الناس كلها
الناس كلها قالت إن الواد اتهبل لما فضل يصرخ أمي محبوسة جوه صندوق الزبالة... لكن رجل أعمال رجع بتأنيب ضميره، ولما طلع موبايله وكلم الشرطة، ماكنش يتخيل إن تسجيل متخبي جوه دبدوب قديم هيقلب قضية عيلة كاملة رأسًا على عقب.
الجزء الأول
إلحقوني! أمي جوه صندوق الزبالة! بالله عليكم طلّعوها قبل ما تموت!
الصوت شق الشارع كأنه انفجار.
الساعة كانت حوالي ستة وربع المغرب، في شارع جانبي ورا سوق العتبة في قلب القاهرة. محدش صدّق آدم، طفل عنده سبع سنين، جسمه رفيع، ولابس سويت شيرت رمادي مبلول عرق، وحاضن دبدوب قديم باهت كأنه آخر حاجة باقياله في الدنيا.
كان بيشاور على صندوق زبالة أخضر كبير، الحديد بتاعه كله صدى، واقف جنب حيطة مليانة إعلانات ممزقة وجرافيتي قديم. إيده كانت بتترعش جامد، لدرجة إن الناس افتكرته هيقع من الخوف.
أمي جوه... قالها بصوت مبحوح وهو بيعيط. خالي رماها جواه... بالله عليكم ساعدوها!
ست كانت شايلة أكياس خضار وقفت لحظة، بصتله، وهزت راسها.
يا حبة عيني... أكيد أمه سابته، والواد من الصدمة بقى بيقول أي كلام.
وعم سيد بتاع الكبدة اللي كان واقف على عربيته ضحك ضحكة بايخة وهو بينضف الصاج.
هو في حد بيتحط جوه صندوق زبالة يا ابني؟ الواد شكله اتخض أو عايز يلفت نظر الناس.
ولا حد قرب.
ولا حد حتى فكر يرفع غطا الصندوق.
كل واحد بصله نفس البصة اللي الناس بتبص بيها لأي مشكلة في الشارع... شفقة سريعة، وبعدها يكمل طريقه كأن مفيش حاجة حصلت.
في اللحظة دي، عربية SUV سودا فخمة وقفت على جنب.
نزل منها كريم المنشاوي... واحد من أشهر رجال الأعمال في مصر.
لابس بدلة كحلي شيك، وجزمته بتلمع، ووشه مفيهوش أي تعبير... وش واحد اتعود إن الناس كلها تنفذ كلامه من غير نقاش.
كان
في حياته عمل صفقات بالمليارات، واستغنى عن موظفين من غير ما يرمش، واتخان واتغدر بيه كتير لحد ما قلبه بقى حجر.
لكن أول ما آدم جري عليه ومسك طرف الجاكيت بتاعه... حس بحاجة غريبة ضغطت على قلبه.
يا بيه... حضرتك أكيد تقدر تساعدني... قالها آدم وهو بينهج. أمي اسمها إيمان... جوه الصندوق... أنا سمعتها بتتأوه... مش قادرة تتنفس.
كريم بص لإيده الصغيرة المليانة تراب وهي ماسكة هدومه الغالية.
أول رد فعل كان إنه يبعدها.
روح هات أمين شرطة يا ابني... أنا مش هقدر أعملك حاجة.
محدش راضي يصدقني!
يبقى روح لحد من أهلك.
الولد وطّى راسه وقال بصوت مكسور
معنديش غيرها...
الجملة خبطت كريم في حتة قديمة جواه... ذكرى كان فاكر إنه دفنها من سنين.
لكنه تجاهل الإحساس.
فك إيد الطفل من هدومه بهدوء، ولف ومشي ناحية الكافيه.
ومن وراه، فضل آدم يصرخ بكل قوته
أمي جوه! خالي رضا هو اللي حطها هناك! أنا شفته بعنيا!
ناس ضحكت.
وناس قالت الواد شكله اتجن.
وواحدة همست لصاحبتها
يمكن أمه مدمنة ولا حاجة.
لكن محدش اتحرك خطوة واحدة.
دخل كريم الكافيه، طلب قهوة سادة، وقعد قدام شريكه.
لكن طول الاجتماع... ماكانش سامع كلمة واحدة.
كل شوية يبص من الإزاز.
يشوف آدم قاعد على الرصيف، حاضن الدبدوب بتاعه، وباصص لصندوق الزبالة... كأنه واقف يحرس قبر.
ولما الليل نزل، كريم خرج.
اتفاجئ إن الطفل لسه في نفس مكانه.
إنت لسه هنا؟ قالها بنبرة حاول يخبي بيها ضيقه.
آدم رفع وشه، وكان منفوخ من كتر العياط.
لو مشيت... أمي هتموت لوحدها.
الكلمة نزلت على قلب كريم زي الحجر.
حس بتأنيب ضمير، لكنه حاول يدفنه زي كل مرة.
طلع شوية فلوس من محفظته ومدهاله.
خد... اشتريلك حاجة تاكلها،
الولد حتى مبصش للفلوس.
