى السماء وقال
أوعدك يا أبي... أفضل طول عمري أساعد أي محتاج.
في مساء الاحتفال، وقف كريم أمام الحضور وقال
من عشر سنوات، طفل
صغير وقف في الشارع يصرخ، لكن الناس لم تصدقه. واليوم، هذا الطفل نفسه أصبح شابًا يزرع الأمل في قلوب عشرات الأطفال.
تعالت التصفيقات في القاعة.
ثم صعد آدم إلى المسرح، وأمسك بالدبدوب القديم الذي أصبح رمزًا للدار، وقال
لو في يوم سمعتوا طفلًا بيطلب المساعدة... اسمعوه. يمكن كلمة واحدة منكم تنقذ حياة إنسان.
وقف الجميع وصفقوا طويلًا، بينما كانت إيمان تنظر إلى ابنها بفخر، وقد أدركت أن أصعب محنة مرت بها تحولت إلى رسالة خير ستبقى بعدهم بسنوات طويلة.
النهاية الحقيقية الجزء الحادي عشر
مرّت ثلاث سنوات أخرى...
وأصبح آدم في العشرين من عمره، يدرس في كلية الحقوق، لأنه كان يؤمن أن العدالة لا تتحقق بالشجاعة فقط، بل بالقانون أيضًا.
وفي صباح أحد الأيام، بينما كان يجلس في مكتبه الصغير داخل دار الرعاية، دخل عليه رجل مسن يحمل حقيبة جلدية قديمة.
قال الرجل بهدوء
أنت آدم؟
ابتسم آدم وقال
أيوه... اتفضل.
وضع الرجل الحقيبة على المكتب وقال
أنا كنت المحاسب الخاص بجدك زمان. وبعد وفاته احتفظت بأمانة كان طلب مني ما أسلمهاش إلا لما تكبر.
فتح آدم الحقيبة، فوجد ملفات وأوراقًا قديمة، ومعها خطاب مختوم.
فتح الخطاب وقرأ
يا آدم... إذا وصلت لك الرسالة دي، فاعرف إن الثروة الحقيقية مش الفلوس، لكنها السمعة الطيبة ومساعدة الناس. لو في يوم بقيت قادر تغير حياة إنسان للأفضل، اعملها من غير تردد.
أغلق آدم الرسالة وهو متأثر.
ثم فتح الملفات، فوجد أن جده كان قد خصص قطعة أرض كبيرة لتُقام عليها مدرسة مجانية للأطفال غير القادرين، لكن المشروع توقف بعد وفاته.
نظر آدم إلى كريم وقال
لازم ننفذ وصية جدي.
ابتسم كريم وقال
وأنا أول واحد هساهم في بنائها.
وبالفعل، بدأ العمل في المدرسة، وبعد عام واحد فتحت أبوابها واستقبلت مئات الأطفال.
وفي يوم الافتتاح، وقف آدم أمام التلاميذ وقال
يمكن زمان كنت طفل بيطلب النجدة، لكن النهارده دوري إني أكون سبب في مستقبل أحسن ليكم.
صفق الأطفال بحرارة،
بينما وقفت إيمان في الصف الأول، ودموع الفرح تملأ عينيها.
كانت تعرف أن رحلة الألم التي عاشتها هي وابنها لم تذهب هباءً، بل أصبحت بداية لحياة أفضل لكثير من الناس.
يتبع...النهاية
مرّت خمس سنوات أخرى...
أصبح آدم محاميًا شابًا، وعُرف بين الناس بأنه لا يرفض قضية لمظلوم، خصوصًا إذا كان صاحبها طفلًا أو امرأة لا تجد من يدافع عنها.
أما دار الرعاية والمدرسة المجانية، فقد تحولتا إلى مكانين يخرّجان أجيالًا من الأطفال الذين وجدوا فرصة جديدة للحياة.
وفي الذكرى العشرين لذلك اليوم الذي وقف فيه آدم يصرخ في الشارع، أقيم احتفال كبير داخل الدار.
حضر كريم، وإيمان، وكل الأطفال الذين كبروا وغادروا الدار، وعادوا ليقولوا شكرًا للمكان الذي احتواهم.
وقف آدم أمام الجميع، ثم طلب إحضار الدبدوب القديم.
أمسكه بين يديه، وابتسم وقال
زمان كنت فاكر إن الدبدوب هو اللي أنقذ أمي... لكن الحقيقة إن اللي أنقذها هو إن شخصًا واحدًا قرر يسمعني بعد ما الجميع تجاهلني.
ثم التفت إلى كريم وقال
لو حضرتك ما كنتش رجعت في الليلة دي، ما كنتش هقف هنا النهارده.
ابتسم كريم وقال
وأنا لو ما قابلتكش، كان زماني فاكر إن النجاح فلوس وشركات بس. إنت علمتني إن قيمة
الإنسان في الرحمة.
تقدمت إيمان، ابنها أمام الجميع وهي تقول
كنت أخاف عليك وأنا طفل... واليوم أنا فخورة بالرجل اللي بقيته.
وسط التصفيق، رفع آدم الدبدوب ووضعه داخل صندوق زجاجي جديد، وتحته لوحة كُتب عليها
لا تتجاهل استغاثة أحد... فقد تكون أنت الفرق بين الحياة واليأس.
وفي نهاية الاحتفال، خرج الأطفال يزرعون شجرة كبيرة في حديقة الدار.
أطلقوا عليها اسم شجرة الأمل.
قال آدم وهو يضع أول حفنة من التراب حولها
كل فرع فيها هيكون ذكرى إن الخير يبدأ من قرار صغير... وإن الرحمة ممكن تغيّر مصير إنسان.
كبرت الشجرة عامًا بعد عام، كما كبرت أحلام الأطفال الذين عاشوا في الدار.
أما الدبدوب القديم، فظل في مكانه، ليس لأنه لعبة...
بل لأنه كان
شاهدًا على اليوم الذي أثبت فيه طفل صغير أن الحقيقة لا تحتاج إلى صوتٍ عالٍ بقدر ما تحتاج إلى قلبٍ مستعد أن يسمع.
تمت.

تم نسخ الرابط