وقال وهو ماسك الدبدوب أكتر
أنا مش عايز فلوس... أنا عايز أمي.
كريم فضل واقف مكانه كام ثانية.
وبعدين حط الفلوس فوق كرتونة كانت جنب الرصيف، وركب عربيته.
أول ما العربية اتحركت...
آدم جري وراها وهو بيصرخ بأعلى صوته
يا بيه... بالله عليك... متسبنيش!
لكن كريم مبصش وراه.
وفي الليلة دي...
وسط زحمة القاهرة وأصوات العربيات والناس...
كان فيه طفل عنده سبع سنين قاعد لوحده جنب صندوق زبالة...
بيحرس أمه...
بعد ما كل الناس قررت إنها متصدقوش.
لكن اللي محدش كان يعرفه...
إن اللامبالاة دي كانت هتكشف سر مرعب، وهيفضح كدبة كبيرة هتدمر عيلة كاملة... وتغيّر مصير كل واحد فيها.
يتبع في الجزء التاني...الجزء الثاني
الساعة عدّت عشرة بالليل.
كريم كان سايق عربيته، لكن صورة آدم وهو قاعد جنب صندوق الزبالة وحاضن الدبدوب كانت بتطارده. كل ما يحاول ينساها، يسمع في ودانه صوت الطفل وهو بيقول أنا مش عايز فلوس... أنا عايز أمي.
وقف العربية على جنب، وطلع موبايله واتصل بالنجدة.
بعد أقل من ربع ساعة، وصلت عربية الشرطة والإسعاف، ورجع كريم معاهم للمكان.
لقوا آدم لسه قاعد في نفس مكانه، عينيه حمرا من كتر العياط، لكنه أول ما شاف كريم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
كنت عارف إنك هترجع.
اقترب الضابط من صندوق الزبالة وفتحه، لكن الصندوق كان فاضي.
بدأ بعض الناس يهمسوا
الواد أكيد اتلخبط.
لكن آدم هز رأسه بعنف وقال
كانت هنا... خالي رضا خدها قبل ما تيجوا بدقايق.
الضابط سأله بهدوء
وإنت عرفت منين؟
رد آدم
ماما كانت دايمًا تقول لي لو حصل لها حاجة، أحافظ على الدبدوب ده.
وفجأة وقع الدبدوب من إيده على الأرض.
ولما كريم التقطه، لاحظ إن فيه فتحة صغيرة
فتحها بحذر، فوجد بداخلها هاتفًا صغيرًا مغلقًا.
أخذه الضابط، وبعد شحنه لدقائق، ظهر عليه تسجيل صوتي.
انطلق صوت سيدة مرهق
أنا إيمان... لو حد سمع التسجيل ده، يبقى أخويا رضا احتجزني علشان يخليني أوقّع على التنازل عن بيت أبويا والأرض اللي ورثناها. أنا رفضت، وهو هددني إنه هيخفي حقيقتي ويبعدني عن ابني.
ثم سُمع صوت رجل غاضب يقول
اقفلي التسجيل!
وانتهى المقطع فجأة.
ساد صمت ثقيل.
نظر كريم إلى آدم، وشعر أن الطفل كان يحاول طوال اليوم أن يقول الحقيقة، لكن لم يمنحه أحد فرصة.
أصدر الضابط أوامره بسرعة بتتبع هاتف إيمان والبحث عن رضا، بينما بدأ فريق آخر في مراجعة كاميرات المراقبة الموجودة في الشارع.
وفي أقل من ساعة، ظهرت إحدى الكاميرات سيارة نقل صغيرة تقف بجوار صندوق الزبالة، ثم ينزل منها رضا ويحمل امرأة فاقدة للوعي ويضعها داخل السيارة مرة أخرى قبل وصول الشرطة بدقائق.
عندها أدرك الجميع أن آدم لم يكن يتخيل شيئًا...
بل كان يحاول إنقاذ أمه منذ البداية.
يتبع في الجزء الثالث...الجزء الثالث
تحركت سيارات الشرطة بسرعة بعد ما حددوا خط سير سيارة رضا من كاميرات المراقبة.
آدم كان قاعد في عربية الإسعاف، ماسك الدبدوب بإيده الصغيرة، وكل شوية يسأل
هو ماما هترجع؟
كريم كان واقف جنبه، وحط إيده على كتفه وقال
هنلاقيها... أوعدك.
بعد تتبع الكاميرات، وصلت الشرطة إلى مخزن قديم على أطراف القاهرة، كان مقفول من بره بسلسلة حديد.
ولما كسروا الباب...
سمعوا صوت خبطات خفيفة جاية من الداخل.
جرى أفراد الشرطة ناحية الصوت، ولقوا إيمان محبوسة في غرفة صغيرة، إيديها متربطة، لكنها كانت لسه على قيد الحياة.
أول ما شافت ابنها، انهارت من العياط.
آدم جري عليها وهو
ماما!
وهي تردد
كنت عارفة إنك مش هتسيبني.
حتى رجال الشرطة تأثروا بالمشهد.
أما رضا، فحاول يهرب من الباب